فاطمة فائزي ماجستير اللغة العربية طهران
Email:Fatima.Faezi@yahoo.com
معجزات المسيح (ع) في قصائد السيّاب‏ القسم 1

(صوت العراق)
09-07-2011


صورة ارشيفية;السيّاب

القسم 1
الرموز المسيحية في شعر السيّاب
* بقلم فاطمة فائزي
1. رموز العهد القديم في شعر السيّاب:
” شكلّ الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، و التراث المسيحي أصلا خصباً من أصول السيّاب الأسطورية ، وبخاصة ما كان قائماً «من قصصه الدينية » على فكرة الفداء والتضحية والمعجزات. و كان السيّاب حريصاً على إيراد رموز العدوان و العذاب والموت من «العهد القديم» حيث يسبغ على تلك الرموز و رؤيته العصرية القائمة، على أنّ دلالات التاريخ الإنساني كانت و ما زالت تحمل البشر مسئولية ما ينجم من خراب و صراع” .[1]
أ‌. رمز أيوب في شعر السيّاب في العهد القديم
غالبنا مطلعون على صبر أيوب و تحمّله على الصعاب. فالسيّاب في قصائده هذه يعبّر عن مأساة الأبطال و هم يجابهون مصيرهم البائس إنها صرخة الوجع الذي يسحق النفوس العاجزة عن تغيير نمط الحياة و قلّما إكتفي المرء بالتعبير عن وجعه، فحاول شرح أسبابه و تساءل: هل هو امتحان له أم عقاب؟ أهو قصاص تنزله الإله بالمتجاسرين، أم أنّه وسيلة يتطهّر بها الخاطئ، في كفر عن ذنوبه؟[2]
يقول الشاعر في قصيدة سفر أيوب:
لك الحمد مهما
إستطال البلاء
و مهما إستبدّ
الألم لك الحمد أن
الرزايا عطاء
و أن المصيبات
بعض الكرم
ألم تعطني أنت
هذا الظلام
و أعطيتني أنت هذا السحر؟
فهل تشكر الأرض
قطر المطر
و تغضب إن لم
يجدها الغمام؟
شهور طوال و
هذى الجراح
تمزّق جنبي مثل المدي
ولا يهدأ الداء
عند الصباح
ولا يمسح الليل
أوجاعه بالردى
ولكن أيوب ان
صاح صاح:
«لك الحمد، إن
الرزايا ندى ،
و إنّ الجراح
هدايا الحبيب[3]
و من رموز العهد القديم في الكتاب المقدس و الذي إستغلّه السيّاب للتعبير عن الأمة و أوجاعه الجسدية والروحية هي شخصيات الأنبياء المقدسة كأيوب الذي ذكرناه و قصص و الرموز الدينية التوراتية كسدوم و عمورة.
ب. رمز سدوم و عمورة في شعر السيّاب : ” يعتمد السيّاب إلى رمزي سدوم و عمورة ليفيد منها في دلالات الشهوة العارمة و الشبق الجنسي الذي يؤدي بحضارة الإنسان إلى الدّمار و الخراب حين تكون الرغبات شاذة و تبعث على الإشمئزاز، متّخذاً من نقل دلالاتها القديمة إلى واقع اليوم ما يجعلها تحمل موقفاً معاصراً رافضاً كلّ قيم مثل هذه المدن، حتّى و إنك كانت بغداد”:[4]
أهذه بغداد أم أنّ عامورة عادت فكان المعاد موتاً؟ [5]
” و إذا كانت بغداد قد إتّشحت ثوب عامورة الغويّة، فإن داءها هو الذي حّل بالسيّاب و جعله شبيهاً بزوجة لوط قادها تطفّلها إلى
تحمل العذاب عقاباً” :[6]
كيف أمشي ! خطاي مزّقها الداء كأنّي عمود ملح يسير
أهي عامورة الغويّة أم سادوم؟ هيهات. إنّها جيكور
جنّة كان الصبي فيها وضاعت حين ضاعا[7]
حيث يعمد إلى إستخدام الإشارة التوراتية التي إرتبطت بزوجة لوط، حين بدرت منها التفاته إلى مشهد حرق المدينة، ” فصارت عمود ملح “[8] و
يوقعها على حالته ـ ” لكنّه كان عموداً يسير، دالاً على ما يعانيه من مرض
المدن ـ اللعنة رامزاً بجيكور إلى بغداد، تقية و تخلصاً مما يجرّه عليه التصريح من إشكالات “.[9]

رموز العهد الجديد في شعر السيّاب
” أمّا عن «العهد الجديد» فقد كان السيّاب حرصه منصباً على الإفادة من رموزه المتعلّقة بالتضحية و الفداء و ما كان يشكلّ جوهر عقيدة السيد المسيح (ع) من تحمّل خطايا البشر، وصولاً إلى عالم المعجزات الذي ظلّ يحلم به حتّى آخر لحظة من عمره. ويستمدّ السيّاب من الكتاب المقدس «العهد الجديد» معظم الرموز المتعلقة بآلام السيد المسيح و قيامته، متخذاً منها (في كثير من الأحيان) دلالات ذاتية على ما يعانيه من غربة روحية و إنكسارات نفسية سبّبتها تحوّلات خاصة إضافة لما يؤطر حياته من فقر وتشريد و مرض عضال. على أنّ هذه الرموز ما تلبث أن تتحوّل إلى مواقف اجتماعية تتدفق حيوية وإصالة، تتجاوز الذات لتشكلّ مع العام توحداً “.[10]
فحين يقول في «مرثية الإلهة»:
دمي هذه الخمر
التي تشربونها و لحمي هو الخبز الذي نال جائع[11]
و في «جيكور و المدينة»:
و في كلّ مقهى و سجن و مبغى و دار
دمي ذلك الماء، هل تشربونه؟
و لحمي هو الخبز، لو تأكلونه[12]
” فإنه يستلهم ذلك مما جاء في العهد الجديد من إشارة إلى العشاء الرّباني حين إجتمع السيد المسيح بتلاميذه و مريديه في عيد الفصح و إشتهى أن يأكل معهم “.[13]
” و فيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز و بارك و كسر و أعطى التلاميذ و قال خذوا كلوا. هذا هو جسدي. وأخذ الكأس و شكر و أعطاهم قائلا اشربوا منها كلّكم. لأنّ هذا هو دمي …”.[14]
” حيث أصبح هذا العشاء، فيما بعد يعرف بالعشاء المقدس. و أيضاً ذكرى إحياء العشاء المقدس تؤدي بالتالي إلى فكرة حلول السيد المسيح (ع) في كلّ من يمارسها في عيد الفصح حيث يتحول الخبز و الخمر عنده إلى جسد السيد المسيح و دمه، و يحلان فيه. و قد أعجبت هذه الفكرة (فكرة
الحلول) السيّاب لأنها تدلّ على أن موت السيد المسيح (ع) تضحية من أجل مغفرة الخطايا، فإسبغ التضحية على نفسه ـ في مواقف كثيرة سيأتي تفصيلها في هذا القسم من الدراسة ـ و بدأ كأنّه الضحية ـ الفداء ـ من أجل الآخرين .و يستوجب الذكر بأن إستخدامات السيّاب لرموز الكتاب المقدس لا يمكن أن تدرس إلا من خلال الجوهر الموحي في القصيدة، وصولاً إلى معرفة أبعادها الفنية و ما تشيره من دلالات نفسية و إجتماعية، تبعاً للظروف التي يميلها “.[15]
و من رموز التراث المسيحي في العهد الجديد التي إستلهم منها السيّاب الأقنعة و الصور الشعرية هو شخصية المسيح (ع) و شخصية مريم المقدسة (عليها السلام) و معجزات عيسى (ع) و كراماته مثل لعازر الذي أحيا عيسى (ع) من موته و كذلك الشخصيات السلبية و المنبوذة في التراث المسيحي مثل الشيطان و يهوذا و … الخ و التي سندرسها في هذا البحث.
أ.تقمّص السيّاب لشخصية المسيح (ع): السيّاب ـ كسائر الشعراء المعاصرين ـ قد إستلهم ملامح المسيح النصرانية، إضافة إلى هذه الملامح القرآنية ـ فمعظم ملامح السيد المسيح في الشعر العربي المعاصر مستمدة من الموروث المسيحي و خصوصاً الصلب و الفداء و الحياة من خلال الموت، و ثلاثتها ملامح مسيحية.[16]
و في قصيدة المسيح بعد الصلب يصوّر الشاعر المسيح بالمنفذ والمخلص والفادي بنفسه لخلاص الأمّة من تيهها و ظلم سلاطينها، حيث يقول على
لسانه: قلبي الشمس، إذ تنبض الشمس نوراً، قلبي الأرض تنبض قمحاً، و زهراً و ماءً نميراً، قلبي ـ الماء قلبي هو السنبلُ موته البعثُ : يحيا بما يأكل[17]
” و إنطلاقاً من المعتقدات المسيحية فإن المسيح الفادي بنفسه و المضحي من أجل أمته، هو رمز لصورة البطل الثوري الذي تنكّر ذاته،و حين وظّفه الشاعر المعاصر أراد من خلاله أن يلغى القطيعة بين الماضي و الحاضر، إذ تمتلك بعض رؤى الماضي فاعلية خصبة بماتحمله من طاقة و سحر قادرين على إضاءة الحاضر و توتراته “.[18]
” و في قصيدته من «رؤيا فوكاي» يتحدث الشاعر عن هؤلاء الذين يقدمون كقرابين على مذبح الجشع المادي المعاصر و يتساءل هل ستولد
حياة جديدة من دماء هولاء الضحايا “.[19]
في قول: أم سمّر المسيح بالصليب فإنتصر و أنبتت دماؤه الورود في الصخر[20]
” فكلّ هذه الملامح ، ملامح نصرانية استقاها من الموروث المسيحي وظّفها في شعره و قد إستخدمها بكثرة في ديوانه أنشودة المطر. و بدر شاكر السيّاب في قصيدة «غريب على الخليج» يصور نفسه في غربته و هو يحمل بلده و حنينه المدار عليه في وجدانه بصورة مسيح يجرّ صليبه”،[21] ويقول مخاطباً العراق: بين القرى المتهيّبات خطاى و لا مدن الغريبة عنيت ترتبك الحبية فأنا المسيح يجرّ في المنفي صليبه [22]
” أما ملمح «الفداء» فقد إمتزج كثيراً بملمح الصلب، فكلّ شاعر لا يتحمّل آلام المحنة و عذاباتها فقط . و إنما يتحمّل فداءً لفكرة يعتنفها، و كلّ مناضل يسقط أو يتعذب فداءً للدعوة التي يناضل من أجلها، أو لأمته … و هكذا، فجميلة بوحريد في قصيدة «إلى جميلة بوحريد، لبدر شاكر السيّاب تفدي جرح الجريح، و تمنح من آلامها و عذاباتها الكثر مما منح المسيح” [23] :
لم يلق ما تلقين أنت المسيح أنت التي تفدين جريح الجريح أنت التي تعطين … لأقبض ريح [24]
أمّا ملمح «الحياة من خلال الموت» في الموروث المسيحي، هو أنّ المسيح (ع) بعد أن صلب و دفن ذهبت مريم المجدلية و مريم أم يعقوب إلى قبره، فلم تجداه في القبر و أخبرهما ملاك الرب إنه قد بعث و سبق تلاميذه إلى الجليل كما وعدهم[25].
و كان في العشاء الأخير قبل القبض عليه ” و فيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز و بارك و كسر وأعطى التلاميذ، و قال: خذوا و كلوا، هذا هو جسدي ، و أخذ الكأس و شكر و أعطاهم قائلا: أشربوا منه كلّكم لأنّ هذا هو دمي الذي يسفك للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين”.[26]
و قد أخذ السيّاب هذا الملمح من حياة المسيح، فإعتبره أنّ كلّ من يقضي فكرة أو مبدأ فإن فكرته أو مبدأه يعيش من خلال موته كما كان جسد المسيح (ع) طعاماً و دمه شراباً لهم، و كما بعث المسيح (ع) من الموت[27] .
ففي قصيدة «من رؤيا فوكاي» يتحدّث الشاعر عن هؤلاء الذين يقومون كقرابين على مذبح الجشع المادي المعاصر، و يتساءل هل ستولد حياة
جديدة من دماء هؤلاء الضحايا:[28]
أم سمّر المسيح بالصليب فإنتصر
و أنبتت دماءه الورود في الصخر؟[29]
” و قد تمتزج هذه الملامح الثلاثة كلّها؛ «الصلب» و «الفداء» و «الحياة من خلال الموت»، في قصيدة واحدة، كما في قصيدة «المسيح بعد الصلب» لبدر شاكر السيّاب ، و هي من أنضج القصائد التي إستخدمت شخصية المسيح (ع) في شعر العربي المعاصر “[30] .
و لعلّ أجمل صورة لرمز السيد المسيح (ع) في شعر السيّاب كانت حين شبّه صوت إبنة غيلان الذي يجيئه عبر غربته و وحدته، بيد السيد المسيح (ع) التي ما إن تمسح جماجم الموتى حتّى تهب براعمها تعانق الحياة :
بابا …. كان
يد المسيح فيها، كان جماجم
الموتى تبرعم في الضريح
تضجّ قصيدة مرحى الغيلان بصورة السيولة التي لا حصر لها، حتّى لا يكاد ينجو بيت منها من إستعارات السيولة. كلّ شيء ينضج أو يغرق أو يخوض، أو يقترن بالماء أو الدم أو الدموع بل يبلغ الإلحاح على صور السيولة حداً أنّ الشاعر لا يتردد في تشبيه سائل بسائل. و هذه ظاهرة كثيرة التكرار في شعره، و بخاصة في ديوان «أنشودة المطر». و في قصيدة «مرحى غيلان»المذكورة يردّ المقطع التالي الذي يتضمن حواراً بين صغير وأبيه [31] :
بابا …. بابا
أنا في قرار
بويب أرقد، في فراش من رماله
من طينه المعطور،
والدّم في عروقي في زلاله
كي يهب الحياة بكلّ أعراق النخيل
أنا بعل أخطر في الجليل
على المياه، أنثُّ في الورقات روحي و الثمار
و الماء يهمس بالخرير، يصل حولي بالمحار
و أنا بويب أذوب في فرحي و أرقد في قرار[32]
” تبدأ المقطوعة بالإنفصال عن بويب، و إحتوائه للمتكلّم : «أنا في قرار بويب أرقد»، و تنتهي بالإنصهار به و التلاحم معه : «وأنا بويب» و الوسيط الذي يتمّ من خلاله هذا الإنصهار هو صورة المسيح أو تموز أو
بعل، لا فرق بين أحد من هؤلاء. مادام كلّ منهم رمزا للعدد الأبدي للحيّ ، الذي يستطيع أن يهب الحياة لكلّ أعراق النخيل ” [33]
و كذلك من الصور الأخرى الذي يأتي السيّاب من خلاله ملمح «الحياة من خلال الموت» في قصيدة «مرحى غيلان» هي الشمس، فالسيّاب في هذه
القصيدة يتغنى بالشمس. و تتحوّل الشمس إلى بشارة ميلاد المسيح و إندحار الظلام[34] : الموت يركض في شوارعها و يهتف: يا نيام
هبّوا فقد ولد الظلام و أنا المسيح، أنا السلام[35]
و في هذه الفقرة من قصيدة «مرحى الغيلان» يمزج الشاعر عنصر الولادة مع الموت و الظلام و النور و اليأس والأمل معاً. فإنه يبشّر بتحوّل الظلام إلى النهار و نور، و إلى ولادة المسيح و زوال اليأس و الألم و حلول الدفئ و الفرحة و الأمل .
فالشاعر يصور نفسه و الأمة و أحلأمّه «عودة إلى الحياة» عبر الموت عن طريق هذا التصوير.” و يكتب السيّاب معلّقاً في الهامش: كان كهنة إيزيس ينطلقون في منتصف ليلة 25/12 من كلّ عام هاتفين في شوارع الإسكندرية: لقد وضعت العذراء حملها، و قد ولدت الشمس». وبسبب غياب الشمس عن القصيدة فإن الشاعر لا يولد، بل يعود إلى الحياة و حسب ـ
فالإنتصار على الموت ليس ميلاداً جديداً، بل مجرد دعوة، على عكس ما يحصل في قصيدة «مرحى غيلان»”[36] .
و كذلك نرى الشاعر يقول :
يا ظلمي الممتد يا ميلاد عمري من جديد[37]
” و الشمس هي علامة ميلاد الشاعر، و هي العنصر الأنثوي
الذي ظل غائباً، في حين حضور القمر في أشعار السيّاب هو العنصر
الذكري .و كذلك الماء، مادة الحياة و مادة الموت في الوقت نفسه، إذا ظهر على سطحه القمر، كان مادة الموت، و إذا ظهرت على سطحه الشمس كان مادة الحياة. فمثلاً لأن قصيدة «الموت والنهر» لا تستطع فيها الشمس و يغيب عنها عناصر الكون الأنثوي ، فما من ميلاد هنا. إنّ السيّاب لا يولد من جديد، ولا يولد هنا أصلاً، بل يعود إلى الحياة، فقط و بهذا وحده فينتصر” [38] :
و أبعث الحياة. إنّ موتي إنتصار[39]
” في من يبعث الحياة؟! أ في نفسه أم في غيره؟ من الواضح أنّ بعثه للحياة في المكافحين ليس سوى أمنية يعرف أنّها لا تتحقق، و لكنه، مع ذلك يصرّ أن موته إنتصار للمكافحين والطبيعة والأشياء كلّها، إنتصار للحياة التي تخونه، لا لشيء إلا لأنّه مسيح آخر، و تموز آخر، و بعل آخر”[40].
و هذه القصائد يبيّن تمثّل الموت إنتصاراً بما هي بين قيامة المسيح (ع) و إنبعاث تموز[41]ـ مثل قصيدة «رؤياي فوكاي » وبالتحديد هذا البيت:
أم سمّر المسيح فإنتصر و أنبتت دماؤه الورود في الصخر…؟[42]
” و يتميّز تمثّل الموت هذا بالتنويه بالتضحية بالذات في سبيل الآخرين ليطرح الفداء باباً للخلاص تجاه الظلم و الإستبداد، أو تجاوزاً للبؤس والشقاء الإنسانيين” [43] .
كما نرى في قصيدة قافلة الضياع و تحديداً في الأبيات الثلاثة الأخيرة فيها:
الليل … كلا! ما هناك! أنظر ـ هو الفداء! ولد الفدائيون، باب غد، فلا غد لليهود![44]
و كذلك يرسم السيّاب آلام المسيح و مصائبه في قصيدة «غريب على الخليج» الذي يعكس فيه الشاعر معاناة العذاب و الأمة الروحية
و يسقطه على الصلب أو على صليب المسيح(ع): بين القرى المتهيبات خطاي و المدن الغريبة غنيّتُ ترتبك الحبية، حملتها فإنا المسيح يجرّ في المنفي صليبه، فسمعت وقع خطى الجياع تسير، تدمي من عثار فتذرّ في عيني ، منك و من مناسمها، غبار[45]
” والشاعر يذهب إلى هذا التمثيل والتضحية في سبيل الآخرين ، دون أن يستعبد مع ذلك، الإحالة السلبية على المسيح و صلبه، و ذلك في سياق الإشارة الخروج الطرف المستعمر الغربيّ (المسيحي ) عن القيم المسيحية و الأخلاقية و تشويهها و ممارسة نقيضها في الصراع الذي كانت تفرضه عمليات إجتياحه المنطقة العربية، و محاولاته الحثيثة قهر شعوبها و
إخضاعها لهيمنته و إستبعادها لمصالحه” .[46]
نرى هذه الصور في قصيدة «مرثية جيكور» وبخاصة الأبيات الستة الأولى :
يا صليب المسيح
ألقاك ظلّاً فوق «جيكور» طائر من حديد
يا لظلّ كظلمة القبر في اللون وكالقبر في إبتلاع الخدود
و إلتهام العيون من كلّ عذراء كعذراء «بيت لحم الولود»
مر عجلان بالقبور العواري من صليب على النصارى شهيد
فإكتسبت منه بالطيب الذي ما كان إلا رمز الهلاك الأبيد:
لا رجاء لها بأن يبعث الموتى و لا مأمل لها بالخلود ![47]

مصادر البحث
[1] علي، عبد الرضا؛ الأسطورة في شعر السيّاب ، ص 59، 60 ، بتصرف.
[2] أنظر: بطرس، أنطونيوس؛ بدر شاكر السيّاب شاعر الوجع ، ص 6، 7.
[3] السيّاب ، بدر شاكر ؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ج 1، ص 431.
[4]علي، عبد الرضا؛ الأسطورة في شعر السيّاب ، ص 62 ، بتصرف.
[5] السيّاب ، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ص 452.
[6] علي، عبد الرضا؛ الأسطورة في شعر السيّاب ، ص 62.
[7] السيّاب ، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ص 657.
[8] سفر التكوين 19: 26.
[9] علي، عبد الرضا؛ الأسطورة في شعر السيّاب ، ص 63
[10] م. س،ص 60-63. ، بتصرف.
[11] السيّاب ، بدر شاكر ؛ الديوان ، المجموعة الشعرية الكاملة؛ ج 1، ص 137.
[12] م.ن، ج 1، ص 189 ، بتصرف.
[13] علي عبد الرضا؛ الأسطورة في شعر السيّاب ، ص 64. ، بتصرف.
[14] إنجيل متى، 26: 26-28.
[15]علي، عبد الرضا؛ الأسطورة في شعر السيّاب ، ص 65-59. ، بتصرف.
[16] أنظر:عشري زايد، علي؛ إستدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص 82.
[17] السيّاب ، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية
الكاملة، ج 1، ص 458.
[18] كاظم الأوسي ، سلام؛ الرؤيا الإستشراقية التاريخية في الشعر العربي
المعاصر، ص 3.
[19] عشري زايد، علي؛ إستدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص 85 ، بتصرف.
[20] كاظم الأوسي، سلام؛ الرؤيا الإستشراقية التاريخية في الشعر العربي
المعاصر، ص 3 ، بتصرف.
[21] عشري زايد، علي؛ إستدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص82، 83.
[22] السيّاب ، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة؛ ج 1، ص 112.
[23] عشري زايد، علي إستدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص114.
[24] السياب، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ج 1، ص 164.
[25] أنظر: إنجيل متى : الإصحاح الثامن و العشرون.
[26] م . س، الإصحاح السادس و العشرون.
[27]أنظر: عشري زايد، علي؛ إستدعاء الشخصيات التراثية في شعر العربي المعاصر، ص 85.
[28] أنظر: م.ن، ص 85.
[29] السيّاب ، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ج 1،ص 140.
[30]عشري زايد، علي؛ إستدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، ص 86 ،بتصرف.
[31]أنظر: م.س ، ص 23.
[32] م.س ، ج 1، ص 116.
[33] صالح، فخري، دراسات نقدية في أعمال السيّاب . حاوي . دنقل. جبرا «الحلقة النقدية في مهرجان جرش الرابع عشر»؛ تأليف: الغانمي، سعيد ] و آخرون[، ص 32 ، بتصرف.
[34] أنظر: م، ن، ص 31.
[35] السيّاب ، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ج 1، ص 117.
[36] صالح، فخري؛ دراسات تقدية في أعمال السيّاب .حاوي . دنقل. جبرا؛ «الحقلة النقدية في مهرجان جرش الرابع عشر»، تأليف:الغانمي، سعيد ] وآخرون[، ص 31.
[37] السيّاب ، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ج 1، ص 117.
[38]صالح، فخري؛ دراسات نقدية في أعمال السيّاب . حاوي. دنقل. جبرا: «الحلقة النقدية في مهرجان جرش الرابع عشر»؛ تأليف: الغانمي، سعيد (وآخرون) ، ص 32.
[39] السيّاب، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ج 1، ص 221.
[40] صالح فخري؛ دراسات نقدية في أعمال السيّاب ، حاوي، دنقل جبرا «الحلقة النقدية في مهرجان الرابع عشر؛ تأليف: الغانمي، سعيد ] و آخرون[، ص35.
[41] أنظر: سويدان؛ سامي؛ السيّاب و زيادة التجديد في الشعر العربي الحديث، ص 194.
[42] السيّاب ، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ج 1، ص 140.
[43] سويدان، سامي؛ السيّاب و زيادة التجديد في الشعر العربي الحديث،ص 194.
[44]السيّاب ، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ج 1، ص 151.
[45] م.س ، ج1 ، ص 112
[46] المعوش، سالم ؛ السيّاب أنموذج عصري لم يكتمل (( دراسة في تجربة السيّاب الحياتيّة و الفنيّة و الشعريّة)) ،ص 178 ، بتصرف.
[47] السيّاب، بدر شاكر؛ المجموعة الشعرية الكاملة، ج 1، ص 179

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*