يبدو أنه كان لقاء عاصفا ذاك الذي جرى بين السفير البابوي في بغداد والكاردينال البطريرك ساكو؛ وما هي قصة “حديقة الحيوانات” في الكنيسة الكلدانية

ليون برخو
يبدو أنه كان لقاء عاصفا ذاك الذي جرى بين السفير البابوي في بغداد والكاردينال البطريرك ساكو؛ وما هي قصة “حديقة الحيوانات” في الكنيسة الكلدانية

السرية تكتنف عمل المؤسسات السلطوية، وعلى الخصوص الدينية منها.

ولكن يبدو ان لقاء عاصفا جرى بين السفير البابوي في بغداد والبطريرك ساكو. ويبدو ان السفارة استدعت الكاردينال لتبلغه بمحتوى رسالة خاصة فيها شكوى ترتقي الى تأنيب.

بالطبع، مراسلات مثل هذه تحكمها السرية، لا بل يقسم كل أسقف عند رسامته على المحافظة على سرية المراسلات وأحكامها القاسية والصارمة، وخرقها يعد انتهاكا للقسم.

ويظهر أن ما تم تبليغ البطريرك ساكو به، في استدعائه لدى السفير، كان من الحدة او ربما القسوة بمكان، الى درجة لم يتحمل كتم السر بل عمد الى كشفه بطريقة لا تليق بالمقام وبقدسية النشاط الكنسي الذي كان يقوم به، وهو تأديته للذبيحة الإلهية.

وبالمناسبة، فإن مراسيم القداس الافتراضي الذي يقوم به البطريرك ينقل على الشبكة العنكبوتية، وصارت المراسيم وطريقة أدائها وعلى الخصوص الكرازات والمواعظ مادة دسمة للتندر في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الكلدانية المعارضة.

وأفشى البطريرك ساكو ما دار بينه وبين السفير البايوي (سفير دولة الفاتيكان) في بغداد في كرازته في القداس يوم الثلاثاء الفائت، أي أكتوبر 20.

ولا أظن أن أي قارئ لبيب ستفوته ملاحظة النرفزة الشديدة وحركات الجسد المتكررة والمتشنجة التي رافقت شريط الكرازة الذي انتشر بسرعة وعلى مساحة واسعة في عالم الإنترنت.

وفي هذا الشريط وما يدور فيه من حديث في لهجة عربية شبه موصلية هجينة ركيكة لا تليق بالمقام ولا بالنشاط الكنسي المقدس الذي يؤديه، يكشف البطريرك ساكو بعض حيثيات اللقاء في حوالي 170 كلمة أغلبها هجوم عنيف ليس تحديدا على السفير ولا الفاتيكان ولا مرسل رسالة العتاب (رغم أنه لا يستثنيهم)، بل على كنيسته الكلدانية وتراثها ولغتها وطقوسها ورتبة قداسها ولم يستثن حتى الكتاب المقدس والأنبياء (أنظر في أعلاه او الرابط في أدناه).

وفيها قراءة غير سليمة للتاريخ واجحاف وتشويه بحق التاريخ الكنسي لمؤسسة الكنيسة الكلدانية.

إنها حوالي 170 كلمة، بيد ان أي مطلع على تاريخ الكنيسة الكلدانية وتراثها وطقوسها وأنافوراتها والكتاب المقدس لكتب مقالات عديدة عنها ولهاله ما وصلت إليه هذه المؤسسة الكنسية العريقة من حضيض وفوضى عارمة في السنين السبع الأخيرة.

بعد أن عبر البطريرك ساكو عن امتعاضه من استدعائه من قبل السفير وعلى الخصوص رسالة التأنيب التي أتته من روما (الفاتيكان)، يقول إنه رفض فتحها، أي انه لم يقرأها، ولكن إذا به يكشف عن مضمونها. فكيف رفض فتحها وقرأتها؟

وحسب الكرازة هذه (والكرازات يبدو أن أغلبها تحول الى تصفية حسابات ومع الأسف)، يقول البطريرك أن الرسالة فيها شكوى من أن منهجه في ما يطلق عليه “التجديد” قد ذهب بعيدا وأن الفاتيكان يطلب منه مراجعة النفس.

ويقول إن رسالة الفاتيكان (التي قال في بداية كرازاته إنه لم يفتحها)، طلبت منه أن يأخذ في عين الاعتبار العلاقة مع “الكنيسة الشقيقة”، ويبدو أن هذا الطلب من الفاتيكان يأتي في أعقاب التوقيع التاريخي على الإعلان الكريستولوجي المشترك بينهما والذي يعد خطوة كبيرة على طريق الشراكة بين الكنيستين الكاثوليكية الرومانية والمشرق الأشورية.

ردّ البطريرك على هذه النقطة بالذات فيه مفارقة وخطأ وتشويه لتاريخ وتشبث الكلدان بطقسهم ولغتهم وأنافوراتهم التي التزموا بها الى حوالي منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم. سأغادر هذه النقطة رغم أهميتها البالغة، مركزا على نقاط ذات علاقة مباشرة بالموضوع الذي نحن في صدده.

والمثير هو الطريقة التي يستهزئ فيها البطريرك من الطقس الكلداني ورتبة القداس الكلداني حيث يستخدم عبارات غير حميدة ويشوه اقتباس نبوي رباني من نبوءة اشعيا التي ترتلها وتقدسها كل الكنائس في المعمورة، وهو يستخدم لغة الجسد بطريقة مهينة. أنقل النص كما هو، محذرا القارئ مقدما من خطورة هذا الأقوال. فبعد سردة لرتب القداديس في الطقس الكلداني، يردف البطريرك قائلا:

” كلو هل خيال عربات وأجنحة بالسماء وملائكة، ست اجنحة تغطي وجّْجمْ وتغطي اسْفَلمْ وتغطي ماعرف إيش … شنو نحنا بالحديقة مال حيوانات.”

في هذا الاقتباس، هناك إشارة استخفاف واستهزاء لما يرد في نبوة اشعيا وعلى الحصوص النص في أدناه والذي هو جزء من كل الرتب القداديس ليس في طقس الكنيسة الكلدانية وحسب بل، حسب معرفتي، في كل الطقوس المسيحية، مشرقية كانت أم غربية:

” شَاهَدْتُ السَّيِّدَ جَالِساً عَلَى عَرْشٍ مُرْتَفِعٍ سَامٍ، وَقَدِ امْتَلأَ الْهَيْكَلُ مِنْ أَهْدَابِهِ، 2 وَأَحَاطَ بِهِ مَلائِكَةُ السَّرَافِيمِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، أَخْفَى وَجْهَهُ بِجَنَاحَيْنِ، وَغَطَّى قَدَمَيْهِ بِجَنَاحَيْنِ، وَيَطِيرُ بِالْجَنَاحَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ. 3 وَنَادَى أَحَدُهُمُ الآخَرَ: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ الرَّبُّ الْقَدِيرُ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ.”

هل هذا النص النبوي الرباني، حاشى، “حديقة مال حيوانات؟”

ومن ثم هناك تبريرات غير منطقية وغير مقبولة البتة يسردها البطريرك كحجج لما يطلق عليه “التجديد” الذي أقحمه في الكنيسة الكلدانية وأكاد اجزم أن غالبية الكلدان مع إكليروسهم لا تقبل به وترفضه، لا بل ستقاومه بعد ان تسمع ما قاله في هذا الشأن.

يقول البطريرك ان التجديد أتى خدمة للأخوة من المسلمين:

” احنا نريد نصلي بعدين احنا همينك عايشين في مجتمع 96 في المائة هيم مسلمين ما لازم نحكي معاهم ما لازم يفهمون صلاتنا يعني وين وريحين؟”

إذا التجديد ليس خدمة للكلدان، إنه يضرب التراث واللغة والطقس والإرث الكلداني في الصميم، بل جاء خدمة للأخرين، ورغم أن المنصب والكرسي الجالس عليه سعيدا يجب ان يكون أولا وقبل أي شيء أخر خدمة للكلدان في العراق والعالم.

وكنت أتمنى الا يذكر البطريرك اللغة “الكلدانية” بل يكتفي باللغة “العربية” لأن هو أبعد ما يكون عن اللغة والطقس والتراث والميراث والطقس الكلداني في تاريخ الكلدان المعاصر.

ولم يستثن في هجومه من على المذبح حتى الفاتيكان والمصدر الذي أرسل رسالة “التأنيب” هذه إليه، قائلا:

” احنا مدعوين أيضا ان نفهم ونصلي بكلمات ولغة اللي نحنا نعيشى. هيم من وين يعرفون الليتورجيا مالنا، اش مفهمم. لا يعرفون كلداني ولا يعرفون عربي ولا يعرفون ايش يعرفون من وين يعرفون … هيم ما لم حق علينا. هيم ما وصايا علينا. كلو هذا قتولو للسفير ايضا.”

رابط 1

عنكاوا كوم
21 / 10/ 2020


تنويه (nala4u) ; الموقع يتبنى التسمية الاشورية كقومية ,تاريخ ,لغة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.