الأكيتو.. عيد الطبيعة والآلهة والإنسان

بقلم سليمان يوسف
الموضوع; الأكيتو.. عيد الطبيعة والآلهة والإنسان
shuosin@gmail.com

05 / 04 / 2021
https://nala4u.com

الحاجة إلى تنظيم المناسبات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وضبط ظواهر الطبيعة ، ذات التأثير المباشر على الحياة العامة والنشاط الزراعي ، دفعت الإنسان في بلاد ما بين النهرين لوضع (تقويم سنوي – روزنامة)، يبدأ مع الأول من الشهر البابلي ( نيسانو). 1 نيسان أبريل 2021 سيبلغ التقويم البابلي الآشوري 6771عاما . هو الأقدم بين تقاويم الشعوب الأخرى، أحدث نقلة نوعية وهامة في حياة المجتمعات القديمة وفي مسيرة الحضارة الإنسانية ، معه تشكلت (الذاكرة الجمعية) لتلك المجتمعات. من هنا تأتي أهمية التقويم الأكادي ( البابلي الآشوري) لدى المجتمعات القديمة في بلاد ما بين النهرين والاحتفال في الأول من نيسان بعيد رأس السنة الأكادية ( البابلية الآشورية ). ( الأكيتو ) كلمه سومرية، تعني (البيت الريفي)، فيه كانت تقام الاحتفالات والمهرجانات الخاصة بالعيد. احتفالات الأكيتو، تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. كانت تبدأ في الأول من نيسان وتستمر 12 يوما، تتنوع فيها الطقوس والشعائر، لتشمل الجوانب الدينية والاجتماعية والسياسية. من مدينة (أور)، عاصمة الدولة السومرية مركز أقدم الحضارات، كانت الانطلاقة الأولى للاحتفالات بالعام الأكادي (البابلي- الآشوري) الجديد . من أور انتقلت الاحتفالات إلى بابل وآشور ونينوى ونمرود وأريدو وأربيل وباقي مدن بلاد الآشوريين، ومن ثم إلى الشعوب الأخرى في سوريا الكبرى وبلاد فارس ومصر وصولاً إلى الشعوب الأوروبية ، بأسماء وتواريخ مختلفة. ليس صدفة أن تأتي الاحتفالات بأعياد ( الأكيتو ونوروز والفصح المسيحي واليهودي وأعياد اليزيديين وعيد الخليقة لدى الصابئة المندائيين وعيد الرابع في سوريا وشم النسيم في مصر) في فصل الربيع. هذه الأعياد، رغم طابعها الأسطوري وإعطائها أبعاداً ووظائف سياسية ، الاحتفال بها يرتبط بتجدد دورة الحياة والخصب في الطبيعة مع حلول فصل الربيع.

الأكيتو والميثولوجيا:

الآشوريون القدماء أبدعوا في كتابة الأساطير والملاحم الأدبية، أبرزها ملحمة (جلجامش ، اينوما إيليش )، أقدم نموذج من أدب الملاحم في تاريخ الحضارات).

ما جاءت به هذه الملاحم ، من عقائد وتصورات للكون والإنسان والآلهة، لعبت دوراً هاماً وكبيراً في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمناسبات الدينة في مجتمعات بلاد ما بين النهرين. الميثولوجيا، شكلت المساحة الفكرية التي جرت عليها أحداث(الدراما الإلهية). الباحث المهتم بميثولوجيا واساطير الشعوب القديمة يدرك جيداً مدى تأثير الميثولوجيا الأكادية (البابلية – الآشورية )على معظم الفكر الديني، الذي ظهر لاحقاً في المشرق. أن يتواجد في مدينة أور، معبد (إنانا – إلهة الجمال والحرب)، ومزار/ بيت النبي(إبراهيم الخليل) ، الأب الروحي للديانات الابراهيمية ( اليهودية والمسيحية والإسلامية)، مؤشر قوي على إن هذه الديانات خرجت من رحم الميثولوجيا (السومرية، الأكادية، البابلية، الآشورية). كان لملحمة الخلق والتكوين البابلية (اينوما ايليش) مكانة خاصة ومتميزة في احتفالات الأكيتو . هذه الملحمة كانت تقدم على شكل ( مسرحية ) احتفالاً بذكرى انتصار الإله (مردوخ) على (التنين)- حيوان أسطوري – وتخليداً لأحداث موته وقيامته من بين الأموات في اليوم الثالث . احتفالات الأكيتو كانت تبلغ ذروتها مع تتويج مردوخ (ملكا – إلها) على الكون ومخلصاً للإنسان. في اليوم الأخير للاحتفالات ، كانت تقوم جموع المحتفلين بالتطواف حول معبد سيد الآلهة (مردوخ – آشور، في عهد الدولة الآشورية) . هذا يقودنا للقول، بأن فكرة (الخلاص و تجسد الله بشخص السيد المسيح وموته صلباً وقيامته)، التي تمثل جوهر العقيدة (المسيحية) ، تعود في جذورها إلى الميثولوجيا الأكادية (البابلية- الآشورية) ، التي تمحورت حول: (الطبيعة و الآلهة والإنسان). هكذا يبرز عيد الأكيتو بصفته “عيداً للطبيعة والآلهة والإنسان “.

كذبة الأول من نيسان (أبريل) :

استمر الاحتفال، على مستوى العالم ، بالعام الجديد في الأول من نيسان وفق التقويم الأكادي (البابلي – الآشوري) ،حتى منتصف القرن السادس عشر الميلادي.

في عهد ملك فرنسا (تشارلز التاسع 1550 – 1574) تحول الاحتفال بالعام الجديد وفق التقويم الميلادي. في العام الذي قرر الملك تشارلز هذا التغيير ، دعا جميع الأمراء ووجهاء باريس إلى الاحتفال بالعام الجديد كما جرت العادة في 1 نيسان . الملك تشارلز، تخلّف عن الحضور ، أرسل موفداً عنه إلى المدعويين ليبلغهم بأن الملك قرر أن يكون الاحتفال بالعام الجديد في الأول من كانون الثاني من كل عام وفق التقويم الميلادي المسيحي، بدلاً من الأول من نيسان باعتباره عيداً وثنياً. من هنا جاءت ” كذبة الأول من نيسان ” الشائعة إلى تاريخ اليوم.

الأكيتو من عيد وثني إلى عيد قومي :

جرياً على عادات وتقاليد الآباء والأجداد ، في الأول من نيسان من كل عام، يحتفل الآشوريون(سرياناً كلداناً) في سوريا والعراق وبقية دول المنطقة والعالم، بعيد (الآكيتو- رأس السنة البابلية الآشورية) . يخرجون إلى أحضان الطبيعة، يرتدون الزي الآشوري التقليدي، يتبادلون التهاني والهدايا بالعيد، يعقدون المهرجانات الفنية والتراثية، يقيمون حلقات الرقص الشعبي ، تُعرض مسرحيات من وحي المناسبة. فجر الأول من نيسان ،فتيات ونسوة، ينطلقن إلى الحقول لجمع الندى من على الاعشاب لإضافته إلى الحليب حتى يتخثر (يصبح لبناً) يسمونه (خميرة نيسان المباركة)، ليتم استعمالها على مدار السنة لحين قدوم شهر نيسان من جديد وتحضير خميرة جديدة. كذلك يغسلن وجوههن بـ (ندى نيسان) تبركاً ولما يعطيه من نضارة للوجه. هذه التقاليد تمارس حتى الآن في بعض القرى السريانية الآشورية في الجزيرة السورية. الآشوريون بعد اعتناقهم للمسيحية ، تَخلوا عن (الطقوس والشعائر) الوثنية الخاصة باحتفالات (الأكيتو ). لكنهم تمسكوا بهذا العيد وأبقوا على معانيه ودلالاته الحضارية والإنسانية. حافظوا عليه كجزء من تراثهم وثقافتهم القومية الأصيلة . الاحتفال بعيد ( رأس السنة البابلية – الآشورية ) هو أبرز المناسبات الشعبية والأعياد القومية ، لدى الآشوريين ( سرياناً كلداناً ) .

الأكيتو السوري:

في سوريا ، الآشوريون( سرياناً كلداناً ) يحتفلون بأعيادهم ومناسباتهم الخاصة، في ظل نظام عروبي دكتاتوري شوفيني و دستور لا يعترف بهويتهم القومية وخصوصيتهم الثقافية والتاريخية. في القامشلي وبقية مدن الجزيرة السورية ، عشرات من عناصر المخابرات والأجهزة الأمنية كانت تراقب احتفالات الأكيتو. بعد كل احتفال تقوم باستدعاء ممن يبرزون في فعاليات الاحتفالات للتحقيق معهم وتعتقل البعض منهم . في السنوات الأخيرة بدأ عيد (الأكيتو) يشق طريقه شيئاً فشيئاً إلى العديد من المناطق والمجتمعات السورية كـ (عيد سوري)، يكتسب بعداً (سياسياً وطنياً). وبدأت تعلو أصوات سورية ، تطالب سلطات البلاد بإعادة الاعتبار لعيد (الأكيتو)، باعتباره جزء من التراث السوري الأصيل، وإقراره عيداً وطنياً سوريا . مع تفجر الأزمة السورية الراهنة آذار 2011، بدأت وسائل اعلام النظام تنفتح وبشكل خجول على احتفالات الآشوريين بعيد الأكيتو من خلال الحديث عن معاني العيد ودلالاته الحضارية والتاريخية .

بعض الأقنية الفضائية التابعة للنظام، تنقل لقطات من احتفالات السريان الآشوريين في الجزيرة السورية ومن مناطق أخرى . (وزارة سياحة النظام) في نيسان 2019 ( 1 نيسان 6769 آشوري ) أقامت احتفالاً بعيد (الأكيتو) بصفته( رأس السنة السورية) في بلدة (جبعدين ) وهي بلدة آرامية سريانية عريقة ،أهلها يتحدثون لغتهم الأم (السريانية الآرامية) . بشار الأسد ،المشكوك بعروبته وإسلامه، بعد طعنه بـ (الهوية السريانية) لسوريا التاريخية ، دفن آمال وأحلام من كان ينتظر منه معايدة الشعب السوري بالعام (البابلي الآشوري) الجديد ، وإصدار مرسوم رئاسي بجعل (الأكيتو) عيداً وطنياً سورياً.

تنويه (nala4u): الموقع يتبنى التسمية الآشورية كقومية وتاريخ ولغة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.