متى يؤدي الحليب إلى الإصابة بأمراض القلب؟

هل يؤدي الإفراط في تناول الحليب إلى الإصابة بأمراض القلب؟

نالافوريو / بي بي سي
27 / 11 / 2019

تبلغ كمية الكالسيوم التي يوصى الأطفال بتناولها يوميا 350 ملليغراما، ويمكنهم الحصول عليها في صورة حليب

يلعب الحليب دورا محوريا في حياة جميع الثدييات منذ لحظة الولادة، لكن البعض يقولون إن شرب حليب الأنواع الأخرى من الثدييات ليس ضروريا ولا طبيعيا ولا صحيا.

تربط البشر بالحليب علاقة فريدة من نوعها. ولا تشرب معظم الثدييات حليب الثدييات الأخرى، ولا تشرب الحليب بعد الفطام بمجرد أن تبدأ في تناول الأطعمة الصلبة.

ولم يتمكن البشر من هضم اللاكتوز إلا منذ نحو 10 آلاف سنة، ولهذا تواصل أجسام 30 في المئة من سكان العالم إفراز إنزيم اللاكتيز، المسؤول عن هضم اللاكتوز، في مرحلة البلوغ. أما سائر سكان العالم فتنخفض قدرة أجسامهم على إفرازه بعد الفطام.

وهذا يعني أن معظم سكان العالم يعانون من حساسية اللاكتوز، أو عدم القدرة على تحمل اللاكتوز، أو سكر الحليب. ويحاول الكثيرون في شمال أوروبا تقليل استهلاكهم للحليب حرصا على البيئة والصحة، وهو ما أدى إلى زيادة الإقبال على بدائل الحليب البقري.

لكن هل هناك فوائد صحية حقيقية لبدائل الحليب، وهل يمدّنا حليب الأبقار بالعناصر الغذائية الضرورية التي لا يمكن الحصول عليها من مصادر أخرى؟ وهل يفاقم الحليب بالفعل أعراض حساسية اللاكتوز؟

يعد حليب الأبقار مصدرا جيدا للبروتين والكالسيوم وفيتامين ب 12 والأيودين، كما يحتوي على المغنيسيوم الذي يلعب دورا مهما في نمو العظام وتحسين أداء العضلات، وكذلك مصل اللبن وبروتين الكازين، اللذين يسهمان في تخفيض ضغط الدم.

وتوصي هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية بأن يتناول الأطفال من سن عام إلى ثلاثة أعوام 350 ملليغراما من الحليب يوميا، لبناء عظام قوية. لكن نتائج الأبحاث لا تزال متضاربة عن مدى أهمية حليب الأبقار لصحة عظام البالغين.

خلصت دراسة إلى أن النساء اللائي يشربن ما يزيد على 200 ملليلتر من الحليب يوميا أكثر عرضة للإصابة بالكسور

ومع أن الكالسيوم ضروري لصحة العظام، إلا أنه لا توجد أدلة واضحة تثبت أن استهلاك الأطعمة الغنية بالكالسيوم يقي من الكسور. إذ خلصت دراسات إلى أن شرب الحليب لا يقلل مخاطر الكسور، بل على العكس أشارت دراسات أخرى إلى أن الحليب يزيد مخاطر الكسور.

وخلصت دراسة في السويد إلى أن النساء اللائي يشربن كميات تتجاوز 200 ملليلتر من الحليب يوميا أكثر عرضة للإصابة بالكسور.

لكن إيان غيفنز، خبير في السلسلة الغذائية بجامعة ريدينغ، يقول إن الكالسيوم يلعب دورا مهما في تقوية العظام في مرحلة البلوغ.

ويقول غيفنز إن نمو العظام بشكل غير صحي وسليم في سنوات المراهقة قد يزيد مخاطر ترقق العظام في سنوات الكهولة، ولا سيما لدى النساء بعد انقطاع الطمث بسبب انخفاض معدل إفراز هرمون الإستروجين.

وأثيرت مخاوف أيضا في العقود الأخيرة حول الهرمونات التي نستهلكها في حليب الأبقار. إذ تنتج الأبقار حليبا أثناء فترة الحمل، عندما يزيد مستوى الإستروجين في الدم 20 ضعفا. وربطت دراسة بين ارتفاع مستويات الإستروجين في الدم وبين سرطان الثدي والمبايض والرحم.

لكن لاورا هيرنانديز، باحثة في بيولوجيا الرضاعة بجامعة ويسكونسن بالولايات المتحدة، تقول إن استهلاك الهرمونات التي يحتوي عليها حليب الأبقار ليس مضرا.

أثيرت مخاوف حيال نسب الإستروحين في حليب الأبقار

وخلص استعراض للدراسات إلى أن كمية الإستروجين التي نستهلكها في الحليب من المستبعد أن تسببب ضررا للبشر. ولاحظ الباحثون أن هرمون الإستروجين لم يؤثر على الجهاز التناسلي للفئران إلا بعد أن تناولوا مكملات تحتوي على ما يعادل 100 ضعف مستويات الإستروجين في حليب الأبقار.

وربطت دراسات بين تناول الحليب وبين مخاطر الإصابة بأمراض القلب، نظرا لاحتواء الحليب على دهون مشبعة. لكن نسبة الدهون في الحليب كامل الدسم لا تتعدى 3.5 في المئة، في حين أنها لا تتعدى 0.3 في المئة في الحليب خالي الدسم.

وفي إحدى الدراسات، قسم الباحثون المشاركين إلى أربع مجموعات بحسب كمية الحليب التي يشربونها، ولاحظوا أن الأشخاص الأكثر استهلاكا للحليب كانوا أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب. وتعزو جيركيا فيرتانين، المتخصصة في دراسة تأثير الأغذية على الصحة والأمراض، هذه العلاقة إلى أن الأشخاص الذين يكثرون من شرب الحليب لا يتبعون نظاما غذائيا صحيا.

وتقول فيرتانين إن الحليب لا يضر بصحتنا إلا إذا أفرطنا في استهلاكه، لكن الاعتدال في استهلاك الحليب لا ضرر منه.

الأشخاص الذين يشربون لترا من الحليب يوميا أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب

ويرى بعض الخبراء أن الأشخاص الذين يعانون من حساسية اللاكتوز بإمكانهم تناول كميات ضئيلة من حليب الأبقار، لأن الأعراض الجانبية التي يسببها لهم شرب الحليب، مثل الانتفاخ وتقلصات المعدة، قد تكون استجابة لتراكم اللاكتوز في الجسم. وتختلف كمية اللاكتوز التي تسبب أعراض حساسية اللاكتوز من شخص لآخر.

وأجرى كريستوفر غاردنر، عالم تغذية بمركز أبحاث الوقاية بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا، دراسة قارن فيها بين أعراض حساسية اللاكتوز لدى بعض الناس بعد شرب كوبين من حليب الصويا أو الحليب العادي يوميا، ويقول إن الكثير من المصابين بحساسية اللاكتوز يمكنهم تحمل كميات معتدلة من منتجات الألبان.

ولم تجر حتى الآن إلا القليل من الأبحاث عن تأثير بدائل الحليب على صحتنا، لكن التنوع في أنواع الحليب على أرفف متاجر البيع بالتجزئة يدل على زيادة الطلب على بدائل الحليب المصنوعة من الصويا واللوز والكاجو والبندق وجوز الهند والمكاديميا والأرز وألياف الكتان والشوفان والقنب. وتُعالج المكونات الأساسية التي تصنع منها بدائل الحليب، وتخفف بالماء وتضاف إليها عوامل مثبته مثل صمغ الخروب.

ويعد حليب الصويا أفضل بديل لحليب الأبقار لأنه يحتوي على نفس النسبة من البروتين الموجودة في حليب الأبقار. لكن غيفنز يقول إن البروتين في بدائل الحليب قد يكون أقل جودة مقارنة ببروتين حليب الأبقار، ويحتاج الأطفال وكبار السن بروتينات عالية الجودة لبناء عظام قوية.

يعد حليب الصويا أفضل بديل لحليب الأبقار، لكنه قد لا يكون الخيار الأفضل لكبار السن

وتقول سينا غالو، عالمة تغذية من جامعة جورج ماسون بالولايات المتحدة، إنه لا توجد أبحاث تثبت أن بدائل الحليب لها قيمة غذائية عالية. فقد تحتوي بدائل الحليب على مغذيات دقيقة، لكنك لن تحصل من حليب اللوز على نفس العناصر الغذائية التي تحصل عليها من تناول حبات اللوز.

وتضاف إلى بدائل الحليب عادة العناصر الغذائية المتوفرة بصورة طبيعية في حليب الأبقار، مثل الكالسيوم، لكن العلماء لم يثبتوا بعد مدى استفادة الجسم من هذه الفيتامينات والمعادن المضافة لبدائل الحليب مقارنة بنظيرتها الموجودة في حليب الأبقار.

في حين أن أبحاثا أشارت إلى أن حليب الأبقار المعزز بفيتامين د في الولايات المتحدة يسهم في تغطية حاجة الجسم اليومية من فيتامين د.

وتقول تشارلوت ستيرلنغ ريد، خبيرة تغذية، إن حليب الأبقار مليء بالمغذيات التي يحتاجها الأطفال وقد لا يحصلون عليها من بدائل الحليب، حتى تلك المضاف إليها فيتامينات.

وأثيرت مخاوف أيضا حول محتويات بدائل الحليب. وبينما يحتوي حليب الأبقار على اللاكتوز الطبيعي، فإن بدائل الحليب كثيرا ما يضاف إليها السكر، الذي قد يضر بصحتنا.

وقد يكون من الصعب اختيار نوع الحليب الذي تشربه نظرا لتنوع خيارات الحليب المتاحة على الأرفف. فقد يختار الشخص الأكثر عرضة للإصابة بهشاشة العظام أو أمراض القلب حليب الأبقار قليل الدسم، بينما يختار الشخص المهتم بالبيئة الحليب الذي لا يسبب أضرارا بيئية.

لكن مهما اختلف نوع الحليب، فقد تحصل على العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاجها جسمك إذا اتبعت نظاما غذائيا متوازنا. وتقول فيرتانين: “ليس من الضروري أن تتجنب الحليب، وليس من الضروري أن نشربه أيضا. فقد نستبدل به منتجات أخرى، فلا يوجد مكون غذائي واحد أو طعام لا غنى عنه للحفاظ على الصحة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.