الحقوق القومية المسلوبة بفعل السياسة وتأثير المشاعر

بقلم د. جميل حنا
الحقوق القومية المسلوبة بفعل السياسة وتأثير المشاعر

01 / 09 / 2010
http://nala4u.com

السياسة بدعة الفكر لدى الإنسان للوصول إلى الأهداف المعلنة وغير المعلنة ,وهي أداة يسعى الإنسان بواسطته تحقيق أهداف نبيلة أو شريرة للتحايل على ألآخرين . كل شيء مباح في السياسة ,ولا توجد معايير أخلاقية في الفكر والممارسة السياسية من أجل الوصول إلى المبتغى المنشود وهذا لا ينطبق على الكل بالتأكيد وإنما على الكثير من الدول والقوى العالمية والمحلية والأفراد .ولم يعد للسياسة وجه محدد واضح يعرف مساره, ليحكم من خلالها على من يمارسها بشكل قاطع وواضح المعالم , لأنها تتبدل باستمرار وبسرعة في عصرنا هذا. ويلاحظ هذا من التداخل والتقاطع في المواقف السياسية بين دول مختلفة في العالم منها من تتبنى الإيديولوجية الرأسمالية الامبريالية و الصهيونية ومنها من تتبنى الشيوعية وبين قوى يسارية وديمقراطية وليبرالية واشتراكية وقومية شوفينية ودينية … .حيث تلتقي هذه الاتجاهات السياسية المعادية لبعضها البعض إيديولوجيا في مواقف وقضايا سياسية معينة متفق عليها من الجميع .

يقال بأن( السياسة هي فن الممكن) وهي أداة لإدارة شؤون الكون وتنظيم العلاقات بين الدول وبين مختلف القوى المكونة للمجتمعات الإنسانية , والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد, هل هذا الفن الممكن يلتزم فكرا وممارسة بالمنطق الأخلاقي للقيم الإنسانية .وهل العقل السياسي تحرر من قيود الموروث الثقافي والديني والقومي المتعصب . ما هو المنطقي واللامنطقي في الممارسة السياسية . ما هو دور وتأثير المشاعر في الفكر والممارسة السياسية .ما هي الحدود الفاصلة بين الفعل السياسي النبيل والجريمة السياسية أم أصبحت السياسة والجرائم السياسية تمثل فكرة واحدة في عالمنا الحالي .بسبب الانتهاكات البشعة التي ترتكب ضد الشعوب المضطهدة تحت ذريعة المصالح السياسية . وإن الدول التي تبني سياساتها على أساس المصالح الوطنية والقومية وخاصة الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تفرض هيمنتها على العالم بالقوة لتحقيق مصالحها الاقتصادية وإركاع العالم لأردتها وإحكام السيطرة بأساليبها السياسية المختلفة حسب الزمان والمكان والظروف , بل هي تخلق الظروف الملائمة لتتدخل في كل بقعة من بقاع العالم .وتحت ذرائع كثيرة منها الإرهاب وحماية بعض الشعوب من الإبادة العرقية وإقامة مناطق أمنية تحت حمايتها وإسقاط أنظمة معينة وكل ذلك من أجل تحقيق مصالحها الاستعمارية.

وإذا كانت هذه سياسة الدولة الإمبريالية الأولى في العالم , فهل يندرج هذا الموقف على أنظمة سياسية أخرى وعلى الأحزاب الشيوعية واليسارية وتحديدا في البلدان العربية وما هي مصالحها السياسية التي تتبعها بحسب الإيديولوجية التي تتبناها بالدفاع عن مصالح الشعوب المضطهدة والعمال والفلاحين والكادحين والمساواة بين كافة الشعوب بدون تمييز ديني قومي … .وهنا يطرح نفسه سؤال مشروع كيف يلتقي موقف الدولة الإمبريالية الأولى في العالم والدولة الصهيونية مع مواقف الأحزاب الشيوعية واليسارية في دعم قضية قومية لشعب ما دون سواه من الشعوب في العراق تحديدا . إن الإجابة على تساؤلاتي البسيطة هذه يحتاج إلى الالتزام الصادق والأمين بالمبادئ الماركسية اللينينية واليسارية وكافة القيم الإنسانية . وفي هذه الكتابة سأتطرق إلى فكرة واحد فقط وهو دور المشاعر في تحديد المواقف السياسية للإنسان التي تم نشر بعضا من الفكرة في مواقع الكترونية عديدة .

الإنسان يواجه ذاته الموروث من حالة اللاوعي المكتسب من الموروث الثقافي الديني العائلي من أجل تحقيق الذات الواعية المطلوبة لتنسجم مع روح القيم الإنسانية والعيش المشترك في عالم يسوده الأمن و السلام خال من الحروب والاضطهاد والفقر.والإنسان في البلدان العربية بغض النظر عن الانتماء الديني والقومي والإيديولوجي له اقل الشعوب تحررا من الموروث الثقافي الديني العائلي مع السعي الدءوب من قبل فئات واسعة في المجتمعات العربية لتحقيق الذات المنطقية .وهكذا
يعيش الإنسان بين نقيضين مختلفين في التفكير والممارسة المبنية على أساس المشاعر التي يملكها بالفطرة أو تتولد لدية في المراحل اللاحقة من الحياة في العائلة والمجتمع .وبين النقيض الأخر المبني على المنطق, الذي يتكون لدى الإنسان باكتساب الخبرة الحياتية في الواقع العملي , والمعارف العلمية واعتناق مبادئ سياسية معينة وامتلاك القدرة على التحليل الواقعي لكافة أمور الحياة بميدانه الواسع . وكلا الحالتين يتأثران بجملة من العوامل والمؤثرات الرئيسية والثانوية , ومعقدة في ذات الوقت لصعوبة الفصل بينهما وخاصة عند اتخاذ قرارات مصيرية أثناء التحولات التاريخية الهامة سواء في حياة الأفراد أو الشعوب.وفي كل الأحوال هذان المنطقان يحددان مسار سلوكية الإنسان في التفكير النظري والعملي في الحياة .

ولأجراء أي مقارنة فكرية وعملية على واقع بلدان الشرق الأوسط وشعوبها , يتبين لنا وبكل وضوح سيطرة الحالة العاطفية النابعة من صميم المشاعر الدينية والمذهبية والقومية على الآراء الشخصية , والتي على أساسها يحسم الناس مواقفهم من مختلف القضايا . ولذا نجد في مرحلة التغيير الجذري الذي يمر به العراق بعد الاحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان عام2003 , الانقسام الحاد المرتكز على المشاعر الفئوية , مما يؤدي إلى تناحر دموي يومي بين مختلف أطياف مكونات المجتمع العراقي بانتماءاتها الدينية والمذهبية والأثينية . وهذا التناحر أدى إلى مزيد من التدخل الخارجي والتطاول داخليا على سيادة وحدة الوطن لإضعاف كيان الدولة لتحقيق مكاسب فئوية على حساب حقوق الآخرين . في هذه المرحلة الصعبة والحرجة وفي ظروف التحول السياسي الكلي , تتخذ السياسات و الاستراتجيات المختلفة وفقا لموازين القوى المتصارعة لتفرض نظرتها حول بناء دولة المستقبل وفق مفاهيمها الفئوية الضيقة .
والصراع الدائر بين مختلف القوى, لأخذ الأدوار الرئيسية, والسيطرة على البلد وقيادته حسب أهوائها الفئوية , منقادة بتأثير عواطفها الذاتية , متنكرة ومعادية لطموحات الآخرين . والقوى الأكثر تشبث بمواقفها , تلك المنصاعة لإرادة منطق المشاعر الفئوية التي تملك ميليشيات مسلحة تزرع الرعب والإرهاب بين المواطنين , والتي تسيطر على السلطة التشريعية والتنفيذية وخيرات الوطن . وكل المواقف السياسية المتخذة على مسرح الحياة السياسية , تلعب المشاعر الذاتية الدينية والقومية والمذهبية الدور الرئيسي الوحيد المؤثر في وعي أو اللاوعي للإنسان وسلوكياته في هذا البلد . وانطلاقا من هذه الحالة اللامنطقية أو الهستيريا , نشاهد قوة الدفع السلبي لهذه القوى حيث تجلب الكثير من الويلات والكوارث على البلد وشعوبه وعلى وحدة كيان الوطن.

وفي هذه المحاولات البائسة الرجعية والدينية والقومية المتعصبة والسياسية تمارس أبشع الجرائم العنصرية للقضاء على كيان الشعب الآشوري وإلغاء الهوية القومية للآشوريين كشعب أصيل تمتد جذوره في أرضة التاريخية إلى سبعة ألاف عام وذلك بالاستيلاء على مزيد من أراضيه وممارسة الإرهاب والقتل والخوف والاضطهاد الديني والقومي و أجبارة على ترك الوطن . ضاربين عرض الحائط مبادئ العيش المشترك , وكل القوانين والأعراف الدولية . وكذلك تستمر محاولات القضاء على الشعوب الأقل عددا مثل اليزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم وصهرهم في بوتقة القوميتين الأكثر عددا وهم العرب والأكراد .
وفي ظل هذه الظروف المأساوية نلاحظ تراجع قوي لدور الموضوعية والممارسة الفعلية المرتكزة على الوعي والتفاهم المنطقي , وعلى أساس المصلحة الوطنية والاحترام الكامل للأخر وقيمة الثقافية وخصائصه القومية ومبادئ الأخوة والمساواة والعيش المشترك على أرض الوطن بسلام حقيقي ,ولكي يشعر المواطن في أي جزء كان من الوطن بالأمان التام .وقد أنحسره أهمية هذه القيم الإنسانية إلى ادوار ثانوية إمام الهجمة الشرسة للمشاعر المليئة بالأحقاد تجاه الآخرين ولا تلعب السياسة في هذه الحالة سوى الدور المنظم لفرض الرغبات العاطفية التي يحملها هؤلاء المتصارعين , لمنحها شئ من المشروعية بفرض قوانين ودستور وانتخابات لا شرعية لا تخدم سوى مصالح صانعيها ودولة الاحتلال.

التغيير الجذري الذي حصل في العراق منذ سقوط النظام الدكتاتوري , والأوضاع المأساوية التي يعاني منة الغالبية الساحقة من أبناء الوطن , وما تم خلال هذه الفترة من إقرار قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت والدستور الدائم والانتخابات ا لبرلمانية وتشكيل الحكومة المركزية وفي الشمال وكذلك ما تشهده الساحة اللبنانية منذ سنوات من صراعات بين مختلف الفئات من أجل تحقيق السيادة والاستقلال والحرية وعدم التوافق على انتخاب رئيس للجمهورية. كل هذا يقدم لنا صورة أكثر وضوحا حول تأثير المشاعر التعصبية على تهديد الأمن الوطني والوحدة الاجتماعية . ويؤكد تفريط النخبة الفئوية بالمصالح العليا للوطن , وفرض إرادتها على أتباعها باستخدام الورقة العاطفية . هذه اللعبة القديمة الجديدة يوضح حالة التردي الفكري لواقع ا لنخب الفئوية وانجرارها وراء العاطفة الذاتية . وهذا يظهر حالة التناقض الكبير في المجتمع بين سلوكيتين مختلفتين كليا ,وهما السلوكية القائمة على المشاعر النابعة من العقيدة الدينية والطائفية والمذهبية والتعصب القومي , وبين من يحددون مواقفهم بموضوعية على أسس المنطق العلمي والتحليل الواقعي لأوضاع المجتمع وتاريخه وتنوعه الثقافي والقومي والديني والمذهبي , لكي يضمن وفق هذا المنطق تأمين الحقوق والمساواة لكافة مكونات المجتمع , ولبناء وحدة وطنية سليمة , وإلغاء سيطرة الشعوب الأكثر عددا على أبناء الوطن الأقل عددا وصهرهم في بوتقتهم بوسائل العنف السلطوي , والعمل على حل كافة الميلشيات الفئوية المؤسسة على أسس قومية ودينية ومذهبية التي تزرع القتل و الرعب في المجتمع , وتأمين مشاركة الجميع في المؤسسات التشريعية والتنفيذية وكافة مؤسسات الدولة بدون تمييز عنصري دينيا وقوميا وسن دساتير علمانية .

لا نستطيع التنبؤ إلى متى يمكن أن تستمر هذه الحالة العاطفية التي على أساسها تتصرف غالبية الناس التي ترسخها النخب السياسية في عقولها لفرض هيمنتها للمحافظة على مصالحها السلطوية والاقتصادية والسياسية. ولكن باستطاعتنا القول بأن هذه الحالة اللاسليمة أو اللامنطقية لا بد إن يصطدم بالواقع الاجتماعي والسياسي في مراحل قادمة, عندما يصحوا الناس من غفوة المشاعر العميقة ليكتشفوا بأن هناك تناقض سياسي واقتصادي واجتماعي وطبقي بينهم وبين النخبة التي تتسلط على رقابهم بقوة العاطفة التي تبثها وتزرعها في عقولهم . ومن ثم تبدأ عمليات اصطفاف جديدة في المجتمع على أسس أكثر عقلانية وموضوعية لتحديد مواقفها من القضايا المصيرية الوطنية والحياة السياسية والاجتماعية والعيش المشترك وقيادة الدولة على أساس الكفاءات ، وليس حسب الانتماء الديني أو المذهبي أو القومي , والولاء الشخصي . ولكن إلى أن يتحقق ذلك سيخسر الوطن الكثير من قيمة , وإعادة بناء الحياة على أسس موضوعية وسليمة سيحتاج إلى جهود جبارة من كافة المخلصين بدون استثناء.
وفي ظل هذا الواقع المرير يدفع الناس العاديين الأبرياء من أبناء الوطن بدون استثناء التضحيات الجسيمة.ولكن نظرة موضوعية إلى الواقع الذي يمر بة العراق منذ أن وقع في قبضة الاحتلال الأمريكي ,يرى بأن الشعب الآشوري بكافة تسمياته الطائفية من أبناء الكنيسة الكلدانية,و الكنيسة السريانية الأرثوذكسية, والكنيسة المشرقية أكثر القوميات التي تعرضت إلى حملة إبادة عرقية منظمة على يد القوى الإرهابية وحكومة الإتيلاف الرجعية الشيعية الكردية المتحالفة مع الامبريالية والصهيونية .ومنذ سقوط النظام الديكتاتوري في العراق أصبح نصف الشعب الآشوري خارج وطنه التاريخي ليس فقط بسبب العمليات الإرهابية التي يتعرض لها وإنما أيضا بسبب سياسة التمييز العنصري التي تمارسها الحكومة العراقية بموافقة دولة الاحتلال أو على الأقل الصمت حيال هذه الجرائم , ونكران حقوقه القومية المشروعة وإلغاء وجودة الحضاري الثقافي دستوريا. وكذلك نكران الدور النضالي والتضحيات الجسيمة والشهداء التي قدمها منذ تأسيس دولة العراق في عام 1921 ودورة الشجاع في المعارضة العراقية من أجل إسقاط النظام الديكتاتوري .

الوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب العراقي عامة وخاصة الشعب الآشوري وبقية الشعوب الأقل عددا في ظل هذه الظروف الصعبة والمصيرية التي يمر بها العراق , يتطلب موقف واضح وجريء من قوى وشخصيات اليسار والأحزاب الشيوعية في العالم وخاصة في البلدان العربية من قضية الحقوق القومية للشعب الآشوري وإقامة إقليم آشور لهذا الشعب على جزء بسيط من أرضة التاريخية في شمال العراق ضمن الاتحاد الفدرالي الموحد لدولة العراق .
والإعلان عن التضامن الحقيقي مع الحقوق القومية المشروعة للشعب الآشوري لأن مؤسسي الفكر اليساري والشيوعي
أقروا بحق تقرير المصير لكافة الشعوب بدون استثناء لأنهم كانوا منطقيين ومتحررين من عبودية المشاعر الدينية والمذهبية والقومية الشوفينية . وإن المسعى الصهيوني والامبريالي لإنهاء الوجود القومي والديني للشعب الآشوري من منطلق المصالح الإستراتيجية والمشاعر الدينية والتاريخية المتعلقة بقصص التوراة , فأن مصلحة اليسار والشيوعية وكل الشرفاء في العالم اتخاذ موقف مناقض لهذه المواقف العنصرية . وبذل كافة الجهود بدعم وتأييد والتضامن مع هذا الشعب المضطهد انطلاقا من المبادئ والقيم الإنسانية التي يؤمنون بها , وهذا ما يتطلبه المنطق الإنساني .

د. جميل حنا

تنويه (nala4u); لاهمية المقال..لذا تم اعادة نشره مع التقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.