خبر وتعليق; أرمينيا، حسابات الربح والخسارة

الطاهر المعز
خبر وتعليق
أرمينيا، حسابات الربح والخسارة

2020 / 11 / 18
نالافوريو / الحوار المتمدن

أصبح “نيكول باشينيان” رئيسًا لحكومة أرمينيا (أيار/مايو 2018)، على إثر “ثورة مُلَوّنة” رفعت شعارات موالية للإمبريالية، ومعادية لروسيا، وأطاحت بالحكومة التي كان يرأسها “سيرج سركسيان”، بدعم إعلامي ولوجيستي كبير من الولايات المتحدة والعديد من دول الإتحاد الأوروبي لحزب “العقد المدني” الذي يترأسه “باشينيان” والذي تزعم المظاهرات التي كان شعارها الوحيد “الإطاحة بالحكومة”، وبعد سنَتَيْن من التّزلّف “للغرب” ومن استفزاز روسيا، عبر إزالة كل أثرٍ لها وللإتحاد السوفييتي، خسرت أرمينيا ما اكتسبته قبل حوالي ثلاثين سنة، في حربها ضد أذربيجان، المدعومة من تركيا والتي تُؤوي قاعدة أمريكية وأخرى صهيونية، ووجدت حكومة أرمينيا نفسها معزولة بعد أن كانت تحظى بدعم علني أو خفي من إيران ومن روسيا…
وقّع رئيس حكومة أرمينيا (نيكول باشينيان)، يوم التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر اتفاقًا يُكرّس هزيمة جيش أرمينيا أمام خصمه الجيش الأذربيجاني، المدعوم من جيش تركيا ومرتزقة موالين لحكومة تركيا الإخوانية، ويُكرس خسارة أرمينيا لمناطق تسكنها أغلبية أرمينية، في إقليم “قُرة باغ”، ما اعتبره الأرمنيون كارثة تُذَكِّرهم بالمجازر التي ارتكبتها الدّولة التّركية ضدهم سنة 1915، كما كَرّس الإتفاق مكانة روسيا التي أشرفت على المُحادثات وعلى توقيع اتفاق هزيمة أرمينيا، وخسارة مدينة “شوشي”، بعد سنتَيْن من العِداء الذي أعلنه “باشينيان” لكل ما يمت بصلة لروسيا، ويقضي الإتفاق بنشر “قوة سلام” روسية، لفترة خمس سنوات قابلة للتجديد، وبذلك يقع تحجيم دَوْر تركيا والإتحاد الأوروبي، وتكريس روسيا كقوة وحيدة، في منطقة القوقاز الحيوية، والتّخَلّص، بالمناسبة، من حكومة “الثورة المُلونة” الأرمينية التي أعلنت العداء لروسيا، وأقامت، في أيلول سبتمبر 2020، علاقات دبلوماسية رسمية مع الكيان الصهيوني، ذي العلاقات الجيدة جدّا مع أذربَيْجان، اقتصاديا وعسكريا …
أدّت الهزيمة العسكرية إلى هزيمة سياسية لحكومة “الثورة المُلَوّنة” التي كانت تعول على دَعْمٍ لم يأت من بعض دول أوروبا (فرنسا بشكل خاص) والولايات المتحدة، وتجمّع مواطنون أمام مبنى برلمان أرمينيا، احتجاجًا على أداء القيادات السياسية والعسكرية، متهمينها بالخيانة، وطالب رئيس الجمهورية “آرمين ساركسيان” باستقالة الحكومة، وبتعيين حكومة مؤقتة، لتسيِير شؤون البلاد، حتى موعد إجراء انتخابات سابقة لأوانها.
خسرت أرمينيا الفقيرة الحرب وجُزْءًا هامّا من الأراضي التي يسكنها الأرمن (قرة باغ) والتي استولت عليها، سنة 1993، بفضل الدّعم الرّوسي، أثناء الحرب ضد أذربيجان، قبل أكثر من 25 سنة، وربحت أذربيجان الغنية، وخاصة “عشيرة عالييف” الحاكمة، منذ ثلاثين سنة، والمدعومة من تركيا، وربح الكيان الصهيوني مواقع في أرمينيا، وعزّز مواقعه القديمة في أذربيجان، وعزّزت تركيا والكيان الصهيوني علاقاتهما مع أذربيجان الغنية بالنفط والغاز، وحصلت تركيا على سمعة عسكرية وعلى ممر لتنقل الأشخاص والسّلع من شرق تركيا إلى أذربيجان، واستعادت روسيا بعض المكاسب الإقليمية، في منطقة القوقاز، وخاصة منطقة جنوب القوقاز، التي أصبحت محط أطماع العديد من القوى الخارجية، بسبب حقول النفط وشبكة أنابيب نقل النفط والغاز إلى المتوسط، ثم إلى أوروبا…
قد تدعم القوى الإمبريالية قوى الثورة المُضادّة (الثورات المُلَوّنة)، وهي في جوهرها قوات هَدْم، أي تطالب بالتغيير، من أجل التّغيير، فيما تُحرك الإمبريالية خيوط اللعبة، ولكنها قادرة على التّخَلِّي عن عُملائها، في مرحلة لاحقة، عندما تُحقّق شركاتها أهدافها في الهيمنة الإقتصادية والعسكرية، وهو ما حصل في أرمينيا، حيث كان الهدف عزل روسيا، ولما استعادت روسيا بعض قُوّتها وأظهرت، منذ الحرب مع جورجيا، سنة 2008، وفي أوكرانيا، سنة 2014، أنها سوف تدافع عن مجالها الحيوي، أصبحت الإمبريالية الأمريكية والإتحاد الأوروبي أكثر حَذَرًا، ربما مُؤقّتًا، رغم زيادة عدد مناورات حلف شمال الأطلسي على حدود روسيا، في البلدان المجاورة لها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.