الباعوثا صومنا القومي

بقلم ســامي بلّـو
الباعوثا صومنا القومي

11 / 10 / 2010
http://nala4u.com

قد يجهل الكثيرين ، وقد يغيب عن بال الاخرين بان صوم نينوى او كما يطلق عليه ابناء شعبنا “صوم الباعوثا” هو صوم قومي لامتنا الاشورية بالاضافة الى ارتباطه بمسيحيتنا ، وقد انفردت به كنيستنا المشرقية دون سواها من كنائس اللـه الاخرى .
إن صلوات هذا الصوم ، او كما تسمى كنسيّا (ميمري دباعوثا) تنسب الى الملفان الكبير مار افرام بحسب ما مذكور في كتاب الصلاة لطقس السريان المشارقة (الحوذرا) ، ولكن بحسب معلوماتي فان ميامر الباعوثا هذه ، قد كُتبت ووُضعت الحانها من قبل اكثر من كاتب من اباء الكنيسة ، وجمعت على مر فترات زمنية متعاقبة ، حتى وصلت الينا بهذه الصورة الجميلة المتكاملة .
ووزعت هذه الصلوات على ثلاثة ايام التي تمثل هذا الصوم تبدأ بيوم الاثنين وتنتهي الاربعاء ، ويبدأ صوم الباعوثا قبل الصوم الكبير بثلاثة اسابيع . لقد ابدع اباؤنا في كتابة صلوات الايام الثلاثة لهذا الصوم ، ورغم عمق ايمانهم المسيحي ، فان هذا لم يمنعهم من اظهار انتمائهم الى هذه الامة بحسب مفاهيم زمانهم ، وقد لا يكون شعورهم هذا يتطابق مع مفاهيمنا القومية الجديدة ، وخاصة بعد تصاعد الوعي القومي بين ابناء هذه الامة ، ولكنه يفي باضهار انتمائهم .
وقبل الخوض فيما كتب اباؤنا لهذا الصوم ، يكفي ان نقول لولا شعورهم بالانتماء لما اوجدوا هذا الصوم دون سواهم من الكنائس الاخرى.
بالامكان النظر الى صوم نينوى من منظورين ، ومن كلاهما نستنتج بان هذا الصوم مرتبط ارتباطا كليا بنا كأمة ، وقد تبنته كنيستنا المشرقية ، كاعتزاز بهذا الانتماء .
والمنظور الاول هو العهد القديم الذي عليه بنى اباؤنا قصة هذا الصوم . اذا لنلقي نظرة على ما يقوله العهد القديم : (وامر الرب يونان بن أمتاي ” هيا امض الى نينوى المدينة العظيمة وبلغ اهلها قضائي ، لان اثمهم قد صعد اليَّ “
غير ان يونان تأهب ليهرب من الرب الى ترشيش ، فانحدر الى مدينة يافا حيث عثر على سفينة مبحرة الى ترشيش ………. .) ومن حقنا ان نسأل لماذا حاول يونان ان يتهرب من امر الرب ؟ واستنتاجنا يقودنا الى ان يونان لم يكن يرغب في ان يبلغ رسالة الرب وانذاره الى اهل نينوى لئلا ينجووا من غضب الرب ، بل على العكس فانه كيهودي اسرائيلي ، كان يتمنى ان تتدمر المدينة واهلها ، نظرا لكراهيته وحقده عليهم بسبب احتلال الاشوريين لارضهم ، ولسنا نلومه على هذا ، لانها تعكس مشاعر مَن تكون ارضه محتلة . وربما ان استنتاجنا هذا لن يرضي او يقنع البعض ، لذا نورد هذا النص الاخر من العهد القديم الذي يوضح بجلاء مشاعر يونان وتمنياته بان تتدمر نينوى .
ويمضي العهد القديم بالقول في كتاب يونان 🙁 فلما رأى اللـه اعمالهم وتوبتهم عن طرقهم الاثمة عدل عن العقاب الذي كان مزمعا ان يوقعه بهم وعفا عنهم. فأثار ذلك غيظ يونان وغضبه الشديدين .
وصلى الى الرب قائلا : ” ايها الرب، اليس هذا ما قلته عندما كنت في بلادي ؟ لهذا اسرعت الى الهرب الى ترشيش، لاني عرفت انك إله رؤوف رحيم بطئ الغضب كثير الاحسان ، ترجع عن العقاب . والان دعني ايها الرب الفظ انفاسي لانه خير لي ان اموت من ان احيا ” ………..) .
فهل بعد هذا مجال للشك في ما كان يونان يضمر في قلبه من حقد وكراهية على نينوى واهلها ؟ انه يتمنى الموت على ان يرى اهل نينوى قد نجوا من عقاب الرب !
أما المنظور الثاني ، فهو من خلال النصوص التي كتبها اباؤنا لهذه المناسبة ، التي يعتبرونها نصرا عظيما لجدودهم في نينوى ، ان قراءة في ميامر الباعوثا تدل القارئ على عمق مشاعر الانتماء الى هذه الامة من لدن هؤلاء الكتبة ، وكيف يصفون بكل فخر واعتزاز عظمة وعنفوان ابائهم واجدادهم في نينوى العظيمة ، وكيف انهم بحكمة ملوكهم استجابوا لنداء الرب الاله ( الذي كانوا بلا شك يعرفونه قبل مجيئ يونان ، والا لما امنوا) واتخذوا التدابير اللازمة لانقاذ شعبهم من الهلاك .
لقد اخترت ان اترجم للقارئ الكريم شيئا من القراءة الثانية من الجلسة الثانية ليوم ثلاثاء الباعوثا ، ليحكم القارئ على ما كان عليه كاتب هذه القراء من اعتزاز بالانتماء الى هذه الامة . لقد فاتني ان اذكر بان ميامر الباعوثا قد وزعت على الايام الثلاثة وخصص لكل يوم منها ما يصلى في ذلك اليوم تحديدا ، وبتلك الالحان الشجية، اما انواع هذه الصلوات فهي خارج مجال هذا المقال ، واترك شرحها وتصنيفها لاباء الكنيسة وشمامستها :
القراءة الثانية/ الجلسة الثانية/ ليوم الثلاثاء

(هذه ومثلها تحدث اهل نينوى لاحبائهم
بتنبؤهم عن الامان ، عندما رغبوا الافراج عن همهم
وتنبأوا متأكدين ، واسرعوا الى التوبة…….
الخطر يجعلهم يكثرون الصيام ، ومن الخوف يكثرون الصلاة
ونظروا بعين الحكمة ، فاذا كان الابرار لا يهدأون ؟
فكم بالاحرى سيحزن الخطاة ، فاجلهم يقف عند الابواب
خرج الملك ، واضطربت المدينة عندما رأت مسوحه…
والملك ايضا لم يتمالك دموعه ، لان الحزن لبس المدينة باسرها
وبكى الملك امام المدينة…. وبكت المدينة باسرها……
ومن يستطيع ان لا يبكي ، امام الملك الذي يبكي…..
فجأة وجد الملك وأهل المدينة بان حياتهم على موعد مع الموت
دعى الملك قواته ، بكى عليهم وبكوا عليه
وقص عليهم الملك ، كم من الحروب قد انتصروا
واعلمهم ايضا ، كم من صولة كانت لهم الغلبة
صغرت نفسه واصابه الوهن ، فليس من يساعد وينقذ
وبدأ يقول لهم ، لو انها كانت الحرب يا احبابي
لخرجنا وانتصرنا كعادتنا ، وغلبنا بارادتنا
حتى الجبابرة يرهبهم اسم اشور العظيم
نحن الذين انتصرنا على الكثيرين ، وعبراني يتغلب علينا
صوتنا كان يرعب الملوك ، ومن صوته قد اضطربنا
خربنا الكثير من المدن ، وفي مدينتنا ينتصر علينا
نينوى ام الجبابرة ، تخاف من شخص جبان
الاسود في مرابضها ، رهبت من العبراني
زأرت اشور في العالم ، وصوت يونان يزأر فيها
كيف يوهن هذا ، نسل الملك نمرود الجبار
اعطى الملك مشورته السديدة لقواته البطلة
انصحكم يا احبائي ، لا تغفلوا هذه النصيحة
نجاهد كالابطال ، ولا نباد مثل الجبناء
ليتسلح ويتجبر كل واحد بحسب تجاربه
اما ان يموت كبطل جبار ، او يحيا منتصرا
اما ان يموت واسمه مبجل ، او ان يحيا حياة المنتصر
يستفاد الغالب من شجاعته على فائدتين
مثلما يحصل الذي يضعف على الوجعين
فموته يكون خزيا ، وحياته يعيشها سئ الصيت
من يتسلح ويتشجع ، يتجبر وينتصر
حتى اذا لم يفز بشئ ، فانه ينال اسم البطل
من اجدادنا الاوليين ، سمعنا عبر الاجيال
ان العدالة للـه ، وله النعمة ايضا
هو متوافق مع عدالته ، ومن نعمته يرحم ……
…………………………..)

هذا جزء من تاريخنا وتراثنا ، فهل هناك من يشك بان كاتب هذه القراءة لا ينتمي الى هذه الامة؟ ويردني قول العلامة الدكتور الاب يوسف حبي في كتابه (كنيسة المشرق) : ” التاريخ تراث ، وحضارة ، ومدرسة ، وفلسفة ، ونبوءة .

ســامي بلّـو

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الارشيف, المقالات واللقاءات. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.