أنشطار الكنيسة..الاسباب والمسؤولية / الجزء الاول

بقلم الدكتور ايوب بطرس
أنشطار الكنيسة..الاسباب والمسؤولية / الجزء الاول

16 / 07 / 2015
http://nala4u.com

تمهيد:
نعود بجزئين هذا اولهما الى موضوع كنيستنا التي لم يحسم فيها امران لحد الان؛ اعادة توحيد شطريها واختيار بطريرك لها، لقد كتبت الكثير من المقالات والمطالعات ونشرت العديد من التعقيبات والتغريدات عن موضوع الوحدة بين شطري كنيسة المشرق؛كنيسة المشرق الاشورية والكنيسة الشرقية القديمة، كلها تتمنى وتؤكد على حتميتها وعلى ضرورة ان يباشر بها اولا لتكون نقطة شروع لمشاريع لاحقة مماثلة بين الكنيسة الموحدة والكنائس الشقيقة ذات الاصل المشرقي، والكل متحمس ومندفع تسيّره العاطفة والرغبة، يستسهل طرح مشاريع واقتراح آليات وتصويب مسارات، هذه الامنية وذلك الحلم الذي يراود كل مؤمن من ابناء هاتين الكنيستين وكل محب لأمته من مختلف كنائس شعبنا ويتمنى بكل عفوية وصدق ان يتحقق حلمه هذا اليوم قبل الغد، لكن النادر في الامر ان نجد من تطرق بأنصاف او وقف بتمعن وحيادية عند الاسباب التي ادت الى انشطار الكنيسة قبل خمسين سنة الى ادارتين منفصلتين او تسأل هل كان بالامكان تفادي تلك الازمة في حينها؟ عوض ما نجده من لجوء البعض الى تسطيح الاسباب وتبسيطها كالعادة (تهرب من مواجهة الحقيقة،او دفاعا عن رجال الكنيسة) وتعليقها على شماعة (العشائرية والنزعة الفردية) الكليشة الاشورية ل(الاستعمار والرجعية) التي دأب عليها شراكنا في الوطن لتفسير اسباب فشلهم ومشاكلهم الداخلية كلها بانها من صنع الاستعمار والرجعية ويضيفون الان الصهيونية!، ولم نقل ولو لمرة واحدة عدا اصوات خافتة وخجلة لا تكاد تسمع بانه يمكن ان يكون السبب خلل فينا او تقصير منا ومن صنعنا ! او من الطرفين بدل تحميل المسؤولية كلها تعسفا لطرف دون اخر والكل يعلم ان العشائرية والنزعة الفردية موجود وتعمل بالهمة والنشاط نفسهما لدى الطرفين!. في رأيّ ان محاولة فهم اسباب الانشطار والتمعن فيها مهمة جدا من اجل تهيئة ارضية ملائمة لقيام وحدة راسخة لا تزعزعها ازمات صغيرة، فقد كان مستغربا ان حدثا بسيطا مثل تبديل التقويم يشكل مسألة خلافية حادة تؤدي الى انشطار الكنيسة الواحدة الى اثنتين، لو كانت البنية التحتية للكنيسة سليمة والنوايا حسنة،ولو تحلى القائمون على الكنيسة بالمسؤولية والمحبة المسيحية تجاه رعاياهم، ولذلك لأهمية نفسها لا يمكن الان تجاوز هذه الاسباب في اي مشروع لأعادة توحيد الشطرين بشكل رصين، خوفا من …. التي تكمن في التفاصيل. ولنستغل هذه التجربة المرة لعل نقع في مثل هذا المحذور مرة اخرى..
ادرج هنا وجه نظر شخصية بهذه الخصوص، مع التأكيد على شخصيتها ولا علاقة لها باية جهة كنسية كانت او مدنية او اشخاص متوخيا فقط اغناء الموضوع لفائدة القراء والمهتمين ربما لا تكون تقليدية، متوقعا بانها قد لا تعجب البعض الذي تعوّد ان يسمع النمط الدارج (المديح والثناء)، وانها قد تثير استغرابهم وشجبهم، ارحب بكل رأي واتمنى ان يكون بناءا يخدم واقعنا ووحدتنا!.
اولا
من البداهة القول بداية ان خطر الانقسام القائم في كنيستنا الآن وما تخلله من احتقان ونزاع وصراع وذات الكلفة الكبيرة نفسيا واجتماعيا وكنسيا لأبناء شعبنا، كان ممكن تفاديه في اول ظهوره بسهولة ويسر دون اية خسائر او تكاليف لأي من الطرفين مع فرصة مواتية لتمتين وحدة الكنيسة والمحافظة عليها لو ان القائمين على شأن الكنيسي وقتها التزموا مسؤوليتهم المسيحية وابدوا حرصهم في حماية الكنيسة وكل رعاياهم وتحلوا بالمحبة وروح التسامح وسعة الصدر كما يفترض بهم لا ان ينساقوا الى الغرور والعناد والتحدي.. نسوق هنا للمقارنة مثالا لحالة مماثلة من كنيسة شقيقة: اذ حدث الشئ نفسه في الكنيسة السريانية الارثوذوكسية عندما تقرر الاحتفال بعيد الميلاد بحسب التقويم الكريكوري فكان هناك جمع من رعاياها رفض قرار مرجعيته بالتغير واصّر على الابقاء على الاحتفال بالعيد كما هو(حسب التقويم اليولياني) وهددوا بالخروج على كل الاوامر بهذا الخصوص، لكن حكمة وفطنة ووداعة الجالس سعيدا على كرسي انطاكيا وسائر المشرق وتمثيله ليسوعه ومحبته لأولاده بالروح غلبت الفتنة واقصت العاصفة دون اية مساس بوحدة كنيسته ووحدة شعبها، قداسته وجه كهنته ان يخدموا التقويمين معا وفي نفس الكنيسة وجاءت النتيجة ايجابية سلمية وخفت حدة العصبية تدريجيا وتلاشت المعارضة كليا وعاد الجميع الى الوحدة والاحتفال الموحدة بحسب الاغلبية بسبب ذكاء المرجعية وحسن تصرفها ومحبتها لشعبها،رغم وجود عوائل كبيرة متنفذة بين الطرفين تقوم مقام العشائر عندنا. الى مثل هذه النتيجة كان يسعى وبرغبة صادقة هؤلاء الذين نتهمهم الان بانهم قادوا المعارضة، فهم لم يدخروا نشاطا ولا جهدا ولا مسعى لمنع تفاقم الازمة، فقد باشروا وساطتهم فور ظهور بوادر المشكلة وألحوا بطلباتهم وتوسلاتهم وبزيارتهم المتكررة لمرجعيتهم الكنسية في بغداد والمحافظات ورجاءهم بان تعامل بمحبة مسيحية ورحابة ولا تحرم من الكنيسة ومن خدماتها من تفاجئ بقرار التغيرات في التقويم والطقوس وليس بامكانه تقبل امر التغير هذا دفعة واحدة الان، متعهدين من جانبهم (الوسطاء) بانهم سيبذلون كل جهد ممكن لأقناع اتباعهم لأنصياع والامتثال لأوامر المرجعية الكنسية في اقرب وقت ممكن تفاديا لما هو اعظم، لكن مع الاسف الشديد جواب رجال الكنيسة كان واحد دائما:
1- اننا قد اعطينا قرارنا وهو واحد وغير قابل للنقاش ولن نتراجع عنه!.
2- وعلى الجميع الانصياع له واطاعته بالنص ولا نعذر احد!.
3- ومن يرفض يحرم من كل خدمة روحية له ولعائلته في كنائسنا!.
4- وغير مسموح له الدخول الى كنائسنا ولا الى بيوت الصلاة التابعة لنا!.
5- وليبحث له عن مكان آخر يصلي فيه ويمارس طقوسه بعيدا عنا!.
6- ويحرم ويطرد من الكنيسة كل رجل دين يقيم لهم الصلاة او يقدم اية خدمة!.
اين تكمن الروح المسيحانية الحقة في هذا الموقف!؟ واين هي وداعة المسيح له المجد وتواضعه؟ بالله عليكم ماذا كانت تخسر كنيستنا او يضير رجالاتها لو تصرفت مرجعيتها مثل البطريركية الارثودوكسية؟ ثم ماذا تتوقعون من هؤلاء المؤمنين المحرومين من الخدمة الروحية والمطرودين من الكنيسة والذين لم تجدي مراجعاتهم وتوسلاتهم شيئا؟ ماذا تظنون انهم فاعلون؟ أليس لهم الحق ان يبحثوا عن كاهن يقبل ان يعطيهم البركة وعن مكان يصلون فيه؟. هل حقا هم الانفصاليون الانقساميون والانشطاريون الحقيقيون؟، كل هذا يجب ان يؤخذ بنظرالاعتبار ويوضع على المائدة في حوارات الوحدة..
نتسأل عن الذي دفع المرجعية الكنسية على الاصرار على قرارها والتمسك برأيها والتعامل مع رعاياها باستعلاء وعدم والاكتراث لتلك التوسلات والاستخفاف بها هل هو:
1- نظام الوراثة وحق التوريث عبر قرون مديدة قد رسّخ لدى المتوارثين انطباع ان الكنسية هي ملكية (اقطاعية) خاصة لمتوليها لهم مطلق الحرية في الحل والربط وحق التصرف الحصري فيها، والرعايا اتباع لا رأي ولا حقوق لهم، يخضعون لقوانين الملكية طواعية وبدون نقاش ومن يجرأ على السوأل يحرم من خدمات الاقطاعية وعليه ان يغادرها، وهم يعلمون ان من بين رعاياهم من لا يقبل بكل هذا الخنوع والخضوع.
2- انفصال هذه المرجعية عن شعبها والاقامة والعيش في الغربة في عزلة تامة عن رعاياها وغلبة العقلية الاستبدادية والانانية على طبعها ومسلكها وفرديتها المفرطة، في غياب تام لدور المجمع السنهادوسي للكنيسة وابتعادها عن هموم الرعايا وفقدانها الاهتمام بأرائهم وتطلعاتهم نتج عنه تقدير غير سليم لفداحة الاصرار على موقفها وتحدي ارادة بعض رعاياها.
3- رغبة كامنة(خفية) لدى الزعامة الدينية في التخلص من هؤلاء (الرعايا) المشاكسين الذين لا ينصاعون دائما ولا ينقادون بسهولة ويقلقون الراحة بين الفينة والاخرى، رغبة مبنية على شواهد الماضي القريب او البعيد وتمادي الزعامة بتحدي هؤلاء المزعجين! ورفض طلباتهم وكل مقترحاتهم وحتى توسلاتهم وعدم ابداء اية مرونة معهم، لدفعهم للتمرد اكثر والخروج على الطاعة صراحة لخلق المبرر الشرعي لطردهم من الكنيسة!.
4- ثم كان الدفع من كل الاطراف لشخصنة الامور والتشديد في التحدي والمجابهة الشخصية والعزف على الوتر الحساس بين ابناء شعبنا، القبلية والعشائرية والمناطقية واستحضارها بكل سلبياتها والوصول بالامر الى نقطة اللاعودة، مع الاشارة الى انعدام الرغبة او المحاولة الجادة لتفادي تصاعد وتفاقم المشكلة من اصحاب القرار.
اذن ليس من الانصاف ان ينظر للانقسام او الانشطار الذي حدث في الكنيسة على انه من عمل جهة واحدة او فئة خاصة او رجال معينين؛ فالكل يتحمل المسؤولية لابل المسؤولية الاكبر تقع على عاتق من كان بيده القرار ويتولى مسؤولية قيادة الناس روحيا والتعامل معهم على اساس ابوي روحي، لا على اساس شرعة الاقطاعية(التعالي والاستخفاف والعناد) التي تحرمهم من كل علاقة بكنائسهم التي ساهموا هم ببناءها وحمايتها وتطردهم خارج اسوارها وتضطرهم الى البحث عن دور للصلاة وكهنة يقيمون لهم مراسيمهم الروحية، فلم يكن من السهل ان تمسح من ذاكرة الناس عادات وتقاليد مبنية على تقويم عاش معهم لاكثر من عشرين قرنا دفعة واحدة وبقرار مفاجئ دون تمهيد او مقدمات او استطلاع وبرسالة واحدة تتلى عليهم اثناء الصلاة تفاجئ بها حتى الكاهن قارئ الرسالة مما دفعه للقول: ليهدم الرب الكنيسة التي يكون…..كها…. و…نها… واسقفها انا!.
ثانيا
لا يحسن بنا ان نبحث بين الحين والاخر عن مسوغات ومبررات لمسألة التوريث في الدرجات الكهنوتية ذاك النظام المتخلف الذي دمر كنيسة المشرق العظيمة وحولها الى اقطاعية خاصة صغيرة فوق كونها اصلا مؤسسة ثيوقراطية استبدادية وتسبب التوريث في انقسام الكنيسة وتشظيها وتفرق اتباعها بين المذاهب والاديان الاخرى ويمكن ان نأخذ فكرة سريعة وموجزة عن مزايا! التوريث من هذه الحقيقة الواقعية، فقد استولت الوراثة على قيادة كنيسة المشرق ورعاياها بعشرات الملايين(ذكرثمانون مليون) وابرشياتها واساقفتها بالمئات ونفوذها وسلطتها الروحية تمتد من شرق الفرات الى حافات المياه في اقاصي الصين واليابان ولكن عندما تخلصت الكنيسة من الوراثة كان عدد مؤمنيها عشرات اللالاف فقط (ثمانين ألف)! وابرشياتها لا تزيد على اصابع اليد الواحدة! وانحصر وجودها في بؤرا مجهرية، ومرجعيتها مكونة فقط من بطريرك يعيش بعيدا عن رعاياه ومطران واحد محاطا بثلة من اقاربه واسقفين اثنين يعملان كقسيسين، ليكون كل ذلك شاهد ودليل على مقدارالجهد والعناية والرعاية والاهتمام الذي توليه العائلة الجامعة! في تربية واعداد (ناطر كرسي) ليكون خير خلف لأشرف سلف ويكون بطريركا مسكونيا يبز في علمه وثقافته وقوة ايمانه وفي ألتزامه الاخلاقي زميله المنتخب والمختار بروح القدس حتى لو كان الوريث هذا طفلا صغيرا وحتى لو لم يرغب الوريث بالمنصب اصلا!.
والمسيح له المجد لا يعدّه راعيا صالحا من يتسبب في تفرقة خرافه وضياع واحد منها، وبولس الرسول لا يعتبره قديسا من يتسبب في تمزق كنيسته وتشتت رعاياه !!.

والى الجزء الثاني
دامت نعمة الرب مع الجميع

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الارشيف, المقالات واللقاءات, دين. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.