مآلات توحيد الأعياد

بقلم/ سلوان ساكو
مآلات توحيد الأعياد

يمرُ هذا العيد إيضاً دون توحيد للأعياد، ولا يوجد ما يبُشر بالأفق للأحتفال بعيد واحد في المستقبل. ولا هنالك أمل على ذلك في المنظورين البعيد والقريب في وحدة من آيَّ نوع كانت، مع كل ما يبذله رجال الدين والعلمانيين على حد سواء من جهود في سبيل تحقيق هذا المُبتغى. ففي كل عام نسمع مَن النَّاس مطالب مفادها لماذا لا يتوحد عيد الميلاد مع باقي الطوائف، ويمر العيد ولا تغَيّر يحصل تحت الشمس، ويحل عيد الفصح والقيامة من بعده ونسمع صرخات من هنُا وهناك، إلى متى نظل منقسمين ؟، كم مرة صلب وقام المسيح من بين الأموات؟ ومن هو الصحيح؟ وعند من تكون الحقيقية؟، وَاذَا صادف أن كانت جمعة الالام غائمة وممُطرة فنقول هذه هي الجمعة الحقة والصحيحة والباقي على خطأ. نداءات وطلبات وصلوات ورجاءات وتضرعات، ولكن مع كل هذا نظل منقسمين على الجسد الواحد، والكل يُزعم أنه يملك الحقيقة المطلقة والغير هو الخطأ، وهنا حجر الزاوية أو بيت القصيد كما يقولون، حيث لا تنازل بين الطوائف والمذاهب. ولكن قبل الحكم على هذا أو ذاك والتحدث بتهكم دون مُبرر، دعونا نقرأ القضية بموضوعية أعمق. طبعاً وكما هو متعارف عليه هناك تقويمين، يأُخذ بهم، واحد يولياني وآخر غريغوري؛ اليولياني يعود للأمبراطور يوليوس قصير وضعه عام 48 قبل الميلاد على يد الفلكي الاسكندري سيوسجينس وطلب منه أ يضع نظاما ثابتا للتقويم، ويعتمد هذا التقويم على دواران الارض حول الشمس، والوحدات الزمنية في هذا التقويم هي اليوم الشمسي، الشهر ، السنة الفصلية. والسنة الفصلية تساوي 365.2422 يوماً. ولكي يتم تفادي الكسر في هذه السنة فقد جعلت السنة 365 يوماً لثلاث سنوات متتالية (سنة بسيطة) بحيث تجمع الكسور في السنة الرابعة لتصبح 366 يوماً (سنة كبيسة) أي السنة التي تقبل القسمة على 4 بدون باق. يضاف اليوم الزائد في السنة الكبيسة إلى شهر فبراير ليصبح 29 يوماً. بهذه الطريقة أصبح متوسط طول السنة اليوليانية يساوي 365.25 يوماً وهذا يعني أن السنة اليوليانية تزيد عن السنة الحقيقة بمقدار 0.0078 يوماً = 11 دقيقة و 14 ثانية أي يوم كامل كل 128 سنة. وهذا يعني أيضاً أن التاريخ طبقاً للتقويم اليولياني سيكون متأخراً قليلاً عن التاريخ الحقيقي. وعدد الشهور حسب هذا التقويم 12 شهراً ثابتة في أطوالها ماعدا الشهر الثاني. والتقويم الثاني أي التقويم الغريغوري يعود إلى البابا غريغوريوس الثالث عشر الذي قام بإجراء تعديلات على التقويم اليولياني حيث لاحظ في سنة 1582 أن الاعتدال الربيعي وقع في يوم 11 مارس أي أن هناك خطأ قدره (10) أيام وقع ما بين سنتين 325 إلى 1582 وهذا الفرق ناتج في أن السنة الشمسية ليست 365 يوما وربع (6 ساعات) بل أنها 365 يوما و (5) ساعات و 48 دقيقة و 46 ثانية فالخطأ يبلغ يوما واحدا في كل 128 سنة.
و لتصحيح هذا الفرق فقد اعتبر يوم الجمعة (5) أكتوبر سنة 1582 ميلادية اليوم الخامس عشر منه ولئلا يتكرر الخطأ وبقاعدة ابسط فقد جعل التصحيح 3 أيام في كل 4 قرون.
وعلى هذا فالسنون الكبيسة هي التي تقبل القسمة على 4 ما عدا السنين القرنية فلا تكون كبيسة ألا إذا انقسمت على 400 فالسنون 1980، 1984، 1988 تعتبر كبيسة في التقويم اليولياني والغريغوري أما السنون 1500، 1700، 1900 فأنها تعتبر كبيسة في التقويم اليولياني لكنها بسيطة في التقويم الغريغوري، الذي استعمل أولاً في روما ثم في فرنسا وأسبانيا والبرتغال أما إنجلترا فاتبعته سنة 1752، واليابان سنة 1872، واليونان و رومانيا سنة 1923، ولا تزال بعض الأمم لم تستعمله حتى الآن، بالرغم من ضآلة الفرق بين السنة اليوليانية والسنة الحقيقية إلا أن عملية تراكم الخطأ مع مرور السنوات كانت واضحة ولا يمكن أن تتماشى مع الواقع. والفعل في 5/10/1582 م أي بعد مرور حوالي 16 قرناً من بدء التاريخ اليولياني لوحظ أنه تأخر عن التاريخ الحقيقي بمقدار 10 أيام، الأمر الذي أدى إلى لزوم ضبطه حيث أضيف هذا الفرق ليصبح التاريخ الجديد مساوياً 15/10/1582م وهو التاريخ المفترض أن يكون. انتهى (بتصرف عن الكنيسة المسيحية الإلكترونية). هذا في ما يخص الفروقات في التواريخ وتاريخ التقاويم بنظرة سريعة عليه، ولكن هناك أمراً أهم من هذا العرض، وهو اختلاف جوهري في العقائد والمذاهب المسيحية، والتي سببت في هذا الاختلاف والجدل وبالتالي إلى تغير في الطقوس والأعياد والليتورجيا ككل؛ والعقيدة هي الإيمان الجازم الذي ينعقدُ عليه قلبُ المرء، ويتّخذ منه مذهبًا ودينًا له، ومن هنا يُمكن التفريق بين العقائد، فعندما يُقال بأنّ هذه العقيدة صحيحة؛ لوجود الحجّة والبُرهان بصحَّتها؛ بحيث لا يتطرَّق إليه الشكُّ فيه، فهي حُكم الذهن الجازم أو ما ينعَقِدُ عليه الضمير، أو الإيمان الجازم الذي يترتَّب عليه القَصد والقول والعمل بمُقتَضاه. وهناك الأقنوم وكلمة أقنوم Hypostasis باليونانية هى هيبوستاسيس، وهي مكونة من مقطعين: هيبو وهي تعنى تحت، وستاسيس وتعنى قائم أو واقف، وبهذا فإن كلمة هيبوستاسيس تعنى تحت القائم ولاهوتيا معناها ما يقوم عليه الجوهر أو ما يقوم فيه الجوهر أو الطبيعة. والأقنوم هو كائن حقيقي له شخصيته الخاصة به، وله إرادة، ولكنه واحد في الجوهر والطبيعة مع الأقنومين الآخرين بغير انفصال، وهنالك المذهب هو الطريق والسبيل، وفي الاصطلاح هو مذهب العالم سواءً كان في العقيدة أو في الدين أو في أصول اللاهوت أو في الأيدلوجيات السياسية أو غيرها. وهذا تعريف بسيط نعرج به إلى اهم المصطلحات التي يوجد عليها لغط كبير.
في سنة 451م انعقد المجمع المسكوني (والمسكونية مَجْمَعٌ مَسِيحِيٌّ يَنْزَعُ إِلَى تَوْحِيدِ جَمِيعِ الكَنَائِسِ )، الرابع في خلقدونية والتي تقع شمال شرق البسفور في الشاطئ المقابل لمدينة اسطنبول في تركيا اليوم، ويُعتبر من أهمّ المجامع، إذ نجم عن هذا المجمع انشقاقٌ أدّى إلى ابتعاد الكنائس الشرقيّة ( القبطيّة والأرمنيّة والسريانيّة) عن الشراكة مع الكنيستين الرومانيّة والبيزنطيّة. وقبل خلقدونية كان هناك مجمع مهم وخطير هو مجمع افسس الأول عام 431 وظهور نسطور بطريرك على القسطنطينية من العام 428، وتحريم المبدأ النسطوري، القائل بأن يسوع المسيح مكون من جوهرين يعبر عنهما بالطبيعتين وهما : جوهر إلهي وهو الكلمة، وجوهر إنساني أو بشري وهو يسوع وعلى هذا فالسيدة العذراء لم تلد الله الكلمة الأزلي وإنما ولدت يسوع الإنساني ولهذا فإننا يجب أن ندعوها أم يسوع “الجسداني” وليس أم الله؛ كل هذا وغيره ألقى بظلاله الثقيلة على المؤمنين البسطاء من الشعب والذي كان بعيدا كل البعد عن هذه الصراعات اللاهوتية المعقدة. وحيث وجدت النسطورية أرضا خصبة بين مشارقة السُريان القاطنين على حدود الإمبراطورية البيزنطية والفارسية، كان ذلك عاملا مساعدا على تحقيق الانشقاق بين أبناء الكنيسة الواحدة وكرس على تمزيق الصف الواحد.
في أعقاب المصالحة اللاهوتية بين كيرلّس الإسكندري ويوحنا الأنطاكي، ورفضها عدد من المطارنة وتقربوا بطريقة أوثق من الكنيسة في إيران، التي كانت قد اعتمدت رسميا النسطورية في سينودس سلوقية المنعقد سنة 486، وفي سنة 489 طرد الإمبراطور زينون النساطرة من الرها فهاجروا إلى فارس، ومنذ ذلك الحين انفصلت الكنيسة النسطورية عن الكنيسة البيزنطية التي كان مقرها الأساسي في القسطنطينية. اتحد السواد الأعظم من النساطرة بالكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر، وعرفوا بالكلدان. والكلدان اسم عرقي قديم أطلقته روما على الطائفة المتحدة معها. بينما سمّي النساطرة غير المتحدين بروما بالأرثوذكس أو الآشوريين.
من هنا نرى صعوبة الوحدة لأنها مرتبطة بسياقات تاريخية تعود إلى فجر المسيحية ومن القرون الأولى لها، مع الأخذ بنظر الاعتبار الخط السياسي والمناخ العام في تلك الحقبة من عمر الدينة، وتداخل المصالح التي فرضت اجندتها.
الرهان اليوم هو، هل نقدر أن نعبرّ كل هذا التراكم التاريخي والتشرنق الوهمي، ونكسر الأقفاص الضيقة التي وجدنا أنفسنا محشورين بداخلها، كما نكسر قشر البيضة الملونة في أول إيام عيد القيامة، ونخرج لنعلن أننا شعب مسيحي واحد ومسيح واحد وميلاد واحد وقيامة واحِدَة، وتلك تكون فرحة الشعب التي تطمح بشوق ورغبة جامحة لهذه الوحدة الموعودة.

المصادر :-
الكنيسة المسيحية الإلكترونية
مجلة السريان
موقع الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي
تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
كتاب مدخل في علم الآبائيات: الباترولوجي – القمص أثناسيوس فهمي جورج
كتاب معجم المصطلحات الكنسية – الجزء الأول

عنكاوا كوم
07/04/2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.