واحد نيسان (آكيتو) عيد رأس السنة في حضارة بلاد ما بين النهرين

بقلم د. جميل حنا
واحد نيسان (آكيتو )عيد رأس السنة في حضارة بلاد ما بين النهرين

09 / 04 /2011
http://nala4u.com

واحد نيسان عيد الطبيعة المبتهجة بنور الشمس والحياة الجديدة .وعيد الإنسان المبتهج والمنسجم مع الطبيعة وتجدد دورة الحياة في مسار الفلك في حركة أزلية لا تنتهي . تعيد تكرار ذاتها في ألق وعطاء وازدهار, وتؤمن استمرار الحياة في الكون .يحتفل الغالبية الساحقة من شعوب العالم بقدوم الربيع وكل حسب عاداته وتقاليده الثقافية و التاريخية . وهذا التقليد الاحتفالي يعود إلى الأزمنة القديمة في مختلف الحضارات القديمة من الهنود الحمر في الأمريكيتين وفي الصين واليابان وفي الإمبراطورية الفارسية كانوا يحتفلون بعيد النيروز وكانت تقام طقوس ومهرجانات احتفالية بهذه المناسبة .
وفي الإمبراطورية الآشورية في واحد نيسان ( آكيتو ) كان سكان بلاد مابين النهرين يحتفلون بهذه المناسبة. الذي أعتبر بداية السنة الجديدة في بدء الربيع في الأول من نيسان, مع بداية تجدد الحياة في الطبيعة . وكان الاحتفال دينيا ووطنيا يبدأ به من واحد نيسان ولغاية أثنى عشر يوما.
حضارة بلاد الرافدين تركت أثرا كبيرا على كل الحضارات القديمة وهذا ما نراه من أساطير الإمبراطورية الآشورية . والتي نجد ظهورها فيما بعد بتأثير الثقافة الآشورية في ميثولوجيا الشعوب الأخرى كالآراميين والفينيقيين والإغريق حيث انتقلت كثير من هذه الأساطير مثل (ديموزي وعشتار ) إلى الشعوب المجاورة , فالإله( ديموزي ) في الميثولوجيا الآشورية يصبح فيما بعد لدى الإغريق أدونيس , وعند الآراميين (تموز)وكان أحدى آلهة اليهود حسب (حزقيال النبي 14: 8 )كذلك عشتار إلى عشتاروت لدى الفينيقيين و( أفروديت السموات ) عند الإغريق وملكة السموات عند اليهود(إرميا 7: 8 ,44 : 17, 19 , 25 ). كما تحولت إلهة الموت عند الآشوريين إلى (برسيفوني ) اليونانية . وكذلك انتقلت فكرة الاحتفال في الأول من نيسان بدءا من أول ليلة الاعتدال الربيعي إلى الشعوب الأخرى , في سوريا وفينيقيا واليهودية ( آستير 9 : 1 ) وبلاد فارس حيث احتفل به الزردشتيون منذ القرن السابع قبل الميلاد وكانوا يسمونه (نوـروز) أي اليوم الجديد .

وكما ذكر فأن الاحتفالات كانت تستمر لأثنى عشر يوما حسب طقوس معينة, كانت تعكس الواقع الثقافي والحضاري لأساطير بلاد ما بين النهرين. وظهر ذلك من خلال المكتشفات الأثرية وخاصة مكتبة آشور بانيبال التي تم كشفها بواسطة عالم الآثار الانكليزي (هنري لايارد ) ومساعده الآشوري من الموصل ( هرمز رسام ). وأثناء الحفريات تم العثور على الكثير من الملاحم ومنها ملحمة الخلق (إينوما إيليش) ,(عندما في العلى) ,مدونة بالأحرف المسمارية على سبعة ألواح وتحكي قصة خلق الكون والبشر خلال سبعة أجيال.وحيث نجد انعكاس فلسفة الأسطورة البابلية الآشورية في بلاد ما بين النهرين على العقائد الدينية السماوية . كما يؤكد على ذلك فكرة الخلق والتكوين في التوراة وجدلية التجسد الإلهي في الدين المسيحي .
وكما ذكر أعلاه فأن الاحتفالات كانت تستمر لمدة أثنى عشر يوما وفق طقوس معينة تقسم حسب التالي باختصار شديد.من اليوم الأول إلى الثالث تطهير النفوس وطلب الغفران , حيث يقوم كاهن الأيساغيلا ( بيت مردوخ ) مع بقية الكهنة والناس بتلاوة ترانيم حزينة تعبر عن خوف الإنسان من المجهول. في اليوم الرابع تستمر طقوس التعبد وفي المساء تتلى ملحمة الخلق (إينوما إايليش) تتكلم عن بدء الكون . في اليوم الخامس كان يوم خضوع ملك بابل أمام الإله مردوخ , وكان يجرد الملك من حلية وصولجانه وتاجه , ثم يصفع الملك ويركع ويطلب الغفران من الإله مردوخ وفي اليوم السادس حضور الألها الأخرى أو بالأحرى ما كان يرمز لها من تماثيل من نيبور وأوروك وكيش وأريدو إلى معبد مردوخ. في اليوم السابع تحربر الإله مردوخ من الأسر .في اليوم الثامن تجمع الألهه . في اليوم التاسع يسير موكب النصر إلى( بيت آكيتي) الذي يحتفل به بانتصار مردوخ في بدء الخليقة على التنين تيامات آلهة المياه السفلى . في اليوم العاشر احتفال مردوخ مع آلهة العالمين السفلي والعلوي والاحتفال في المدينة . في اليوم الحادي عشر تعود الآلهة برفقة سيدها مردوخ_آشور لتجتمع في بيت الأقدار.وفي اليوم الثاني عشر تعود الآلهة إلى معبد سيدها مردوخ وتعاد تماثيل الآلهة إلى المعبد وتعود الحياة اليومية إلى بابل ونينوى وباقي المدن في الإمبراطورية الآشورية إلى وضعها الطبيعي .

فليكن واحد نيسان يوم إنعتاق شعوب بلاد ما بين النهرين بكل انتماءاتهم الدينية والقومية من الظلم والاضطهاد, وبناء مجتمع ديمقراطي علماني يحقق المساواة بين كافة أبناءة .أن الشعلة الحضارية والثقافية والتاريخية والاجتماعية والمدنية والفلسفية التي أبدعها أبناء الإمبراطورية الآشورية لا تستطيع القوى الإرهابية وكل قوى الشر إطفاء نور شعلة نيسان . لأن نور الشمس وجبروته لا يمكن إخماده أو إخفاءه.حقيقة الأول من نيسان كحقيقة نور الشمس. لا يمكن لأي ظلم وطغيان أن يطفئه, بالرغم من سيل أنهار الدماء التي سفكت من جسد أبناء هذه الأمة حفاظا على وجودها القومي والديني. كما كان آخرها دم الشهيد يوسف عادل عبودي كاهن كنيسة السريان الأرثوذكس في بغداد . والشهيد الأول الذي سقط في اليوم الخامس من احتفالات الأول من نيسان عام 6758 آشورية 2008 ميلادية .فلتكن دم الشهيد وكل الشهداء التي أزهقت أرواحهم على مذبح الحرية نبراسا لانبعاث شعوب بلاد ما بين النهرين ومنها الشعب الآشوري من وضعها المأساوي نحو حياة جديدة مليئة بإشراق شمس نيسان .

د. جميل حنا

تنويه (نالافوريو): لأهمية هذه المادة..لذا اعيد نشرها مع التقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.