البابا شنودة … كاريزما لن تتكرر.

مريم القمص
البابا شنودة … كاريزما لن تتكرر.

ربما لم يجمع الناس على شئ مثلما أجمعوا على مكانة البابا شنودة كبطريرك للمهام الصعبة،ومليونية تأبينه أدق دليل.. هذا الرجل الذى كان يحمل صفات مدهشة يلتمسها كل من أقترب منه ومن كان يترقبه عن كثب، أو كان يراقبه عن بعد.. وأهم ما كان يميز خصاله ،، فى عصر تلونت فيه الشخصيات ،، أنها نادرة وشديدة التعقيد فهذا الرجل الروحانى من الطراز الأول كان يخطف الوجدان بكلامه العذب عن رحمة الله و يشعرك برهبة تسرى القشعريره إلى جسدك عند ذكره عدله وقصاصه.. ويعزف على مسامعك بكلمات شعره شديدة البساطة شديدة العمق، متمكناً بقلمه كعازف قيثارة ماهر داخل قاعة صامته.. كان لدى فارس الكنيسة القبطية ومصر والعالم العربي قدرة هائلة على إقناعك..، فقط إنصت له جيدا وأجعل فكرك يخلو من أى إنتمائات تحزبيه ، فكان لديه قناعات دوماً ماكانت مصاحبة بالبراهين، لذا كان حريصاً على الإلتقاء بالمثقفين وبقادة الرائ لتبادل الأراء حول شئون مصر كرجل وطني يعشق بلاده والتاريخ يشهد بهذا ..كانت له بصيرة نافذة نحو المستقبل فالمراقب لتصريحاتة يعلم ما أقصده ،فمثلاً قال قبل إندلاع ثورة يناير (إن الجوع يخلق الثورات). هذا الرجل الذى كان يسبق كلماته نظره تضرع للسماء كى ينعم الله عليه بكلمات حكيمة كانت تخرج منه بميزان ذهب ..،وكثيراً ما كان يجمع البابا شنودة سمتين مختلفين فى آن واحد ، يتجلى ذلك فى حرصه الدؤوب لإظهار التسامح والإيمان المطلق بعدالة الله بعد كل حادثة طائفية فى مصر ، وفى ذات الوقت كان كالأسد الزائر أمام القيادات خلف الكواليس، وقد دفع ثمن شجاعتة أثمان غالية يُقدرها محبيه، فهو ما تم سجنه فى دير الأنبا بيشوى بتحديد إقامتة لأنه رفض حينها التطبيع مع أسرائيل، ويذكر له التاريخ رفضة الواضح لمشاريع القوانين التى كانت تُنشر فى الصحف المصرية للتعامل مع الأزمة الطائفية بجهل شديد آنذاك وقال عنها : أن تلك القوانين تفوح رائحة الدم من بنودها ونصوصها ، مما أدت تصريحاتة تلك إلى الصدام الشائك مع السادات ..وحينما أتى مبارك لم يختلف دور البابا كثيراً فى إمتصاص غضب أبناء شعبه تجاه الحوادث المتكرره، والذى كان بطلها الجماعات المتطرفة المعروفة لدى القيادات ولكنه لم يتخلي يوما عن دوره الصادق للدفاع عن حقوق الأقباط فى مصر وكان كثيراً مايُحسد على قدرته لجمعه أشلاء الأمور المتأزمه فى جو من تخاذل بعض السلطات، ومواجهتة لمساعى العديد من الجهات الأجنبية للتدخل فى شئون المصريين فى ذلك الوقت ،متخذين من تلك القضايا زريعة، فهو القائل : إذا كانت حياة مصر تساوى دم الأقباط فليكن. وربما كان هذا أبرز مايميز كاريزمتة وهو عمله الدائم كصمام آمان للحلول دون إندالاع الفرقة بين أبناء الشعب المصرى.. كان رجلا ذو أفق واسع وفكر مستنير إنعكس هذا على التوسع الأفقي والرأسي للكنيسة المصرية فى دول العالم فصير الكنائس سفارات وطنية مصرية..، ويحسب له السبق كأول بطريرك يزور مقر الفاتيكان منذ القرن الخامس الميلادى.
ومن الأمور الخفية عن الكثيرين أنه كان يختبئ خلف مظهره البراق المتوهج “والذى كان يفرضه منصبه كرئيس الكنيسة ،، رجلاً شديد التقشف وهو المنهج المتبع لدى رهبان البرارى حيث يجدون فى إخلاء الذات من الماديات علو وسمو فى تخاطبهم الروحانى مع الله ،،فالتجرد يسير طرديا مع تنقية الذات من المادة وتهيئتها للعلاقة مع الله. فكان البابا شنودة الثالث لا يطلب مالاً لشخصه ولم يكن يهتم لذاته فى شئ ،فكان يستبدل ملابس البطريرك المبهجه بأخرى رثة،يرتديها بعدما تنصرف الأضواء عنه ويعكس هذا كم كان رجلاً شديد التواضع ، لم تكن قوة شخصيتة ثؤثر كثيراً في رقته وخجله، فكان يتعامل مع المدح والذم كميت، لا يؤثر فيه شئ البتة ،لذا كان غير متحابي ومتسامح لأبعد الحدود.. وعندما تتحدث عن الحب فى شخصه الحانى فيكفى أن ترى ذلك فى عيونه التى تحتضنك، وفى نبرته عندما يبادلك الحديث وفى أفعاله التى تعكس دفء مشاعره الفياضة.. يوما قال:أطلب إليك يارب من أجل هذا الإنسان الذى حبك فى جوهرك فى معناك بعيداً عن أى خلاف لاهوتى ،قاصداً بكلماتة غاندى فكان هذا منهجه فى تعامله مع البشر وهو الحب المطلق لكل الناس دون إنتمائات، حتى فى المناوشات والتصادمات الفكرية مع بعض العقول التى تختلف معه داخل الكنيسة وخارجها، لم يكن يستخدم سلطتة البطريركية لمواجهتها، بل كان يحارب الفكر بالفكر ..
فقد كان معلماً وشاعراً كان أباً ومسئولاً وكان قائد مغوار وفارساً للفكر …كان كاريزما لن تتكرر .

الحوار المتمدن-العدد: 6684 – 2020 / 9 / 22 – 14:11

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.