انكسار ـ قصة قصيرة ــ بقلم شذى توما مرقوس

القناة ترحب بكم للادلاء بشهاداتكم وبارائكم المحترمة مباشرة او بارسال البصمات الصوتية وغيرها من المشاركات للقناة والتي تهم الجميع.
لطفا..للاشتراك في القناة; انقر على خاصية الاشتراك و( لايك + تعليق ) ليصلكم كل ماهو قيم من شهادات واحداث.
BILADI
@BILADIMEDIA
https://www.facebook.com/profile.php?id=100091079495573
https://twitter.com/Nala4uTv

Kindly..to subscribe to the channel; Just click on the
subscription feature

بقلم شذى توما مرقوس
الموضوع; انكسار ـ قصة قصيرة ــ بقلم شذى توما مرقوس

07 / 04 / 2023
https://nala4u.com

ــ انكسار ـ قصة قصيرة ــ بقلم شذى توما مرقوس

انْكِسَار

ــــــــــــــــــــــــــ

ــ قصَّة قَصيرَة ــ

بِقَلَمِ : شذى توما مرقوس

الأَثْنَين 10 / 10 / 2016 م

…..ذَلِكَ الانْكِسارُ في الرُوحِ والذَات هيمَّنَ علَيْها …. حتَّى الحائِط الَّذِي اصْطدَمَ بِهِ

بَصَرَها انْقَلبَ اخْضِرارَهُ إِلى عُتْمَةٍ وسَواد …. ثُمَّ تَحوَّل بَصَرَها إِلى الصُورَةِ المُعلَّقَةِ علَيْهِ ونَظَرَتْ إِلَيْها بِأَلمٍ وانْدِهاش …. …

متَى غَرزَ الصيَّادُ سَهْمَهُ في صَدْرِ تِلكَ الغزَالَةِ الجَميلَةِ الظاهِرَة فيهِ ؟

كيْفَ وَصلَ السَهْمُ إِلى الغزَالَة ؟

كيْفَ اخْتَرَقَ الرُوحَ مِنْها ؟

البَارِحة كانَتِ الصُورَة سَلِيمة مُعافَاة …. ماذَا دَهاها …. بَدَتِ الغزَالَةُ جرِيحةً تَلْفظ ُ أَنْفَاسَها ……

حوَّلَتْ بَصَرَها عنِ الصُورَةِ علَّها تَجِدُ رِيشَةَ أَملٍ صَغِيرَة ….. لَمْ تَكُنْ هُنَاك ……. غاصَتْ في دَواخِلِها الوَحْشَة ، ونَظَرَتْ إِلى صُورَتِها في المِرْآة …. تَشْعُرُ إِنَّها لا تُساوي شَيْئاً ، وإِنَّ حيَاتَها لا قِيمَة لَها ، فكُلّ المُعوِقاتِ تَجمَّعتْ حوْلَها ، تَكادُ تَخْتَنِقُ فيها ….

تَذَكَّرَتْ كيْفَ أَنَّ صاحِب المَحَلِّ كانَ مُنْزَعِجاً وصَرَفَها بِأُسْلُوبٍ ظاهِرَهُ احْتِرام وحقِيقَتَهُ فَظاظَةٌ واحْتِقَار دُوْنَ سَبَبٍ رَاجِح ، وكيْفَ إِنَّها غُبِنَتْ في حقِّها عِنْدَما حاوَلَتْ إِعادَة آلة كهْربائِيَّة ورَفَضَ البائع ذَلِك ، مرَّتْ بِها ذِكْرَى الرِسَالَة الَّتِي بَقِيَتْ دُوْنَ جوابٍ مِنْ صدِيقَتِها ، فكَّرَتْ في عَمَلِها الَّذِي ضَاعَ مِنْها لأَنَّ الشَرِكة أَعْلنَتْ إِفْلاسَها وصَرَفَتْ مُوَّظفِيها ، لعنَتْ الطلَبِيَّة الَّتِي دَفَعتْ ثَمنَها وأَدْرَكتْ فيما بَعْد إِنَّها ضَحِيَّةُ احْتِيال ، والهاتِفُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ رَنِينَهُ في كُلِّ مَرَّةٍ لِيَسْرق وَقْتَها ويُضايقَها بِإعْلانَاتٍ عنْ بَيْعِ مَنْتُوجاتٍ ما ، أَوْ عمَلِ إِحصائياتٍ لأَغْراضٍ ما ، ثُم َّ تَدَحْرَّجتْ ذَاكِرتها نَحْوَ الصُعُوباتِ المَادِيَّة الَّتِي تُواجِهُها مَعَ أُسْرَتِها خصُوصاً بَعْدَ فُقْدانِها لِعمَلِها ، مرَّ بِخاطِرِها ذِكْرَى الشِجارِ الَّذِي دارَ بَيْنَ ولَدها وابْن الجِيران والتَوَتُر الَّذِي تَرَكَ آثَارَهُ على العائلتين ، وتَبَيَّنَتْ ذاكِرتها وَجْهَ الطبِيب الَّذِي زَارَتْهُ مُؤخَّراً وكمْ كانَ فظَّاً وسَيئاً ، حتَّى إِنَّها اضْطَرَّتْ لِلتَشَاجُرِ مَعهُ وتَركتْ العِيادَة غاضِبَةً ، وبَيْنَما كانَتْ تَظُنُّ أَنَّها الوحِيدَةُ الَّتِي صادَفَها هذَا الأَمْر مَعهُ ، تَبَيَّن لَها

إِنَّه طبِيبٌ مَعْرُوفٌ بِسُوءِ خُلقِهِ وتَعامُلِهِ مَعَ المَرْضَى وإِنَّ صَفْحةَ تَقْييمهِ على الانترنيت ملِيئةٌ بِالشَكاوى ضِدَّه وانْتِقَادَه ، كيْفَ لَمْ تَعْرِف عنْ ذَلِك مِنْ قَبْل ، لِماذَا لَمْ تَسْأَل قَبْلَ أَنْ تَذْهبَ إِلَيْهِ ؟

ومَرَّ بِخاطِرِها ذَلِك المُحامي الَّذِي وكَّلَتْهُ فلَمْ تَعْرِفْ مِنْهُ غيْرَ اسْتِنْزَافِ مالَها دُوْنَ نَتِيجة ، ثُم الصَيْدليّ الَّذِي مَرَّتْ بِهِ لِتَصْرِفَ أَدْوِيتها وعَدَمِ أَمانَتِهِ في ثَمَنِها ، وتَبَيَّنَ لَها فيما بَعْد إِنَّ ذَلِك دأْبَهُ مَعَ كُلِّ المُرْتَادِين علَيْهِ لِصَرْفِ أَدْويتِهِم ، ثُمَّ هذَا التِلْفاز الَّذِي لا يَتَوَقَّف عَنْ بَثِّ أَخْبَارِ الشرُورِ والآثَامِ والجرائم والحرُوب ……..

هكذَا هي اللَحظَات …. حيْنَ يَجْمَعُ الإِنْسَانُ أَحْزَانَهُ لِيَجْعلَ مِنْها قَائمةً طوِيلَة تَبْدأ ولا تَنْتَهي ….

أَيْنَ الأَفْرَاح …. ولِماذَا ولَّتْ ، ولَمْ يَعُدْ لَها مِنْ أَثَر ؟

حتَّى العالَم في اضْطِرابٍ عمِيق ، الحرُوب في كُلِّ مكان ، تَأْكُلُ قُلُوبَ البَشَر وأَعْمَارَهم ، النِفَاق في كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ الأَرْض ، الاحْتِيال على أَشَدَّهُ ، آلاف النَّاس يَمُوتون كُلَّ يَوْم ولا يَعْني الأَمْر أَيَّاً كان ، آلاف الكائنات تَتَقَضَّى ظُلْماً دُوْنَ رَادِعٍ مِنْ ضَمِير ، حتَّى الليالِي صَارَ أَمْرَها عجِيباً …. فيما مَضَى كانَتْ النجُوم تَمْلأُ السَماءَ وأَكْثَرُ بَرِيقاً ، في السَنَواتِ الأَخِيرَة دُخَّانُ الشَرِّ الإِنْسَانيّ حجبَها …. ما عادَ بِالإِمْكانِ رُؤْيَة إِلاَّ القَلِيلِ مِنْها في بَعْضِ الليالي ، حتَّى النجُومُ فَرَّتْ هارِبَةً مِنْ مَدارِها بَعِيداً عَنِ الأَرْض ….

آهٍ …. كمْ هي القَائمةُ مُتْخَمة بِالجِراحات لِتَخْتُمها ذِكْرَى وَفَاةِ والِدتِها ….

تَفَقَّدَتْ بَيْنَ الحِينِ والحِين طِفْلَها الصغِير وهو غارِقٌ بَيْنَ أَلْعابِهِ فاطْمَأَنَّتْ علَيْهِ ، وحاوَلَتْ أَنْ تَخْرُجَ عَنْ دائِرَةِ أَحْزَانِها هذِهِ ففَتَحتْ صنْدُوقَ الذِكْريَات وصَارَتْ تُقَلِّبُ في صُورِ العائلَةِ وتَذَكَّرَتْ كيْفَ الْتَقَتْ زَوْجَها ، وكيْفَ احْتَفَلا بِزَواجِهما في عُرْسٍ بَهيج ، صَارَتْ تُقَلِّبُ الصُورَ تِباعاً وتُحاوِلُ أَنْ تَقْبضَ على الفَرْحةِ البَادِية في عيْنيها وعيْنيّ زَوْجِها حِيْنَها لِتَمُدَّ بِها إِلى يَوْمِها هذَا ولَحظَاتِها هذِهِ ، تَلَمَّسَتْ الصُور بِيَديها ، مَرَّتْ بِذِكْرى الحاضرِين فيها ، ثُمَّ صَارَتْ تًطالِعُ ثَوْبَ زَفَافِها تَتَفَحَّصَهُ وكأَنَّها تَراهُ لِلمَرَّةِ الُأولَى ، فضَحِكتْ ضَحْكةً قَصِيرَة تُمازِحُ فيها نَفْسَها وقَالَتْ : لابَأْس في ذَوْقي ، فالثَوُبُ جمِيل .

جاءَها صَوْتُ صغِيرِها :

ــ ماما … ماما …..

أَجابَتْهُ :

ــ ها أَنا يَا بُنيّ … ماذَا هُناك ؟

رَكضَ إِلَيْها مُسْرِعاً ، وحِيْن وَقَعتْ عيْناهُ على الصُورِ بَيْنَ يَدِيها صَارَ يُحمْلِقُ فيها نَاسِياً ما جاءَ بِهِ ، وصَرَخَ : ـ

ــ ماما …. من هذِهِ ؟

ـــ أنا يَا بُنيّ .

أَشَارَ بِأصْبعِهِ الصغِير إِلى الرَجُل في الصُورَة : :

ـــ ومن هذا الرجل ؟

ــ هذَا بابا … ؟

صاح وكأَنَّهُ أَكْتَشَفَ قَارَّة :

ــ هذا بابا ……. بابا

لَمْ تَتَمالك نَفْسَها عَنِ الضَحِك ، فغَرِقَتْ فيه ، بَيْنَما بَدأَ الطِفْلُ يَبْكي ، وصَارَت الدمُوعُ تَتَطافَرُ مِنْ عيْنيهِ …. اسْتَغْرَبَتْ جِدَّاً ، واحْتَضَنَتْهُ بِحُبٍّ ، وقَالَتْ :

ــ ماذَا هُنَاك يابُنيّ ، لِماذَا تَبْكي ؟

فقَالَ لَها بِصَوْتٍ طفُوليّ مُتَقَطِّعٍ ، وهو يَنْشَج :

ــ لِماذَا ذَهَبْتِ مِنْ دُوْني ، لِماذَا لَمْ تَأْخُذِيني مَعكِ ؟

انْفَجرَتْ ضَحِكاً ، وصَارَتْ تُقَهْقِهُ حتَّى كسَتِ الدمُوعُ خدَيّها ، وأَرادَتْ أَنْ تُوَضِّحَ لإِبْنِها الأَمْر لكِنَّها لَمْ تَتَمكَّنْ مِنْ ذَلِك لِبُرْهةٍ وقَدْ عقَدَ الضَحِكُ لِسانَها ، بَيْنَما الطِفْلُ مُسْتَمِّرٌ في البُكاءِ يَلومها على تَرْكِها إِيَّاهُ ، وبَعْدَ أَنْ سَيْطرَتْ على مَوْجةِ ضَحِكِها الَّتِي بَدَتْ وكأَنَّها أَفْرَغتْ كُلَّ أَحْزانِها وطَمرَتْها فيها ، وانْتَقَمتْ لِنَفْسِها مِنْها ، حاوَلَتْ طمْأَنَّة ولَدَها بِأَنَّها لَمْ تَتْرُكهُ ، لكِنَّه لَمْ يَكُنْ مَوْلُوداً بَعْد ، فقَالَتْ لَهُ :

ــ حبِيبي … لَمْ تَكُنْ مَوْلُوداً بَعْد .

لكِنَّ الطِفْل لَمْ يَقْتَنِعْ ، فسَأَلَها :

ــ إِذَنْ ، أَيْنَ تَرَكْتِنِي ؟

ــ لَمْ أَتْرُككَ يَا حبِيبي ، لَمْ تَكُنْ مَوْلُوداً بَعْد .

ــ إِذَنْ أَيْنَ كُنْتُ ، عِنْدَ مَنْ تَرَكْتِنِي ؟

وَجَدَتْ أَنَّ لا فَائدَة مِنْ التَوْضِيح فالطِفْلُ لا زَالَ بُرْعُماً لا يَعِي مَعْنَى الحيَاة ، الوِلادَة ، الوجُود ، المَوْت ….

ففَكَّرَتْ لِبُرْهةٍ ، ثُمَّ حاولَتْ إِقْنَاعهُ بِكِذْبَةٍ بَيْضَاء صَغِيرَة ، وقَالَتْ وهي تَحْتَضِنهُ وتُقَبِّلهُ :

ــ يا حبِيبي ، أَبَداً لَنْ أَتْرُككَ ولَمْ أَفْعلْ ، لَقَدْ كُنْتَ مَعي .

فسُرَّ الطِفْلُ لِجوابِ أُمِّهِ واتسَعتْ عيْناهُ دَهْشَةً ، وسَأَلَها :

ــ أَيْن ، ولِماذَا لَسْتُ مَعكِ في الصُورة ؟

قَالَتْ لَهُ بِحُبّ :

ــ لأَنَّني أُحِبُّك ، وأُحِبُّك جِدَّاً ، احْتَفَظْتُ بِكَ في قلْبي كي لا تَبْرد .

سَأَلَها بِبَراءَة :

ــ وهَلْ كُنْتُ أَرى كُلَّ شَيْءٍ ، وأَكلْتُ مَعكُم الكيك ؟

وأَشَارَ بِأصْبُعهِ إِلى الكيك المَوْجُود في إِحْدَى الصُور .

فأَجابَتْهُ ، وهي تَكْتُمُ ضَحكاتٍ تُرِيدُ أَنْ تَفْلُتَ عنْها :

ــ نَعم يَا حبِيبي ، لَقَدْ أَكلْتَ أَنْتَ أَكْبَرَ قِطْعة فيهِ ، وكُنْتُ في كُلِّ مَرَّةٍ أَقُولُ لكَ كفَى يَاولدي لا تَأْكُل أَكْثَر لأَنَّ بَطْنَكَ ستُؤْلِمُك ، لكِنَّكَ لَمْ تَسْتَمِعْ إِليّ حتَّى أُصِبْتَ حِيْنَها بِالإِسْهال .

فكأْكأَ الطِفْلُ الصَغِير ضَحِكاً ، وصَارَ يُحَرِّكُ يَديهِ ورِجْليهِ بِاتِجاهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، ويَرْكُضُ خَطَواتٍ إِلى الأَمام ثُمَّ يَعودُ لِحُضْنِ أُمِّهِ ، بَدا كطائرٍ يَرْقُصُ بِجنَاحيهِ فَرَحاً وسَعادَةً ، وأَخَذَ يَضْرِبُ بِكفِّهِ الصَغِير كفَّ أُمِّه الَّتِي نَسِيَتْ كُلَّ همُومِها أَمام مَلاكِها الصَغِير ، فأَخَذَتْهُ إِلَيْها وصَارَتْ تُقَبِّلهُ وتَتَمَازَحُ مَعهُ وتَحْتَضِنهُ ، ثُمَّ تَرْفَعهُ بَيْنَ ذِراعيها لأَعْلى وتَتْرُكهُ في الهَواءِ لَحظَات لِتَتَلَقِّفَهُ بَعْدَها وهو يَغُصُّ فَرَحاً ، ثُمَّ تَملَّصَ مِنْ بَيْنِ يَديها رَاكِضاً نَحْوَ الغُرْفَةِ الأُخْرَى لِيُثِيرها ويَجْعلَها تَرْكُضُ بَاحِثَة عنْهُ مُغيِّراً اللُعبَة وهو يَصِيح :

ــ ماما … ابْحثي عنّي …

فسَارَتْ إِلَيْهِ ، وهي تُحاوِلُ تَقْلِيد صَوْت العِمْلاق الَّذِي يَجِدُّ بَاحِثاً عَنِ الأَطْفَالِ لِيَأْسرهُم عِنْدَهُ ، وصَارَتْ تَقُولُ مُحاوِلَةً ذَلِك بِصَوْتٍ خَشِنٍ أَجَش :

ــ همممممممممم .. همممممممم …. أَيْنَ هو هذَا الطِفْل الصَغِير المُشَاغِب … ها أَنا قَادِمَة …. سَأَجِدُكَ أَيُّها المُشَاغِبُ الصَغِير …. سَأَجِدُك …. أَيْنَ ستَفِرُّ مِنِّي ……

فأَسْرَعَ الصَغِير واخْتَبأَ تَحْتَ السَرِير ، بَيْنَما هي أَوْهَمَتهُ بِأَنَّها تَبْحثُ عَنْهُ بِجِدِيَّة مُصْدِرَةً بَيْنَ الحِينِ والآخَر صَوْتَ العِمْلاقِ الَّذِي يَجْمَعُ الأَطْفَالَ بَاحِثاً عَنْهم بِإِصْرَار ، وظَلَّتْ تُمَثِّلُ الدَوْرَ لِدَقَائق ، ثُمَّ رَفَعتْ الغِطاءَ أَخِيراً عَنِ السَرِير وجَثَتْ حانِيةً جَسَدَها بِمُحاذَاةِ الأَرْضِ ، حتَّى وازَى وَجْهها وَجْه طِفْلِها المُخْتَبئ ، ونَظَرَتْ إِلَيْهِ مُمَثِّلَةً انْتِشَاء العِمْلاقِ مُصَفِقَةً بِيَديها صَائحةً :

ــ ها ها ها …. لَقَدْ وَجَدْتُك أَيُّها المُشَاغِب ….

وأَخَذَتْهُ بَيْنَ يَديها ورَفَعتْهُ إِلَيْها مِنْ مَخْبئِهِ ، وصَارَتْ تُقَبِّلهُ وتُحَرِّكُ شَفَتَيها فَوْقَ خَدِّهِ ، وكأَنَّها تَمْضُغهُ ، وتُدَغْدِغهُ في بَطْنِهِ :

ــ ها … سَأَكُلك يَا لَذِيذ …. همممم …. رَائحتُكَ شَهِيَّة ……

كانَ الطِفْل يَغصُّ في ضَحِكِهِ ، والمَرَح قَدْ لَفَّهُ رَاغِباً إِتْمامَ اللُعْبَة ، فحاوَلَ الإِفْلات مِنْ بَيْنَ يَديّ أُمِّهِ الَّتِي أَرْخَتْ لَهُ السَبِيل ، لِيَنْجو مِنْ العِمْلاق الَّذِي يَبْغِي أَنْ يَأْكُلَهُ ، ورَكضَ مُسْرِعاً نَحْوَ غُرْفَتِهِ وأَغْلَقَ البَابَ خَلْفَه ، فتَبِعتْهُ لِتَرَى ما هو فَاعِل ، وأَطلَّتْ بِرَأْسِها علَيْهِ مِنْ البَاب فوَجدَتْهُ يَبْحثُ عَنْ كُرَتِهِ الصَغِيرَة ، فاطْمَأَنَّتْ وتَرَكتْهُ يُواصِلُ لَعِبهُ كما يَرْجو ويُرِيد ….

انْقَضَّتْ علَيْها الأَحْزَانُ تَالِيةً تُحاصِرُها ، وتَذَكَّرَتْ كُلَّ ما نَسِيَتْهُ لِوَقْتٍ قَصِير مَعَ طِفْلِها ….

جلَسَتْ فَوْقَ الأَرِيكة ، ويَدَها تَحْتَضِنُ خَدَّها حائرَةً ، هائمةً لا تَدْرِي كيْفَ تُواجِهُ مَدَّ أَحْزَانها الَّتِي تَجَمَّعتْ كُلَّها دفْعةَ واحِدَة وتَكاتَفَتْ علَيْها …

ما بَالُ هذَا العالَم قَدْ صَبَغَ كُلَّ جُدْرانِهِ بِالسَواد ، بَحثَتْ عَنْ نُقَطٍ مُضِيئةٍ فيهِ دُوْنَ جدْوَى ، الغزَالَةُ في الصُورَة لا زَالَ جُرْحها يَنْزِف ….

نَهَضَتْ مِنْ مَقْعدِها ، خَرَجتْ إِلى بَاحةِ الدارِ ورَفَعتْ بَصَرَها تَتَأَمَّلُ السَماء علَّها تَرَى بارِقَةَ أَمَلٍ تُبَشِّرها بِالسَلامِ والرَجاءِ والصِدْقِ في عالَمٍ تَجْتَاحهُ الفَوْضَى

وتُغْرِقَهُ الأَكاذِيب والخُدْع وتَعْجِنهُ المَشَقَّات ، كانَتِ السَماءُ خالِيَةً قَاحِلَة لَيْسَ فيها غَيْر بَعْض الغيُوم الَّتِي عجِزَتْ حتَّى عَنِ الإِمْطار ، حتَّى الشَمْس كانَتْ قَدْ وَلَّتْ هارِبَةً عَنْ عالَمٍ مُلَوَّثٍ بِالأَكاذيبِ والحِيَلِ والخُدَع الَّتِي لا تُحْصَى ، فهَرَبَتْ بِبَصَرِها إِلى الأَشْجارِ الَّتِي بَدَتْ أَمَامَها هادِئةً ودِيعة تَعُجُّ بِسَرْبٍ مِنْ الطيورِ المُطْمئنَةِ الآمِنَة ، لَمْ تَمْضِ غَيْر لَحظَاتٍ حتَّى تَبَدَّدَ ذَلِك الهدُوء والأَمَان فانْتَفَضَتْ الطيور مِنْ رَقْدَتِها الوديعة وصَارَتْ تَطِيرُ في هَرَجٍ ومَرَجٍ وكأَنَّها تُحاوِلُ الهرَبَ مِنْ خطَرٍ داهَمَها ، تَرْتَفِعُ عالِياً بِسُرْعةٍ خاطِفَةٍ ثُمَّ تَتَجهُ لِلأَسْفَلِ في خَوْفٍ وفَزَعٍ ، وتَسْتَدِيرُ مُسْرَعةً نَحْوَ اليَمِين ولا تَلْبَثُ أَنْ تَخْفقَ بِجنَاحيها نَحْوَ اليَسَار ، وظلَّتْ على هذا الحال زَمنَاً حتَّى هرَبَتْ بِهَرَجِها ومَرَجِها بَعيداً واخْتَفَتْ عَنِ الأَنْظارِ وكأنَّها تَنْشِدُ النَجاة ، ما أَشْبَه هذَا بِحالِ تِلكَ البَلْداتِ والقُرَى المَسِيحِيَّة في وطنِها والَّتِي أَجْدَبَتْ عَنْ قَاطِنيها حِيْنَ دَخلَها ذَلِك الكيَانُ المُشَوَّه وأَعاثَ فيها خرَاباً وفَسَاداً ، وها هي أُخْتَها مَعَ زَوْجِها وأَطْفَالِها قَدْ فَرَّوا إِلى بَلْدَةٍ أُخْرَى نَجاةً ، لكِنَّ أُمَّها العجُوز المَرِيضَة والَّتِي كانَتْ تُرافِقَهُم لَمْ يُحالِفها الحَظّ فيه ، فلَقَدْ ماتَت وهي في طَرِيق النزُوح ، لَمْ يَتَحمَّل قَلْبَها الضَعِيف المُتْعب المُرْهق بِثِقَلِ السنِينِ ومُعاناتِها هذِهِ الطامَة الجدِيدَة ، فأَعْلَنَتْ خسَارَتَها أَمَامَ القَدَر وأَدارَتْ ظَهْرَها لِلحيَاةِ دُوْن أَسَفٍ علَيْها ………

شَعِرَتْ بِالضِيقِ أَكْثَر وانْقَبَضَ صَدْرها ، فعادَتْ أَدْرَاجها نَحْوَ الغُرْفَة ، فإِذا بِولدِها الآخَر يَخْرُجُ لِتَوِّهِ مِنْ المَطْبَخ حامِلاً بَيْنَ يَديهِ قَدَحَ القَهْوة ، سَأَلَها وهو يَبْتَسِمُ لَها :

ــ ماما ، هَلْ تَرْغَبِين بِقَدَح ؟

أَجابَتْهُ شَاكِرَة :

ــ لا يَا ولدي .

حمْلَقَتْ فيهِ وكأَنَّها تَراهُ لأَوَّلِ مَرَّة ، وتَمَثَّلَتْ أَمَامَ عيْنيها في لَحْظَة كُلَّ سنِين طفُولَتِهِ مُنْذُ وِلادتِهِ حتَّى حِينها ، فتَعجَّبَ مِنْ نَظَراتِها وسَأَلَها :

ــ ماذَا هُناكَ يَا أُمي ، لِماذَا تَنْظُرِين إِليّ هكذَا ؟

قَالَتْ لَهُ وقَدْ كسَرَتْ نَظَراتَها عنْهُ :

ــ لا شَيْءَ يَا ولَدِي ، فَقَطْ وكأَنَّني أَراكَ لأَوَّلِ مَرَّة ، لَقَدْ كبُرْتَ وأَصْبَحتْ شَاباً ، لَمْ انْتَبِه لِذَلِك أَبداً ، أُحِبُّك جِدَّاً يَا أَرْوع إِبْن …

ودُوْنَ أَنْ تَنْتَظِرَ مِنْهُ جواباً جذَبَتْهُ إِلَيْها وطوَّقَتْهُ بِذِراعيها وضَمَّتْهُ إِلَيْها ، فسَقَط َ قَدَحُ القَهْوة عَنْ يَدِهِ وتَنَاثرَ فَوْقَ أَرْضِيَّةِ الغُرْفة ، لكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمْ يكُنْ مُهِماً لَحْظَتَها ، إِذْ لَمْ يَتَبادلا بِشَأْنِهِ قَوْلاً ، قَالَتْ وهي تَضُمّه إِلَيْها أَكْثَر :

ــ أَيْنَ ذَهَبَتْ كُلُّ تِلكَ السنِين ، كيْفَ مَرَّتَ مُسْرِعةً هارِبَة ، لِماذَا لَمْ أَشْعُر بِها ، أَذْكُرُ وكأَنَّهُ البَارِحة كُنْتَ طِفْلاً أُعْطيكَ الحلِيب وأُغيِّرُ لكَ مَلابِسَكَ وأُحمِّمكَ وأَهْتَّم ُ بِكَ …. واليَوْم ..

قَاطعها ولَدها بِحنانٍ :

ــ ماما ، الأَطْفَال يَكْبَرون ، وبِفَضْلِ رِعايَتكِ أَنْتِ كبِرْتُ وأَصْبَحْتُ كما تَرِينَني الآن أَمَامَكِ ، أَنْتِ الأُمُّ الحنُون ، مَحْفُوظةٌ لي وطالَ عُمُركِ ، لَوْلاكِ لمَا كُنْتُ على ما أَنا علَيْه الآن ، ولكِنْ يَا أُمِّي ما بَالُكِ ، هَلْ هُنَاك ما يُزْعجكِ أَوْ يُقْلِقَكِ ؟

نَظَرَتْ إِلَيْهِ والسَعادَةُ تَشِعُّ مِنْ عيْنيها لِمَرآه :

ــ لا أَبَداً يَا ولَدِي ، يَكْفِيني إِنَّكَ إِبْني لأَكُونَ سعِيدَة .

في هذِهِ الأَثْنَاء دَخَلَ زَوْجُها الغُرْفَة عائداً لِتوِّهِ ، شَعِرَ بَأَنَّ حالٌ ما لَيْسَ كالحال ، ورأَى القَهْوة قَدْ تَبَعثَرَتْ فَوْقَ أَرْضِ الغُرْفَة وقَدَحاً تَنَاثَرَ فُتَاتاً هُنا وهُناك ، فسَأَلَ على عجَلٍ :

ــ ماذَا هُنَاك ، هَلْ حصَلَ أَمْرٌ ما ؟

بادرَهُ إِبْنَهُ قَائلاً :

ــ كُلُّ شَيْءٍ على ما يُرام يَا أَبي ، كُنْتُ أَقُولُ لأُمِّي كمْ هي رَائعة وكمْ أَنا مَحْظُوظ ٌ بِها كأُمّ .

بَدا على وَجْهِهِ الاطْمِئنان رَغْمَ أَنَّه الْتَقَطَ عَنْ وَجْهِ زَوْجَتِهِ خيُوطَ الضِيقِ الخَفِيّ الَّذِي يُحاصِرُها وكانَتْ تُحاوِلُ إِخْفَاءَهُ خَلْفَ لَحظَاتِ سَعادَتِها بِعائلَتِها ، فقَالَ ورَشَفَاتُ حُبِّهِ لَها تُزَيِّنُ نَظَراتَهُ :

ـــ وكمْ أَنا مَحْظُوظٌ بِها وبِعائلتي .

في لَحْظَةٍ تَلاشَتْ كُلَّ همُومِها وذَابَتْ ، وتِلكَ القَائمَةُ الطوِيلَةُ مِنْ الأَحْزَان نُسِيَتْ وفَرُغَتْ مِنْ مُحْتَواها وكأَنَّها لَمْ تَكُنْ …

حفيفُ الفَرَح طالَ قَلْبَ ابْنَتِها الَّتِي لاحتْ في الغُرْفَة وكوْمَةَ أَوْراقِ واجِبَاتِها المَدْرَسِيَّة تَتطايرُ خلْفَها ، وأَقْبَلتْ علَيهم مُبْتَسِمة ، باسِطةً ذِراعيها مُمازِحةً إيَّاهم في حرَكةً تَمْثيليَّة قَائلَةً :

ــ وكأَنَّكُم تُطِيقُونَ الحيَاةَ مِنْ دُوْني …. لا أُصَدِّق ذَلِك .

ضَحِكَ الجمِيع ، بَيْنَما طلَّ الطِفْلُ الصَغِير مِنْ غُرْفَتِهِ حامِلاً دُمْيَتَهُ وهو يَرْمي بِها غَضَباً في حِينٍ وحِين ثُمَّ يَلْتَقِطُها عَنِ الأَرْضِ ويَصِيحُ :

ــ لِماذَا لا تَمْشِي على قَدَميك أَيُّها الدُبّ ، لِماذَا عليّ أَنْ أَحْمِلَك ؟

ثُمَّ غَرِقَ في دمُوعِهِ وهو يَصِيح :

ــ تَعِبْتُ مِنْ حِمْلِهِ …. لَقَدْ تَعِبْت ….

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الارشيف, ثقافة. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.