في اليوم العالمي لحرية الصحافة..واقع العمل الصحفي في العراق ما بعد 2003 بين حرية الصحافة والديمقراطية

بقلم فواد الكنجي
الموضوع; في اليوم العالمي لحرية الصحافة..واقع العمل الصحفي في العراق ما بعد 2003 بين حرية الصحافة والديمقراطية

01 / 05 / 2024
http://nala4u.com

(( أني لا أشاركك آراءك، ولكني مستعد للمجازفة بحياتي ثمنا لحقك في التعبير عنها .. فولتير 1694-1778 )) .


ان المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في سنة 1948 نص ((..لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية ..)) .
(( ان حرية الصحافة هي ضمانة من الضمانات التي تكفل أيضا ضد مظاهر الفساد والحكومات الاستبدادية – جون ستيوارت مل ،عن الحرية 1859 )) .

أين نحن مما تقدم …! المشهد الصحفي والإعلامي في (العراق) وخلال الأعوام القليلة الماضية ، جرجرة الكثير من المراسلين الصحفيين والإعلاميين والكتّاب والمفكرين نحو العدالة ، وسَحل كرامتهم في قاعات المحاكم، للمثول أمامها بتهم القذف والمس بالشخصيات والتعرض لفلان أو إعلان، تحت عنوان كبير اسمه ( قانون العقوبات ) ، بمجرد أنهم تجرؤوا على نشر مقالات تتعرّض للفساد ، تجعل صاحبها محط أنظار ومتابعات من قبل الجهات التي تعتبر نفسها معنية بما تم نشره .

ورغم تدخل النقابات الصحفية لدفاع عنهم أمام المحاكم ولكن جميع تلك المحاولات فشلت ، بل أضرت بعض التجارب فيها بالمهنة بدلا من خدمتها ، وضاعت بوصلة الصحفيين في خضم الصراع على المصالح الذي قفز إلى سيادة الكلمة، واستباحها، بضرب و خطف و تهديد الكثير من العاملين فيها ، فبات وقوف الصحفي أمام العدالة لمواجهة تهمة القذف ، في كثير من الأحيان، وقوفا رمزيا، تغيب فيه الحجة، وتضيع عنه الكلمات ، وتبح فيها أصوات الدفاع، لأن الصحفي المحاكم ، وقف امام القضاة وبرفقه قتلة ومجرمين و لصوص وقطاع الطرق في كثير من الجلسات ، إذ لم يجد مصدرا يعتمد عليه، ولا منبرا نقابيا يدافع عنه ، ولا قارئا وفيا يخلص له ويسانده ، فيكون مضطرا حينها، لانتظار حق الشفاعة من الجهة التي تحاكمه ، ولكوني واحد من الذين وقف متهما لنشر مقالة نقدية نقدت ألفلان الفلاني.. ، فان المشهد لمتابعة القضائية الذي كان ماثلا أمام تحول إلى هاجس بدلا من كونها استمرارا لمعركة الدفاع عن الحقيقة… ، ولعل في تزايدها بكثرة خلال السنوات الماضية، وغياب نصوص قانونية واضحة ومتفق عليها لصياغة تلك المحاكمات، ساهم في تضخيم (الأنا) الرقابية لدى الصحفي، فبات يتكفل بعدّ أنفاسه قبل أن يعدّها الآخرون له ، ويضع ألف خط أحمر أمام كتاباته، درءا للشبهات والملاحقات وحماية لنفسه من التجريح والشتائم في غرف التحقيق قبل سياق القضية إلى المحاكم ، ولو كان ذلك على حساب حريته في قول الحقيقة…..!

ورغم أن التصرف الأخير يتعارض مع الحق في الإعلام ، إلاّ أن الصحفيين يرون أنهم في ذلك، يتعاملون بواقعية مع مثل هذه الأمور، فالحق في الكرامة الشخصية أسبق من كل الحقوق، وعليه، شهدنا الكثير من صور الارتجالية في العمل، وغياب التوثيق في نقل المعلومات، وبيع الضمير لمن يدفع أكثر، وعرض العقل في مزاد علني أو سرّي رخيص، عبر أكثر من موقف، بشيء جعل من المهنة مقبلة على ما هو أمرّ وأصعب وأخطر مما هي فيه الآن .

ومن خلال هذا الواقع تأتي أهمية تشريع قوانين رغم ان (الدستور العراقي) تكفل شكلياً الحقوق والحريات، لكن غالباً لا تجد لها تطبيقاً فعلياً في الواقع كحرية التعبير والحريات المرتبطة بها، فطالما الديمقراطية غائبة ، ومادامت الدولة فوق القانون، وحقوق المواطنين منتهكة، فيصبح التمسك بالدستور بعيد المنال.

ان حرية التعبير عن الأفكار والآراء لا تحدها قيود ورقابة حكومية طالما لا تشكل خرقاً للقوانين التي تتماشى والديمقراطية، وهذه الحرية لن تتحقق إلا بسقوط العوائق التي تحول دون أن يعبر المرء عن رأيه. ان حرية التعبير هي النتيجة الطبيعية لحرية الاعتقاد والمدخل الرئيسي لممارسة الحقوق العامة الأخرى، ومعارضة الأفكار لا تبرر الحد من التعبير عنها ، وعلى الأنظمة أن لا تأخذ على عاتقها مجرد دور المنظم لحق التعبير بل أن تمارس دوراً حيادياً حيالها. كما تعد حرية التعبير أم الديمقراطية ، وقد جاء في هذا السياق قول الفيلسوف جو ستيوارت ميل :

 ((.. إذا كان كل البشر يمتلكون رأياً واحداً وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأياً مخالفاً، فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة…)).

ونشير في هذا المقام إلى الظروف الموضوعية اللازمة لممارسة حرية التعبير، لا يمكن أن تتم دون توفر ظروف موضوعية محددة تمكن الجميع سواءً كان حزباً سياسياً أو أطراً اجتماعية أو اقتصادية أو حتى على المستوى الفردي، ليعبّر كل هؤلاء عن رأيهم وتصوراتهم في كافة القضايا والظروف الموضوعية .

إن كيان الشعب في ظل نظام فاشي يحجر على حرية التعبير معرض للتأزم والتفكك، فيفسح الطريق للانشقاق الداخلي ، والاختبار الحقيقي لحرية التعبير لا يتحقق من خلال الدفاع عن آراء موالية للنظام أو المقبولة لديه إلى حد ما، بل حتى في حماية الآراء الناقدة للنظام السياسي القائم طالما لا تدعوا إلى العنف ويتم ممارستها بشكل سلمي، فحرية التعبير هي روح الفكر الديمقراطي لأنها صوت الشعب بطبقاته وشرائحه المختلفة، فالأولى حماية هذه الحرية والتي تعد ممارسة عادلة وحقيقي للديمقراطية.

أن حرية التعبير هي الأساس لأي ديمقراطية جدية ، وفي أي بلد تنعدم فيه حرية التعبير، لا يمكن أن تكون الديمقراطية كاملة ، بيد أن حرية التعبير تأخذ أحيانا الشكل الانتقائي حتى في أعرق الديمقراطيات في العالم ، فيبقى هناك دائما بعض من المواضيع التي لا يمكن مناقشته وعليه فان الفرد متى ما كان حرا في التعبير عن رأيه كان حرا في ممارسة الحريات الفكرية الأخرى ، باعتبارها مظاهر للتعبير عن الرأي ، ونحن نعي بان حرية التعبير لها أوجه متعددة تأخذ أبعادها في الصحافة والأعلام وتستند هذه الحرية على حرية الرأي وهي تندرج من حرية الأفراد في التعبير عن أرائهم الى حرية المؤسسة التي تتمتع بها وسائل الأعلام ، ومن هنا نستطيع القول بان حرية الرأي هي حق من حقوق المدنية المطلقة وهي تتغذى وتنمو في كنف الديمقراطية ، ان لم تكن تلازمها ، والنظام الديمقراطي هو نظام يؤمن بالتعددية الحزبية والمشاركة السياسية والفصل بين السلطات وبوجود مجتمع مدني قوي بمؤسسات مستقلة وفاعلة في المجتمع في ظل احترام للقوانين والدستور ، لان أي كلام عن الديمقراطية في غياب احترام القانون يعتبر ضربا من الخيال وإقامة الانتخابات من دون تدخل حزبي ، وأي انتهاك في هذا المسلك ، أي في ظل غياب الديمقراطية وغياب المجتمع المدني وعدم احترام القوانين والدستور، فلا تكريس لحرية الصحافة والأعلام والرأي او التعبير في الدولة ، أي دولة كانت ، وفي ظل الفضاء السياسي الحالي لـ(العراق) ما بعد 2003 بغياب الأمن ولاستقرار وغياب مجتمع مدني مستقل و فعال وغياب الديمقراطية الحقيقية و بغياب احترام القانون وغياب التوازن كل هذه العوامل لأسف أثرت سلبا على حرية الصحافة والأعلام ، رغم ان السلطة المؤقتة في (العراق) بعد سقوط النظام السابق في  2003 ؛ كانت تبشر بفضاء أعلامي وصحفي متنوع وحر، فاعل وقوي، ولكن للأسف لم يستطع إن يصمد في ظل غياب القوانين بكون السلطة مؤقتة آنذاك ، وانشغال الدولة بعملية التناوب على السلطة وغياب معارضة منظمة وقوية مضادة وفاعلة .. وقد عمت الفوضى في كل مفاصل الدولة العراقية فلم تفرز التعددية السياسية والحزبية حرية الصحافة والأعلام لأنها في الأساس كانت تعددية مزيفة ، كما ان الصحافة والأعلام المستقل بطبيعة العمل الحزبي و السياسي للدولة ظلت قوة ضعيفة فلم تستطع تكريس حرية الصحافة والأعلام ، لان التعددية الحزبية لم تؤد الى حرية الصحافة والأعلام لأسباب أولها مضايقات حزبية لها ، في ظل غياب قانون للصحافة والأعلام وضعف دور النقابات والاتحادات الصحفية ، وعلى نحو ذلك فان التعددية الصحفية والإعلامية لم يؤدي بطبيعة الحال الى حرية الصحافة والأعلام ، لان حرية الصحافة هي قبل كل شئ ( سلوك وثقافة ) قبل ان تكون قوانين .

ان غياب الديمقراطية وانتشار ظاهرت الإرهاب عوامل عرقلة حرية الصحافة والأعلام رغم التعددية الحزبية والسياسية في العراق ، و رغم ان وجود التعددية لا يعني بان هناك ديمقراطية ، رغم ان الديمقراطية ليست حل لازمة الديمقراطية ذاتها ، لان الديمقراطية لا تقر بالقوانين او بتعديل دستوري او بأمر وزاري او نيابي، رغم ان ذلك مهم ، لان هناك مستلزمات يجب توفرها اذ ما أردنا ان نتكلم عن الديمقراطية ( وهذا يتطلب فصول للحديث عنها وهو ليس مجال حديثنا هنا ، رغم أهميته ) .

فالديمقراطية ليست نموذجا جاهزا يمكن استيراده ، لأِنها ظاهرة تاريخية تنمو في كنف البيئة الاجتماعية مع مراحل التطور الحضاري وتتطور مع تطوره في إطار التأثير المتبادل، والديمقراطية لا تقتصر فقط على الإيجابيات ولا تقدم حلولاً سحرية للمعضلات الاجتماعية، بل هي عملية مستمرة تتطلب الكثير من الجهود الجماعية لمواصلة مسيرتها واتساع آثارها وشموليتها، وتتعدد أشكالها بتعدد الأفكار الأيديولوجية وأنظمة الحكم الاجتماعية. و من هنا يمكن أن تتواجد إشكال متنوعة وعديدة من الخطب الديمقراطية. بمعنى أن الديمقراطية ليست محصورة في الأنظمة الليبرالية أو مجتمع معين، بل هي قيما .. ومبادئ ، تتواجد في كافة المجتمعات ، وكل مجتمع يتكيف نفسه مع هذه القيم ويطورها لبناء مسيرة التحول الديمقراطي ، ارتباطا بمرحلة التطور والبيئة الاجتماعية ، كما أن العملية الديمقراطية تتطلب بدءاً بتواجد أحزاب سياسية وأن تكون هذه الأحزاب ديمقراطية ، لكي تتم عملية بناء المجتمع المدني المعاصر وفق شروط ومواصفات عديدة كالتعددية وقبول اختلاف الرأي وحق المعارضة السلمية ، وحق الحريات العامة بضمنتها حرية إنشاء الروابط والمنظمات ، الاستقلال الذاتي ، اللامركزية ، ويشكل المجتمع المدني مدرسة لتدريب المواطنين على القيم الديمقراطية ،المحبة والخيرية والتعاضد المتبادل، ونشر ثقافة المبادرات وتعظيم أهمية الفرد في إطار التعاون الجماعي والرقابة على الحكومة، والتوفيق بين المصالح المتضاربة، والتأكيد على بناء إرادة المواطنة، والتغذية المستمرة لمؤسسات المجتمع بالقيادات المدرَّبة.

ونؤكد هنا بان المجتمع المدني ليس مرادفاً للديمقراطية، أي ليس منافساً لها، ولا يحل أحدهما محل الآخر، بل تتواجدان معاً، بمعنى أنهما متكاملان. لكن الأمر المهم هو الديمقراطية أولاً، ففي غيابها يصعب بناء مجتمع مدني حضاري ، لأِن منظمات المجتمع المدني المعاصر ليست قابلة للحياة في ظل أنظمة استبدادية ، هذه الأنظمة التي لا تسمح بتواجدها، على الأقل بشكل مستقل ذاتياً، لأِنها تقوم على المركزية ولا تسمح لهيئات أُخرى منافستها أو معارضتها .

وحينما نتحدث عن الديمقراطية ، فالديمقراطية لا يمكن ان تعيش في بيئة لا تقر بحرية التعبير ، لان حرية التعبير هي أساس الديمقراطية وهي أكثر الحريات جوهرية وأهمية و لولاها ما وُجدت الديمقراطية و لا يمكن تصور الديمقراطية الحقيقية بدونها ولا يشتمل مصطلح حرية التعبير على حرية الكلام والإعلام فحسب بل يتعدى ذلك إلى حرية الفكر والثقافة والبحث عن المعلومات والحصول عليها ، و تضمن حرية التعبير حق الجميع بالكلام والكتابة دون التعرض لتدخل الدولة ، وما إلى ذلك من الحق في انتقاد الأنشطة المخلة بالعدالة والأنشطة غير القانونية وعدم الكفاءة ، كما تضمن حق إعلام الجمهور وإبداء الآراء أياً تكن ، في سبيل نشر التعبير من اجل التغير و من اجل منح الأقليات الفرصة في رفع أصواتهم لكي يعبروا عن طموحاتهم ، والتصدي للحكم الاستبدادي بقوة الكلمة.

ولما كانت القوانين الدولية قد كفلت حرية التعبير–  كما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – على أن كل شخص له حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة ، وفي التماس الأنباء والآراء وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة دونما اعتبار للحدود .فمن المستحيل أن نعزل التعبير عن حرية الرأي وعن الديمقراطية ، لان الديمقراطية تقتضي المشاركة ، والمشاركة تقتضي المعرفة، والمعرفة تشترط الحق في التعبير عن الرأي ، أي حق نشر المعرفة، والحق في تلقيها .ونتيجة الصراع الدائر بين السلطة والصحافة فقد رسخت فكرة أن تحرير الصحافة من سيطرة السلطة هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق صحافة حرة بمعنى الكلمة والتي تفرز تبعاتها بوجود التعددية الصحفية وتنوعها ، وإدارة المناقشة الحرة في المجتمع ، إن السوق الحرة للصحافة قادرة على توفير الحق لكل فئات المجتمع وقواه السياسية أو الفكرية ، إذ لا يمكن ممارسة الديمقراطية دون صحافة حرة ومستقلة ، مكتوبة كانت أو مرئية أو مسموعة، الصحافة الحرة هي مدنية وليست حكومية في تكوينها وهي تعكس بمختلف اتجاهاتها و وجهات نظر الناس وتفكيرهم وتطرح عليهم آراء ومواضيع كثيرة للنقاش وتوضح وتشرح مشاكل المجتمع، كل هذا يؤدي إلى توعية كبيرة للمواطنين وهذا لا يأتي ألا من خلال مفاهيم الديمقراطية .

وان مصدر الأهم لتوعية المواطن بالثقافة السياسية لأغلب الناس تأتي في الغالب من الصحافة ، هذه المدرسة الديمقراطية حيوية لشحذ عقول الناس وضمائرهم للدفاع عن حقوقهم أمام جبروت الحكومة وغيرها من أصحاب السلطات الاستبدادية ، لذا تعد الصحافة من الأدوات الفاعلة والرئيسية في تدعيم حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في كل دول العالم سواء من خلال مطالبها من الأنظمة الاستبدادية الحرية والديمقراطية ، أو من خلال إبرازها للسلبيات وجوانب الضعف للأنظمة الدكتاتورية ، ومن واجبها رفع الوعي والإدراك لدى الجماهير وتشجيعهم وتحريضهم للمطالبة بحقوقها المشروعة والإنجازات الحقيقة والوطنية ، لحصول الشعب بجميع مكوناته على حقوقه الكاملة من خلال الممارسات الديمقراطية داخل الهيئات والمؤسسات الحكومية والمنظمات المدنية ، فضلاً أن وسائل الاتصال الحديثة ومن بينها الفضائيات والإنترنت والتلفونات الخلوية واتي تعظم من سلطة الصحافة وتضعف من مستوى سيطرة الحكومة على مصادر المعرفة والمعلومات .

وهنا يأتي دور الصحافة والأعلام في التوعية وهذا لا يأتي الا من خلال حرية الصحافة – أي حق الصحفي في التعبير عن آراءه بحرية والحصول على المعلومات وعرضها على الناس كحق من حقوقهم ما دامت هذه المعلومات لا تتنافى مع أخلاقيات المهنة؛  وكما أن الصراع باق ومستمر، وكلاهما يحتاج إلى الآخر ، فالسياسيون يرغبون دائماً في السيطرة على الصحافة وإخضاعها تحت أجنحتهم ، وتسخيرها في خدمة مصالحها ، فحرية الصحفي ومسؤوليته آمران لا ينفصلان ، فالحرية التي لا تقترن بالمسؤولية تغري بتحريف الأنباء وبانتهاكات أخرى ، غير أنه إذا انعدمت الحرية استحالت ممارسة المسؤولية .ويتضمن مفهوم الحرية مع المسؤولية بضرورة الاهتمام بأخلاقيات المهنة ، ويستلزم معالجة عادلة للأحداث مع المراعاة اللازمة لجوانبها المتعددة .إن إدراك المرء لحقوقه ليس كافياً لتأمين انتهاكاتها ، لذلك فإن المسؤولية الرئيسية على عاتق وسائل الإعلام هي فضح هذه الانتهاكات وإدانتها .

فـ(الصحافة العراقية) رغم الأجواء السياسية المتلبدة بالغيوم؛ ساهمت بشكل مثير للاهتمام في مكافحة الفساد والرشوة وحتى الإرهاب، ومن خلال محاولة تقصي كل المعلومات والأخبار التي تفيد بوقوع قضايا فساد تضر بالدولة والمواطنين ، وبعد عام 2003 تحملت الصحافة المستقلة مسؤوليات جد ثقيلة ، حين شعرت بأن البلاد مهددة بالإرهاب وبالحروب طائفية مقيتة، وبأن استقرارها أضحى الأولوية الوحيدة التي ينبغي أن تنصب جل اهتمامها من أجل استبداد الأمن والاستقرار في البلاد ، فتوّلت الصحف الخاصة محاربة الإرهاب، مما جعلها عرضة للاستهداف المباشر فقدمت (الصحافة العراقية) حصيلة جدا ثقيلة تمثلت في الاستهداف المباشر للعاملين في حقل الصحافة والإعلام؛ فتم استشهاد عدد فاق المئات وعلى نحو ذلك تم إصابة وجرح ، بالطلاقات الناري الأوتوماتكية وكاتمة الصوت ، عدد مماثل لهم وعلى نحو ذلك أيضا تم فقدان عدد هائل من الصحفيين والإعلاميين في ظرف أقل من إحدى عشر سنة الماضية ، ورغم ذلك وتحت ظروف بالغة الصعوبة بعدم استتباب الأمن والاستقرار ، واصلت الصحافة العراقية رسالتها بمكافحة الإرهاب والفساد والمحسوبية والتهميش والإقصاء والفساد الإداري والمالي وقمع الحريات والتميز العنصري والطائفي ، من خلال محاولة اقتفاء كل ما يتعلق بهذه الفضائح في مرحلة ما بعد 2003 ، وهذا ما جعلها عرضة للكثير من المضايقات، خصوصا من قبل جماعات المصالح وجماعات المسلحة والمتنفذين في أدارة الدولة والسلطات الحزبية ، كما عرض الصحفيين إلى جملة من المتابعات القضائية، بتهم القذف ونشر معلومات لا تلاءم مصالح هؤلاء ، إلى جانب تسليط أحكام قاسية في حقهم، بلغت حد الحبس ، في ظل غياب إطار قانوني خاص بالصحافة والأعلام أو جهة تعمل على توفير الحماية الكاملة للصحفيين الإعلاميين ولعل أكبر منغصات التي باتت تلاحقهم هو تخوفهم من الآتي –  بعد نشر الحقيقة –  ورغم تأسيس نقابات واتحادات صحفية وإعلامية عديدة في العراق إلا أن كل تلك العناوين وتكتلات ظلت مجرد اسم لعنوان الدفاع عن حقوق الصحافيين والإعلاميين ، وكل تلك الأسماء هي عناوين لفشل مهنيي القطاع في صناعة أطار نقابي يأخذ لهم حقوقهم رغم أن حقوق عدد من القطاعات ينسب إلى الصحافيين فضل المساهمة في تحقيقها.

فمنذ بداية التعددية الإعلامية فشلت (الصحافة العراقية) في تأسيس إطار نقابي قوي يتبنى الدفاع للعاملين فيها ويدافع عن حقوقهم الاجتماعية ، بكون مطالبها أقرب إلى مطالب الحزب السياسي منها إلى مطالب نقابة تدافع عن مصالح فئة من المهنيين، وفي نفس الفخ سقطت كل محاولات إنشاء نقابات ترفع لواء الدفاع عن مصالح الصحفيين في (العراق)، و لعل السبب الحقيقي في هذا الإخفاق يعود إلى أن النقابة ليست لها أي سلطة أو تأثير في الدولة أو أنها ممولة من قبل هذه الجهة أو تلك وبالتالي تقع تحت تأثيرها ، والفرق الوحيد بين المنتسب إليها وغير المنتسب إليها هو أن المنتسب يعطى له هوية وهي أولا وأخيرا غير مجديه بكونها هوية غير معترف بها أمام السلطات وهي لا تقدم ولا تأخر من شيء ، وكذلك بأن الأول ملزم بدفع اشتراك سنوي والمشاركة في كل مناسبة (التنديدية)؛ التي تدعو النقابة إلى تنظيمها.

ومن هنا و بالنظر للتحديات التي تواجهها (الصحافة العراقية) ومن أجل تعزيز حرية الرأي والتعبير والديمقراطية ، بموازاة مع تعزيز تقوية الوعي بتعزيز آليات ممارسة حرية الصحافة، فلا بد من تنظيم حق الصحفي في الوصول إلى مصادر الخبر والحصول على المعلومات ودعم حق النقد، بما هو حق مرتبط بحرية الصحافة، فهذه الأخيرة ليست مجرد ناقلة للأخبار والمعلومات، بل تكتسب مصداقيتها بما تقدمه من تحاليل، وتعليقات وانتقادات …وان يتم معالجة إشكالية القذف عن طريق النشر بدل القضاء . وان يتم أعطاء أولوية دعم المهنية وأخلاقيات المهنة، وذلك يقتضي مواصلة تأهيل العمل الصحفية وتنظيمها، والرفع من قدراتها المهنية حتى تتمكن من أداء مهني حريص على احترام أخلاقيات المهنة ، مع ضرورة دعم الثقة في القضاء وإرساء سياسة عمومية وتشريعية متكاملة في مجال الصحافة والنشر.

فـ(العراق)؛ بحاجة لتشريع صحفي وإعلامي ينبني على مقاربة تساير تطورات العصر، لان الصحافة هي جزء مهم من الجهاز السياسي للدولة، وهي في الوقت نفسه أداة مهمة في بناء المجتمع، ثم هي بعد هذا وذاك مقياس لحضارة الأمم على اختلافها، ومرآة صادقة لنشاطها في شتي الميادين فلا يمكن التغافل أهمية دورها في مجال الحرية والديمقراطية والنظم الدستورية وتحرر الإنسانية من أمراضها المعروفة التي هي الجهل والفقر والمرض .

و أن صحافتنا لقادرة علي تحقيق هذه الآمال أذا أعطيت لها الحرية الكاملة في التعبير عن الرأي وحرية المناقشة ، إذ لا معني لهذه الحرية ألا أذا وجد الرأي ، ولا معني لهذه الحرية ألا أذا وجد بالفعل ومارسه المواطن بالفعل وذلك عن طريق الصحف وغيرها من وسائل الأعلام المعروفة في الوقت الحاضر، و تعتبر حرية الصحافة جزء من حريات أخرى يجب ان يتمتع بها المجتمع الديمقراطي الحر فليس هناك ألا حرية واحدة وجميع الحريات في الواقع متضامنة معها، وانتهاك احدها يعتبر انتهاكا لها جميعا. فماذا سيكون مصير حرية الفكر بدون الحرية الفردية. ..! أن غياب الحرية و الديمقراطية هو المسئول عن التدهور المستمر لمختلف جوانب الحياة في العراق بكون المواطن قد فقد ثقته بأجهزة الدولة التي مازلت تمارس القمع لكثير من الحريات ، ومن هنا تأتي أهمية إلغاء كل القيود المكبلة للحريات وعلى رئسها حرية الصحافة والصحفيين ، بما في ذلك التشريعات والقوانين والأنظمة التي تسمح بتدخل الدولة في شؤون الصحافة ، والعمل في سبيل وجود صحافة حرة لا تخضع للضغوط أي كانت نوعيتها ، لان هذه الصحافة هي التي يتوقف عليها الصرح الديمقراطي الذي سيجعل من العراق بلد ديمقراطي تعددي فيدرالي الذي يفتح أحضانه لأبنائها للتعايش عبر قاعدة الرأي والرأي الأخر بلا مزايدة وضغينة وما إلى ذلك من ممارسات وسلوكيات السلبية التي تقوض السلم الأهلي والتي لا زلنا نعيش تداعياتها بمرارة .

4 / 5 / 2024

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الارشيف, المقالات واللقاءات. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.