رسالة مفتوحة الى سيادة الكاردينال لويس ساكو الاول بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية مع التحية وخالص الاحترام

ياقو بلو

بواسطةJan Janss
رسالة مفتوحة الى سيادة الكاردينال لويس ساكو الاول بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية مع التحية وخالص الاحترام
تحية طيبة،وبعد.

الافكار الواردة في المقالة هي نتاج نقاشات طويلة مع الاخوة سامي هاويل.سامي بلو.عصام المالح.عدنان شمعون.
اتمنى اني وفقت في صياغتها،كما اتمنى ان تصل الى صاحب الشأن.

29 / 07 / 2020
نالافوريو / عنكاوة كوم/ سامي هاويل (فيسبوك)

سيدي البطريرك.انتشر خلال الايام القليلة المنصرمة على مواقع التواصل الاجتماعي فلم فيدوي قصير تتحدثون فيه بأمتعاض شديد عن انتقاد البعض لكثرة استعمال اللغة العربية في مراسيم الذبيحة الالهية في كنائس طائفتكم الكلدانية الكاثوليكية.
سوف لن اتطرق هنا الى علاقة مفهوم اللغة بفهمي الشخصي للمسألة القومية التي قد نتفق،وقد نختلف عليها لاسباب ليس هنا مكان مناقشتها،ولن اتحدث عن مشاعري وانا اصغي الى سيادتكم وانتم تعلنون عن اقامة الذبيحة الالهية بـ “السورث” بلهجة تبدون فيها وكأنكم مضطرون الى ذلك لكثرة عدد منتقدينكم،وقدمتم رؤيتكم الشخصية للسورث وكأنه لغة غير صالحة للاستعمال لكثرة ما دخلها من المفردات الاجنبية التي افقدتها شخصيتها المستقلة وخصوصيتها.ـولهذا لا تجدون ما يمنع من اقامة مراسيم الذبيحة الالهية في كنائس طائفتكم بالعربية او اية لغة اجنبية اخرى بحسب الموقع الجغرافي،وهذا امر اقل ما يقال عنه انه مؤسف حقا.
سيادة البطريرك.لا يخفى على شخص متعلم تعليما عاليا مثل حضرتكم،إن مسألة دخول مفردات من لغات اجنبية الى لغتنا سواء المكتوبة او المحكية هو امر طبيعي جدا ويقره كل من يقر تأثر،وتأثير كل الشعوب المتجاورة ببعضها وعلى بعضها،ولغتنا نحن ابناء آشور وبابل لا تشذ عن هذه القاعدة الانسانية،خاصة وان اقواما كثيرة جدا مرت على هذه الارض عبر الحقب الزمنية الطويلة،الا ان هذا لم يشكل يوما خطرا على هوية لغتنا التي كانت وما تزال لغة رصينة صالحة لمجارات متطلبات العصر وانجازاته الهائلة في كل ميادين وفنون المعرفة لو حظت فقط بالقليل جدا من العناية التي يقترض ان يوليها اياها سيادتكم وبقية اخوتكم السادة اساقفة وكهنة جميع الكنائس وبالتعاون مع الدارسين لهذه اللغة والمختصين بعلومها وفنونها،خاصة والقاعدة الاخلاقية تقول:ان الحفاظ على الارث القومي الثقافي لاية جماعة بشرية هو مسؤولية النخبة وليس مسؤولية العامة،وسيادتكم كما اري شخصيا يفترض ان تكونوا على رأس نخبة النخبة.
لا اكتمك سيدي البطريرك كوني اصبت بخيبة ما بعدها خيبة وانا اصغي الى سيادتكم وانتم تعلنون امتعاضكم من اضطراركم الى اقامة الذبيحة الالهية بـ “السورث” لمجرد اسكات الذين صارت انتقاداتهم تثقل كاهلكم كما بدا لي،فلجأتم الى العمل كأنما وفق مبدأ “شر لا بد منه” وبما يوحي الى ان هذا السورث كما وصفتموه،لم يعد صالحا للاستعمال لكثرة ما دخله من المفردات الاجنبية.ترى لماذا وصل “السورث” الى هذه الحال البائسة التي تستحق الرثاء يا سيادة البطريرك،ومن المسؤول؟الا يمكن اعتبار ما قلتموه اقرارا بعجز حماية مدبري الكنائس للارث اللغوي للقوميات التي يدعون الانتساب اليها وخاصة سيادتكم بصفتكم تتبنون مشروعا قوميا لا تفوتون مناسبة دون ان تروجوا له بعلو صوتكم؟
انتم تعرفون سيدي البطريرك،وانا ايضا اعرف ان من تمثلونهم في مشروعكم القومي ليسوا دخلاء على هذه الارض،ولا احفاد الجنود الذين احتلوا هذه الارض بقوة السلاح في يوم من الايام،انما هم احفاد اولئك الذين عمروا هذه الارض،وجعلوها وطنا لهم دافعوا عنه بدمائهم ودموعهم وعرق جباههم،وكان لاؤلئك/لهؤلاء دائما لغة متمكنة تفي بكل احتياجات متطلبات حياتهم،ولكي تظل قدرة هذه اللغة على ما كانت عليه دائما،بات من الواجب الحتمي ان تكون مسؤولية حمايتها وتطويرها لتجاري العصر من اولى اولوياتكم بصفتكم اصحاب مشروع قومي،فالفهم التاريخي للمسألة القومية يوجب تحقيق شرط توافر عامل اللغة حتما كونها تشكل همزة الوصل الاولى والاهم بين الاباء والاجداد وبين الابناء بالاضافة الى انها علامة فارقة دالة في الثقافة العامة،والا ما هو القاسم المشترك الاهم الذي يجمع بين ابناء كنيستكم حين تعطونهم صفة قومية؟هل هو العقيدة المسيحانية وفق الرؤية الكاثوليكية؟لا اشك للحظة واحدة بأن جوابكم هو حتما بالنفي الجازم،فالفرنسي،والالماني والامريكي والصيني والهندي وغيرهم ملايين كثيرة جدا ايضا كاثوليك مثلكم.
يحضرني هنا سؤال عرضي بريء جدا اتمنى على سيادتكم الاجابة عليه لعلي اجد سببا ابرر به امتعاضكم من ان تكون لغة القداس كاملة السورث.السؤال هو: لماذا لا نجد مثل هذه المشكلة في الكنيسة الارمنية يشقيها الكاثوليكي والارثذوكسي في العراق وبقية دول الجوار؟ان عدد ابناء هذه الكنائس مجموعة الى بعضها لايتجاوز 10% من عدد ابناء الكنيسة التي حضرتكم على رأس مدبريها،ومنطق العلم والعقل يقول كما يعرف سيادتكم حتما:انه كلما قل عدد الجماعة البشرية في المحيط الذي تقيم فيه،كلما كان انصهارهم بالاكثرية اسرع.اجل يا سيادة البطريرك:لماذا القداس عند الارمن ليس فيه كلمة واحدة اجنبية؟اثق تماما ان وجود دولة بأسم ارمينيا ليس هو السبب،انما السبب هو اعتزاز الارمني بقوميته وتمسكه بلغته التي يتعلمها منذ صغره في الكنيسة عادة.اجل سيدي البطريرك،ان الانسان الارمني في العراق وبقية دول الجوار يتعلم لغته القومية تحت اشراف مدبري الكنيسة.
تعرفون سيادتكم يقينا،ويعرف كل من له الاطلاع – ولو- البسيط على التاريخ الانساني عند الشعوب التي تتبنى العقائد الايمانية المنسوبة الى السماء:ان رجل الدين/الكاهن هو الناطق الرسمي بأسم الجماعة الدينية/الايمانية الصغيرة التي تعيش مع جماعة دينية اخرى كبيرة،ومنذ البدايات الاولى لقبول الاباء والاجداد للعقيدة المسيحانية كان الكاهن هو المعلم والمربي والقاضي والحاكم بين الجماعة والممثل الرسمي لها في المحافل الرسمية،واستمر هذا الحال على ما كان عليه حتى هذه اللحظة(على الاقل بنظر السلطة الحاكمة)ولاعطي سيادتكم مثلا بسيطا جدا يقرب المسافة بيننا:لو شاء رئيس الوزراء ان يتخذ قرارا يخص المسيحيين العراقيين،ترى هل سيسترشد برأي اي من اعضاء البرلمان الذين يمثلون الكوتة المسيحية،ام سيلجأ الى سيادتكم والى بقية السادة الاساقفة رؤساء الكنائس الاخرى،بخصوص هذا القرار؟لكي تتوضح الصورة اكثر،دعنا نرجع يا سيادة البطريرك قليلا الى الوراء،ونستذكر مسألة مطالبة الاتراك بضم ولاية الموصل(كانت تضم يومذاك كل من:نينوى،اربيل،دهوك اليوم)بعد الحرب الكونية الاولى الى تركيا،فصار ان تقرر استفتاء شعب الولاية واعتماد نتائج الاستقتاء في تقرير مستقبل الولاية.لم يؤخذ رأي المسيحيين(بغض النظر عن انتماءاتهم الكنسية يومذاك)الذين كانوا يمثلون نسبة عالية ومؤثرة في صناعة القرار،انما اكتفى اصحاب المشروع بقرار سلفكم البطريرك يوسف عمانوئيل الذي اختار ان يبقى المسيحيون مع ما نسميه اليوم العراق.اذن يا سيادة البطريرك،كان الكاهن وما زال،يلعب دورا مهما جدا في صناعة الفهم الايماني والدنيوي للانسان الملتصق بالكنيسة خاصة،واستنادا الى فهمي المتواضع للمسؤولية الاخلاقية والقومية لمثل هكذا قائد،ارى ان عليه الجهاد من اجل الوفاء بالوعد الذي قطعه على نفسه يوم نذر نفسه لخدمة كلمة الله عن طريق خدمة الجماعة المؤمنة والحفاظ على ارثها الثقافي القومي الذي لا يتناقض والعقيدة الايمانية التي يتعبد بها كونها اصبحت علامة دالة على وحدة الجماعة الايمانية والقومية،وبعكسه سوف تكون دعوتكم القومية التي تتبنونها شخصيا من سنوات باطلة.
سيادة البطريرك.تطرقتم في حديثكم هامشيا الى موضوع صهر اللهجات المحكية بلهجة واحدة،وما اثار دهشتي هو انكم استشهدنم بتجربة محدودة لاحد السادة المطارنة.ان تعدد اللهجات في أية لغة محكية ظاهرة انسانية عامة لا تخلو منها اية لغة في العالم مطلقا كما اثق انكم تعرفون سيدي،ومشكلة اقتراب اللهجات من بعضها البعض لا يمكن معالجتها الا بالممارسة الاجتماعية اليومية،فالموضوع اساسا يعتمد على كمية استعمال الثقافة اللغوية للعاملين بكل حقول المعرفة الحياتية بلغة الام الاصلية واحتكاك هؤلاء العملة ببعضهم.اما الوسيلة المساعدة الاخرى المهمة جدا في تسريع انصهار اللهجات ببعضها فهي تعايش وتقارب الناطقين بالسورث الى بعضهم واضطرارهم الى استعمال المفردات الاصلية في لغة الام كوسيلة تفاهم تقربهم الى بعضهم اجتماعيا وقوميا وانسانيا.وهذا يعني:وجوب السعي المخلص الجاد لخلق مثل هكذا مناسبات،ولعل انجاح مشروع وحدة الكنائس الناطقة بالسورث هو الخطوة الاجدى والاهم والانفع.
سيادة البطريرك.حتى وقت قريب كانت العربية المحكية بكل لهجاتها في مدينة الموصل وما حواليها تختلف كثيرا عن العربية المحكية في البصرة وبقية مدن جنوب العراق،الا انه،وحين اتسعت مساحة الثقافة الشعبية وتوافرت فرص الاختلاط الاجتماعي وجدنا ان هذه اللهجات تفقد الكثير من خصوصياتها الفردية وتقترب من بعضها.اذن يا سيادة البطريرك سبب مشكلة دخول المفردات الاجنبية الى لغة السورث المحكية لا تتعلق بأختلاف اللهجات مطلقا،انما تتعلق بالواقع الثقافي والاجتماعي المزري الذي يعيشه المتكلمون بها تحت انظاركم انتم مدبرو الكنائس.انها مسؤوليتكم انتم،ولعل الصورة التي جسدتموها في هذا الفيديو،وعلى هذه الطريقة المثيرة للحزن والاسف والشفقة خير دليل على ما ادعيه.
سيادة البطريرك.ان لجوء جماعة بشرية ما لاستعارة مفردات لغة اجنبية في تعاملاتها الحياتية اليومية لان لغتها الام قاصرة عن التعبير ليس بالامر المعيب،انما المعيب هو ان تفعل هذه الجماعة ذلك وهي تمتلك موروثا لغويا صنع لغات العالم،والمعيب اكثر هو الا يكون من وكل اليه امر الحفاظ على هذا الموروث امينا على ما اوكل اليه وقبله طواعية بحر ارادته.
ختاما اقول:اتمنى الا يكون التعبير قد خان مقصدي في لفظة او عبارة في كل ما اوردته بدافع الغيرة على ارث آبائي واجدادي الذين علموا البشرية الكتابة والقراءة.

ياقو بلو

تنويه (nala4u); الموقع يتبنى التسمية الآشورية كقومية , تاريغ ولغة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.