الكنيسة، والأنخراط في الشأن القومي أو السياسي..كنيسة المشرق الآشورية نموذجاً / (الجزء الأول)

بقلم سامي هاويل
الموضوع; الكنيسة، والأنخراط في الشأن القومي أو السياسي..كنيسة المشرق الآشورية نموذجاً / (الجزء الأول)

24 / 09 / 2021
http://nala4u.com

بداية أود التوضيح بأنني تجنبت نشر المقال بشكل كامل كونه سيأتي مطولاً، وربما مملاً للقاريء الكريم، لذلك أضطررت لتقسيمه الى جزئين، أتمنى للجميع قراءة ممتعة.

يقول الراباي اليهودي رامي شابيرو في حوار له رداً على سؤال، “ولكن، في قلب اليهودية كدين، هناك فهم يقول بوجود خالق هو الله الذي اختار اليهود كشعب له، وبالتالي أعطاهم الوحي الصحيح والوحيد، الذي هو التوراة المكتوبة والشفهية، كما أعطاهم أرض إسرائيل الموعودة. وأنا لا أؤمن بكل هذا. فالله بالنسبة لي لا يمكن فصله عن الخليقة، بمعنى أن الله أكبر من خليقته. والله لا يختار شعبًا، أو يكتب كتبًا، أو يتدخل في صفقات عقارية. لأن الدين اليهودي هو مجرد وسيلة من أجل تعزيز ثقة الشعب اليهودي بنفسه.”

لنضع هذا الجواب مدخلاً نلقي من خلاله نظرة سريعة على أبرز التيارات الدينية اليهودية في فترة الأحتلال الروماني، سنجد أن ما ذهب إليه الراباي رامي شابيرو لم يأتِ من فراغ، أو هو مجرد أجتهاد شخصي، بل هو فكر متجذر ومتأصل، يضرب جذوره عميقاً في تاريخ الشعب اليهودي وفلسفته الروحية، كشعب له خصائصه التي تميزه عن باقي الشعوب. فالصدوقيون، وبحكم مكانتهم العالية في المجتمع اليهودي تجنبوا التصادم مع المحتل الروماني حفاضاً على مكانتهم، لكنهم كانوا أيضاً مهتمين بخصائص شعبهم  ويولون أهمية كبيرة للجانب الروحي بالأخص النصوص التوراتية، فأوصوا للتقيد الحرفي باحكام الشريعة، بينما أختلف عنهم الفريسيين الذين كانوا ينتمون الى الطبقة الوسطى والعاملة من الشعب اليهودي، حيث دائماً رفضوا المحتل، ودفعوا بأتجاه الثورة عليه، حتى إنهم تمادوا لتأويل نصوص توراتية مستخلصين منها قواعد تتوافق مع حياة المجتمع اليهودي المعاصر لهم، أما طائفة الزيليون، الذين كانوا من طبقات الشعب المقهورة، فقد تميزوا بتطرفهم، وميولهم الى أستخدام القوة والعنف ضد المحتل، وقد لعب الخنجريون (جناحهم المقاتل)، دوراً مشهوداً في تنفيذ العديد من الأغتيالات الفردية لشخصيات مهمة رومانية ومحلية يهودية على حدٍ سواء. بينما تميزت طائفة اليَسّيين الذين أطلقوا على أنفسهم لقب (أبناء النور) بالأنعزالية، والأنغلاق بعيداً عن بقية الطوائف اليهودية التي كانوا يطلقون على بعضها لقب (أبناء الظلام)،  تجدر الإشارة الى التقارب الواضح، والتوافق بين مفاهيم طائفة اليَسّيين وتعاليم المسيح، ونحن بالتأكيد لسنا هنا لمناقشة هذه المفصلية كونها ليست موضوع المقالة.

ما يلفت الأنتباه هو أن هذه الطوائف التي تقاطعت مع بعضها البعض في فلسفتها وتفسيرها لتعاليم الديانة اليهودية وتفاصيلها الدقيقة، ورغم أختلاف وجهات نظرهم فيما يخص الجانب المعيشي والأجتماعي للشعب اليهودي، وتباين المستويات المعيشية لكل منها، إلا أننا نلتمس بصمات رجالاتها الروحانيين وتعاليمهم، في الثورات اليهودية الداعية الى التحرر والأستقلال للتخلص من نير العبودية، ففي ثورة يهوذا الجليلي بحدود سنة 6 قبل الميلاد كان للفريسيين دوراً ملحوضاً فيها، حيث أمتنع ما يقارب 6000 فريسي من أداء القسم والولاء للسلطة المحلية والأمبراطور الروماني على حدٍ سواء، هكذا نشهد دوراً بارزاً لطائفة اليسيين في الأنتفاضة ضد الأحتلال الروماني، علاوة على ذلك برز دور بقية الطوائف اليهودية في الثورات اليهودية المتعاقبة، وعلى وجه الخصوص الثلاثة الكبيرة منها، التي قاد إحداها يهوذا الجليلي بأعوام قليلة قبل الميلاد، وأخرى قادها شمعون باركوخبا في ثلاثينيات القرن الثاني الميلادي، اما الثورة اليهودية الكبرى التي أنطلقت بحدود سنة 66 ميلادية، فقد اشتركت فيها طائفتي الفريسيين واليَسّيين بشكل فعال جداً، وهنا تجدر الإشارة الى أن الرومان قد أخمدو هذه الثورات بالقوة، وبأستخدام العنف المفرط ضد الجماعات اليهودية المنتفضة، وصل الى درجة إعدام آلاف الأسرى في حوادث يذكرها التاريخ.

لقد رافقت هذه الثورات على مر السنين  نشاطات ملحوضة لأفراد من الطبقات الدنيا المهمشة، كانوا يجوبون الطرقات مبشرين بالمسيح المخلص، على غرار الطوائف اليهودية، وعلى وجه الخصوص اليَسّيين، حيث دائماً تمسكوا بالتبشير بالمسيح الذي صوروه اليهود قائداً قومياً سيأتي لينقذهم من مظالم المحتل، ويرفع عن الشعب أعباء قوانين الغرباء المحتلين، التي غالباً ما كانت تتعارض ونصوصهم وتعاليمهم المقدسة، ويرفع عن كاهلهم الضرائب الكبيرة التي كانوا يترنحون تحت وطأتها، وينتشلهم من الحضيض الذي كانوا يعيشون فيه كشعب مغلوب على أمره منقسم على مجموعات وطوائف متعددة.

لو وقفنا عن كثب على الضروف الصعبة جداً التي مر بها الشعب اليهودي، أبتداءً من الأجتهادات التي قادتهم الى التعامل مع حالة الأنقسام الى أكثر من عشرين طائفة دينية، ومن جهة أخرى فضاعة وقسوة ممارسات المحتل الروماني على وجه الخصوص معهم،  وتوالي حوادث المذابح والتشريد والنفي التي تعرضوا لها، وأخيراً تشظيهم الى مجموعات وجاليات ضعيفة، وبعضها صغيرة جداً في مختلف بلدان العالم، سنجد أن العامل الذي مكنهم من البقاء والأستمرارية، هو الطريقة الذكية التي حبكوا بها تصوراتهم ومفاهيمهم وفلسفتهم الروحية مع شخصية الأنسان اليهودي، أي بمعنى آخر، أنهم أستثمروا الجانب الديني والروحي لصالح وجودهم وأستمراريتهم كشعب له خصوصية وميزات كباقي شعوب المعمورة، وأكدوا بأن اليهودية كديانة لها ميزة قومية ترتبط أرتباطاً وثيقاً مع الشعب اليهودي، لا بل ساروا عبر الزمن على خُطى الفريسيين الى الأستخلاص من تعاليم التوراة مفاهيم جديدة تتناغم وتتلائم مع الضروف المحيطة بهم أينما كانوا يعيشون، وفي أية رقعة جغرافية على هذه المعمورة، فرغم بعد المسافات بين الجاليات اليهودية، إلا أن اللحمة الروحية والجسدية مدت الأواصر القوية بينهم، بحيث أنهم بهذه الوسيلة تمكنوا من الحفاظ على كيانهم ووجودهم وخصائصهم لأكثر من 1700 سنة وهم في بلدان الأغتراب.

 وهنا لا يسعنا إلا أن نختم هذا الجزء من المقالة لنستشهد بجواب الراباي رامي شابيرو على سؤال آخر فيما إذا كانت دراسة النص التوراتي بالنسبة له تمرين روحي؟، حيث يسترسل قائلاً ” تكون الدراسة تمرينًا روحيًا إن تعلمت كيف تتناولها بمستوياتها الأربعة. والدراش هو المستوى الذي يثير عندي الكثير من التساؤلات. فـالدراش هو ذلك المستوى من القراءة حيث التأويل ممكنٌ وحيث بوسع خيال القارئ أن يستخلص من القصص القديمة التي يقرأها قصصًا جديدةً. يعلِّمنا الرابانيون أن التوراة كتبت بنار سوداء، التي هي الأحرف الثابتة، وبنار بيضاء كتبت الفراغات التي تحيط بالأحرف وبالكلمات. وعليك أن تتعلم قراءة النارين. فبقراءتك للنار السوداء ترى ما هو مكتوب على الصفحات؛ وبقراءتك النار البيضاء ترى عن طريق خيالك ما هو مختبئ.” وهنا يفرض السؤال نفسه! هل هناك ثمة فرصة لقراءة النار البيضاء من تعاليم المسيح في الأنجيل المقدس، وأستخلاص منها ما يمكن أن يقدم خدمة للشعب الآشوري في ضروفه الصعبة لهذه المرحلة؟. يتبــع…..

سامي هاويل
24-9-2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.