ما أشبه اليوم بالأمس.. (الموت تحت صخرة بهستون)

الدكتور ايوب بطرس
الموت تحت صخرة بهستون

المقدمة

الآشوريون من الأقوام القليلة في تأريخ هذه المنطقة التي سادت ثم بادت او كادت… إذ بدأ هذا الشعب عصره جبارا، مهيبا، مهيمنا، أقام إمبراطورية مترامية الأطراف وبسط سيطرته على أراض شاسعة وخضعت له شعوب كبيرة وأمم قوية وتسيدت حضارته وتقاليده أنحاء المنطقة لقرون عديدة … ثم أنحدر إلى رحلة القهقري والضعف والتردي لأسباب لسنا بصددها… ومن ثم تكالبت عليه تلك الشعوب التي كانت خاضعة له وتفننت في إيقاع أنواع الاضطهاد والأذى به، فتناقص حجمه وتقلصت مساحة أرضه وأنكمش دوره وتأثيره في المنطقة، وتحول من كبار شعوب المنطقة إلى قومية صغيرة، مهددة في وجودها وانتهى الى أقلية أثنية موزعة هنا وهناك في السهول والجبال وفي الشتات، لا زالت تعاني الأمرين من جيرانها ومن من ادعى صداقتها!..

استغل الشعب الآشوري كل وسيلة ممكنة لحماية نفسه وصيانة وجوده من كم وشدة المذابح والمآسي والكوارث التي ألمت به… ترك قسم منه دياره ومواطنه الخصبة في السهول وضفاف الأنهار ولجأ إلى قمم الجبال العاصية والوديان الحصينة، ليستعين بها على أعداء حاولوا اللحاق به دائما.. وتمكن من البقاء والصمود والمحافظة على جنسه وصيانة خصوصيته وحماية ارثه لأنه شعب أصيل وعريق!..

ومن حقائق تأريخ هذه المنطقة الغريبة ؛ سكوت هذا التأريخ او كتّابه عن حملات الإبادة وعمليات القتل المنظم والتشريد الجماعي واجتياح الأراضي والاستيلاء على الممتلكات التي مورست بحق الاشوريين ( وبقية السكان الأصليين) والتي حولتهم كما قلنا إلى أقلية قومية في وطنهم الأم… والحقيقة الغربية الاخرى هي ندرة التنقيبات والتحريات التي تجري في بقاع المنطقة ومدنها ولمختلف مراحلها التأريخية التي لا تعثر على آثار وشواهد آشورية (وثائق عائديه!)، ومع ذلك فقليلون الذين يقّرون بتلك الحقيقة واقل منهم الذين يتسألون عن مصير هذا الشعب الأصيل، او الذين يبحثون عن الأسباب التي تحول باستمرار الحواضر الاشورية الى خرائب وآثار… هنا تكمن برأيّ مهمة البحاثة والمهتمين بالتأريخ الآشوري… وبهستون التي نحن بصددها واحدة من تلك المآسي الحديثة المسكوت عنها..

عزيزي القارئ؛ منذ ان أبدى الغرب اهتمامه بأملاك الرجل المريض مطلع القرن الثامن عشر، وصار مندوبوه يجوبون المنطقة لتمهيد الطريق أمام حكوماتهم، أسترعى انتباههم ما يتميز به الآشوريون من صلابة وقوة تحمل وحساسية موقع، فبعث هؤلاء ، قبيل انطلاق شرارة الحرب العالمية الاولى ، ممثليهم بصفات مختلفة إلى معاقل ذلك القسم من الآشوريين ومعازلهم محاولين مغازلتهم واستمالتهم لاستدراجهم خارج ديارهم ونقلهم من مكان إلى أخر إلى ان انتهوا بهم كمشردين ولاجئين في معسكرات الأصدقاء!! وهم في أمس الحاجة إليهم بعد ان فقدوا كل شيء وخسروا أكثر من نصف نفوسهم، وقد أبشع الصديق استغلال حاجتهم!!.

وفقد الآشوريون زمام أمرهم بعد إخراجهم من ديارهم الحصينة في حكاري وتوريطهم بالحرب العالمية الى جانب الحلفاء ومن ثّم أجلائهم عن أرضيهم الغالية اورميا وسوقهم الى حيث ينتظر صديقهم!! في “همدان” وقبل ان يلتقطوا أنفاسهم جرى تجريدهم من السلاح، ووضعوا في معسكر لاجئين، منعوا من العودة الى ديارهم، وطلب إلى رجالهم العمل في وحدات شبه عسكرية يشكلها الضباط الانكليز، ومن لم يقبل بالعمل في هذه الوحدات، يساق كعقوبة له للعمل بالسخرة في أشغال شاقة تحت حراسة مشددة في منطقة معزولة (تحت صخرة بهستون) وفي ظروف صعبة للغاية وقد خيم عليهم الحزن لخسائرهم والقلق على مصير عوائلهم… ولا يمكن للمراقب للشأن الآشوري الادعاء بان الاشوريين كلهم كانوا على رأي واحد من نشاطات هؤلاء الغرباء الاصدقاء! هذه او في موقفهم من كل المسائل التي تخصهم ” وكانت هناك معارضة منهم “(11) …

لو تسأل المرء ما الذي جعل الصديق! يلجأ الى هذا القدر من القسوة والشدة مع هؤلاء الرجال من حليفه الصغير ومنذ الوهلة الاولى للقائهما؟ فلن يعثر على حجة له غير خشيته من ان يفشل هؤلاء الشجعان خطته التي وضعها لاحتواء الاشوريين والاستفادة منهم، لا سيما انه قد وصل المراحل الأخيرة منها، لذلك استفزه كثيرا معارضة هؤلاء الرجال العمل ضمن تلك الخطة، فكان رد فعله سريعا ومتسما بالعنف والصرامة، لصد الآخرين عن الاقتداء بهم….

في الوقت الذي لم تبدي الزعامة الاشورية المسؤولة أية ممانعة أو معارضة لخطوات الحليف وإجراءاته المشددة هذه وتركت هؤلاء المساكين لمصيرهم!…. فحدثت تحت صخرة بهستون جريمة وفاجعة مروعة كما سنرى!!..

لربما لم يسمع الكثيرون من أبناء شعبنا بمأساة بهستون هذه، كما إن الصورة لم تكن واضحة الملامح بالنسبة لمن سمع بها ، بسبب التكتم والتعتيم المتعمد الذي مورس على الأمر من قبل المهيمنين على الشأن الآشوري في حينه، ولأن الحدث تّم في مكان مغلق وتحت سيطرة انكليزية محكمة، نحاول هنا اختراق حاجز التعتيم هذا وتسليط حزمة من الضوء على حقيقة ما حدث ” تحت صخرة بهستون ” في آب 1918 لنرى ما ارتكب بحق شعبنا هناك، في الوقت الذي نقرّ بصعوبة البحث والتحقيق بسبب ندرة المصادر المدونة، ورحيل أغلب الناجين والمعاصرين للحدث، لذلك ستكون هناك نقاط مهمة في هذه المأساة بحاجة الى المزيد من البحث والتحري… لم نعثر ولو على إشارة صغيرة للفاجعة، حتى في كتابات هؤلاء المؤرخين الأجانب الذين اعدّوا أنفسهم أصدقاء ومتعاطفين مع الآشوريين، وكذلك تجنب المؤرخون الآشوريون في الغالب ذكرا للمأساة …. وكان مالك يوسف مالك خوشابا أول من تطرق للفاجعة بجرأة وأدانها بشّدة في كتابه (حقيقة الأحداث الآثورية المعاصرة )، وكذلك أورد البروفيسور قسطنطين ماتييف برمتي في كتابه (الآشوريون والمسألة الاشورية في العصر

الحديث)، معلومات مقتضبة لكنها مهمة عن المأساة، بعكس القراءة السلبية للفاجعة والآراء الشخصية المنددة بأبناء جلدته التي نشرها عوديشو ملكو آشيثا في كتابه قصة قرية آشيثا… في حين ساعدتنا كثيرا المعلومات والروايات التي سمعناها من الناجين والمعاصرين والمتداولة عنهم والتي سجلناها هنا لأول مرة !.

أتمنى مخلصا ان تكون هذه المحاولة دعوة صريحة للكتّاب والباحثين والمهتمين بالتأريخ الآشوري الحديث والمحللين له لإعادة قراءة أحداث هذه الواقعة(وأمثالها) ودراسة مقدماتها وأسبابها ونتائجها وتبعاتها بإمعان وتوثيقها ، وتقييم مدى الضرر الذي ألحقته بقضيتنا، وإنصاف ضحاياها، وإدراجها ضمن موقعها الصحيح من الكوارث والمذابح والمآسي التي حلت بأمتنا…

أيوب بطرس
ayoubpetros@yahoo.com

الموت تحت صخرة بهستون

تمهيد

جبل بهستون أو صخرة بهستون، مسمى مرادف لدى الكثيرين من أبناء أمتي للألم والحسرة والخسران والموت، وموقعة تقشعر لذكرها أبدانهم، ومحطة تركت انطباعا لا يمحى من الذاكرة الآشورية المعاصرة، لا سيما ذاكرة العشائر الآشورية، بما أضافته إلى رصيد هذه الأمة الكبير من الآلام والمآسي والخسائر، خلال صراعها الملحمي من اجل البقاء، فبهستون آب 1918، تلك التجربة القاسية، كانت من اولى الخبرات العملية المريرة لهذه الأمة المغلوبة على أمرها، نتيجة لتعاملها المباشر مع أصدقائها!! الأجانب1..

وصخرة بهستون موقع جبلي داخل الأراضي الإيرانية بالقرب من الحدود العراق الشرقية على الطريق الواصل بين همدان – قصر شيرين- خانقين، مجاور مدينة كرمنشاه، تميز بصخوره الضخمة المتراكمة بشكل تعطي انحدارات حادة وميلان يزيد عن الزاوية القائمة وتثير الاستغراب لصمودها وبقاءها في ذلك الوضع، بي ستون – دون مساند او أعمدة، وصعوبة تضاريس الجبل وقساوتها هي التي حافظت على الرسوم الفارسية والكتابات المنقوشة على صخوره منذ آلاف السنين، في هذا الموقع وقعت آب 1918 أحداث المأساة التي نحن بصددها، إذ كان المطلوب من الرجال الاشوريين المرهقين أصلا، كسر وحمل الحجر وتمهيد طريق ومد سكة حديد ونقل قضبانها من خلال هذه الصخور وفي تلك البيئة القاسية والأرض الوعرة!!.

ان ما ميّز أبناء هذه الأمة الصغيرة من شجاعة وصلابة وقوة شكيمة، وهو الذي حفظ لها وجودها وصان هويتها القومية الخاصة عبر التأريخ ، لفت إليها الانتباه ، ووضعها في دائرة الاهتمام المباشر للدول الطامعة بأملاك الإمبراطورية العثمانية، والتي الآشوريون من رعاياها، وهو نفس الأمر الذي جرّ على هذه الأمة الخراب والدمار، فأثناء المرحلة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وضمن الصراع الخفي لهذه الأطراف الدولية لكسب الأنصار والمواقع، وزعزعة جبهة عدوها الداخلية، والتي تدخل عادة في الاستعدادات التمهيدية لأعداد الساحة للمنازلة، حصل

تناغم وشبه تفاهم بين أطراف دولية (حلفاء) وتلاقت نواياها ومصالحها على إحتواء الآشوريين وإقحامهم في الحرب والاستفادة من قدرتهم القتالية ومن موقعهم الإستراتيجي، ومما ساعدهم وسهل المهمة هو ميل زعامة الآشوريين الروحانية للحلفاء وتعاطفها معهم، رغم تحذيرات المتنورين من أبنائها، من مخاطر صراع العمالقة على أمتهم الصغيرة، و حينما تكشفت للحكومة التركية، اتصالات الرئاسة الدينية بالحلفاء، اتخذت هذه الحكومة إجراءاتها الصارمة للسيطرة على الآشوريين ووأد حركتهم في ديارهم ومنعهم من الخروج من تركيا والوصول إلى حلفائهم ، فحركت القطعات العسكرية نحو أراضي الاشوريين لمحاصرتهم وإغلاق الحدود بوجههم، وتطويقهم تمهيدا لإنزال الضربة القاضية بهم، بالاشتراك مع العشائر الكردية في المنطقة التي سلحتها الحكومة العثمانية وحرضتها على قتل الاشوريين…

وللتخلص من هذا المأزق الذي صار فيه الآشوريون ولتفادي الغضب التركي ومن اجل تجنب ما أمكن من ويلات الحرب ، اضطّر قسم الأمة هذا والقاطن جبالها الحصينة في حكاري وشمالي الموصل، لمغادرة دياره (أيلول 1915) والخروج من الدولة العثمانية المشتركة بفعالية بهذه الحرب (العالمية الأولى) ، وكان قراره بعد ان أعلنت الدولة العثمانية الحرب عليه، اللجوء الى إيران باعتبارها دولة محايدة في هذه الحرب، وقد أدهش الجميع هذا الخروج المنظم والجسور للأرتال

الآشورية، من بين أنياب أعداء شرسين متربصين، من دون خسائر تذكر، و ضمت ارتالهم الأطفال والنساء والشيوخ، حاملين معهم كل ما غلى ثمنه وخفّ وزنه من مقتنياتهم، ناهيك عن كل متحرك من أملاكهم، فساروا باتجاه الشرق(إيران) وعبروا الحدود الدولية عنوة عندما اصطدموا بقوات الطوق قرب الحدود، واعترضهم كمين تركي- كردي مشترك، حاول سد طريق النجاة عليهم ، وفتح الكمين نيران أسلحته المختلفة على الآشوريين في ذلك الوادي الضيق حيث التقت ارتالهم وازدحمت فيه جموعهم، فعّم الخوف والرعب والفزع الجميع وتصاعد بكاء الأطفال وصراخ النسوة وتراجعت الارتال كالأمواج المتلاطمة، واعتقد كثيرون إنها النهاية المأساوية لهذه الجموع… في هذه اللحظات الحرجة قاد مالك خوشابا(7/335 ،2/58،1/40) المقاتلين الآشوريين ، ليشن هجوم منسق وسريع، فاجئ المتربصين في مواقعهم، وقتل قائد قوات الطوق والكثير من مقاتليه وشتت بقية رجاله ، فانفتح الطريق(وانشق البحر)، وعبرت الارتال الاشورية الحدود: (1) ودخلت إيران الدولة غير المنحازة في هذه الحرب، (2) ووصل الآشوريون حيث يهيمن نفوذ الروس (الحلفاء) وتسود سيطرتهم،(3) واستقروا في شمالها الغربي وفي أراض وقرى أخوانهم الاشوريين الإيرانيين الواسعة في ولايتي سلامس واورميا بعد معاناتهم من إهمال الروس لهم في أول الأمر.

هناك مارس الآشوريون الحكاريون حياتهم الاعتيادية، وتوحدوا مع أخوانهم الاورميين وتعاملوا بسلام وود مع جيرانهم الجدد ولم يكن في

نيتهم أبدا الدخول في نزاع او قتال مع أية جهة، ولو انهم اضطروا للدفاع عن أنفسهم ووجودهم بجراءة وبسالة، أثارتا مزيدا من إعجاب المعنيين بشؤون الحرب والقتال وواضعي الاستراتيجيات في المنطقة.

لقد كانت الرغبة في الاستفادة من هذه الميزة (القدرة القتالية) أصلا، والعمل على زعزعة الاستقرار الداخلي للإمبراطورية العثمانية وإثارة الأقليات فيها، السبب في محاولة هذه الأطراف استمالة الاشوريين واستدراجهم وإخراجهم من ديارهم ، بحجة حمايتهم مما يحيطهم من أعداء (يبدو ان الخطة التي وضعها الأصدقاء والحلفاء لإنقاذ!! الاشوريين جعلت منهم اكبر ضحية وأكثر المتضررين في المنطقة على الإطلاق)، للأستعانة بهم مستقبلا، لكن بعد ان يتم تجريدهم من كل إمكانيات الإرادة الحرة والبقاء المستقل والحماية الذاتية، ووضعهم تحت إلحاح الحاجة المادية، في الوقت الذي انهالت عليهم الوعود البراقة بالحرية وتقرير المصير وتلونت الخدع والأضاليل وتعددت المؤامرات والدسائس لتحريضهم على الوقوف ضد دولتهم وتحدي جيرانهم ، والآشوريون قوم خبرتهم الحقيقية بالمكائد والحيل السياسية كانت حينها ضعيفة أو هي في طور الصيرورة ، في عين الوقت الذي عمل هؤلاء المخططون على أثارة جيران الآشوريين المختلفين عنهم في العنصر والدين واستعدائهم عليهم ، إلى أن أوصلوا الأمر إلى الحد الذي بات فيه الآشوريون يستشعرون خطراً كبيراً يحدق بهم من كل جانب ، ولا قدرة لهم بمقارعته ، دون عون
خارجي من صديق او حليف، في الوقت الذي لا يمكنهم الحصول على هذا العون دون تضحيات كبيرة مثل التخلي عن الديار والأملاك (قيل لهم إلى حين) في مقابل المحافظة على أرواحهم، وهكذا صارت المعادلة أن هذا الصديق سيكون المنقذ الأمين! للآشوريين، شرط ان يكونوا مستعدين لتنفيذ أوامره ومتواجدين في المكان والزمان اللذين يختارهما الصديق رغم كل ما سيعترض سبيلهم من الصعاب والتضحيات.

إذن لم يترك لهم حليفهم او صديقهم سوى خيار واحد وهو اللجوء أليه والاعتماد عليه وهذا ما حصل على الأرض، ولكن يا للخسارة لم يصل الآشوريون إلى ” أصدقائهم ” ألا بعد إن رسموا خط سيرهم بالدم وأشروا طريقهم بالجثث. هذا السيناريو تكرر معهم، مرة في حكاري للوصول إلى (الأصدقاء) الروس في شمال غرب إيران وأخرى في أورميا للوصول إلى (الأصدقاء) الإنكليز في همدان،(وثالثة عندما حاولوا الوصول إلى أصدقائهم!! الجدد الفرنسيين في سوريا) وفي كل مرة ضيعوا أرضا غالية وفقدوا آلاف الأنفس العزيزة!!…

و في كل مرة تعرضوا للخديعة والاستغلال، ففي الأولى جرب الروس الاستفادة من قدرة الآشوريين القتالية وحاولوا تشكيل قوة شبه عسكرية (ليفي) من المقاتلين الآشوريين، تقاتل معهم ضد الأتراك، لكنهم لم

ينجحوا ألا بجمع فوج ونصف2 من الآشوريين الساكنين مع البيت البطريركي في ديلمان / سلامس فقط ، بينما رفض أغلب مقاتلو أورميا الآشوريين ذلك ، لربما كان ماثلا أمام أعينهم ، المصير المؤلم الذي تعرض له رفاقهم الذين سبق لهم التعاون مع الروس قبيل نزوح الحكاريين إلى إيران 1915 وبعد أن تركهم الروس فجأة تحت رحمة أعدائهم ، كما رفض مقاتلو العشائر الآشورية الذين استقروا في أورميا والقرى الآشورية حواليها، الانخراط في هذه الوحدات او العمل بآمرة الأجانب ، وهنا ايضا ربما كان الاستقبال الفاتر من الروس على الحدود ومنظر عشرات الموتى التي توضع في حفرة واحدة على مرأى من أصدقائهم! وذكريات مذابح بدر خان بيك والدور الذي لعبه الأجانب فيها لا تزال تحوم في مخيلتهم ، ناهيك عن جسامة التضحيات المطلوبة منهم، ورغبتهم بعدم معاداة جيرانهم، وظلوا يتحشدون ويقاتلون تحت قيادتهم الآشورية المعروفة؛ اغا بطرس ومالك خوشابا ورفاقهما وبأسلوبهم الخاص عند الضرورة لدفع الخطر عن أنفسهم وعوائلهم، ولم تكن لهم أية علاقة إدارية أو عسكرية ب(ليفي) سلامس أو برئاستها ، أي أن المقاتلين الآشوريين وقت الحرب العالمية الاولى كانوا فئتين منفصلتين: الأولى هؤلاء المقاتلون المنضوون في شبيه الجيش (ليفي) في سلامس والذين يشرف عليهم ويقودهم مباشرة الضباط الروس ويساعدهم رب خيلا داود

أفندي شقيق المار شمعون وضباط آشوريين آخرين! ويتقاضى منتسبوها رواتب زهيدة مقابل خدمتهم، والثانية في اورميا والقرى حواليها وهي الفئة الأكبر والأقوى من المقاتلين والتي تضم العشائر الآشورية الحكارية واغلب آشوريي أورميا والذين ينصرفون إلى ممارسة أعمالهم الاعتيادية لتوفير معيشتهم في الأوقات التي يسود فيها الهدوء منطقتهم، علماً بأن اغلب المعارك الآشورية الدفاعية وأكبرها في تلك الحرب قد دارت في منطقة الفئة الثانية هذه!.

لم يترك حلفاء الآشوريين ! هذا الشعب المسكين يعيش بأمان وسلام في هذه البقعة من إيران المحايدة ، فاستمروا بتأجيج جيرانهم وتحريضهم، مع الاستمرار ايضا بتجديد الوعود للآشوريين بالمساعدة (التي لم تصل قط) والمستقبل المشرق (الذي لم يره أحد لحد اليوم) لتذكية العداوة وإدامة الصراع مع الجيران ولتأليبهم للوقوف بوجه الجيش التركي الذي ليس له نية أو مصلحة من قتال الآشوريين الذين يفوقهم مرات بالعدة والعدد والذي يروم فقط الوصول إلى ما وراء أذربيجان الإيرانية لأهداف سوقية تتعلق بمجمل مجهوده الحربي…

وفي هذه البقعة أيضا(وبعد الثورة الشيوعية في روسيا وانسحابها من الحرب) أحاط خصوم الحلفاء من أتراك وإيرانيين وأكراد محليين بالآشوريين من كل جانب، وقد تركوا لوحدهم هناك ليحاربوا كل هؤلاء

نيابة عن الحلفاء، في الوقت الذي لم تصلهم إي مساعدة عسكرية أو إنسانية من أي جهة كانت، رغم كل الوعود والعهود كما أسلفنا, ورغم صمود الآشوريين وبلاءهم الرائعين وانتصارهم في أربعة عشر معركة سابقة وللفترة من أيلول 1915الى تموز 1918، دون أدنى عون خارجي، ألا إنهم اضطروا في تموز 1918 وتحت ضغط الأعداء ومكائد الأصدقاء!!، على الجلاء المفاجئ عن القسم الثاني من أراضيهم في سلامس واورميا، ولكن هذه المرة كان الخروج مختلف تماما عن الأول؛ فهم الآن بلا قيادة (اذ ان الزعامة التي تولت القيادة مؤقتا في اورميا في غياب اغا بطرس ومالك خوشابا، كانت قد سبقت الاشوريين بالخروج من اورميا)، ومن دون خطة انسحاب، إنما الجميع يهرب من غير قتال، وقد ساد الرعب وعمت الفوضى والاضطراب صفوف المنسحبين والكل يفر وبأسرع ما يمكن لا يلتفت على شئ، إنما يسعى ّللحاق بالركب المتوجه صوب الجنوب وراء زعامته ، ليكون في حمى قوات الصديق الحليف!! في همدان آلتي كان بإمكانها (القوات الصديقة) الوصول إلى اورميا آو إيصال المساعدات الإنسانية والعسكرية التي كان الآشوريون في حاجة إليها ليبقوا في ديارهم (5/131), لا بل كان بإمكان الآشوريين صد الهجوم التركي الأخير بما كان لديهم من سلاح وذخيرة وبإمكانياتهم الذاتية، لولا مؤامرة الحليف ودسائسه، والبقاء في أورميا إلى نهاية الحرب التي كانت وشيكة حينذاك (عقدت الهدنة في 30ت1/1918) (6\111)(2\143) و كان بإمكانهم حينها الزحف بسهولة نحو مناطقهم

في حكاري وشمالي الموصل ، لولا وجود رؤساء آشوريين متنفذين يسعون إلى أحضان الإنكليز(6\111)(3/112). شاع في حينه أن هذا الحليف عمل في الخفاء على سحب الزعامة الدينية من أورميا الى همدان قبيل الجلاء (2\143) لجر كل الآشوريين ورائها . وكان غياب القيادة او اختفائها من اورميا هو السبب المباشر لتدني معنويات المقاتلين وانهيار مقاومتهم وتفرق شملهم وما ساد المدينة والقرى الآشورية حواليها من الرعب والفوضى العارمة التي تلت انتشار خبر- اختفاء الزعامة -(1/93،3،5/136).

ترى لو لم يكن امر أخراج الاشوريين من اورميا مدبرا؟.

1- لماذا إذن كلف اغا بطرس بالذات، رغم إرادته وهو القائد العام للقوات الآشورية المدافعة عن مدينة اورميا ومنطقتها ، بقيادة مجاميع من المقاتلين الآشوريين والخروج من اورميا باتجاه الحليف في ساين قلعة قرب همدان، ليفتح الطريق بالقوة لمن خطط سرا للوصول إلى أصدقائه في همدان؟!. وليستغل هذا الخروج للقوات من اورميا لتبرير الهروب من المدينة باتجاه همدان دون قتال!!..

2- لماذا خرجت الرئاسة الدينية من اورميا من دون تعلم احد بالأمر وهي التي تعهدت علنا بالدفاع عن المدينة ، ليحدث اختفائها في اليوم التالي، الصدمة بين صفوف الاشوريين ويفاجئ المقاتلين المشتبكين مع العدو، عندما ينتشر خبر هروب قيادتهم ؟.

3- لماذا لم تف تلك القيادة المؤقتة في اورميا بتعهدها مع اغا بطرس والقادة الاشوريين الآخرين وتنتظر نتيجة المهمة التي كلفته بها كما وعدته قبل مباشرته بالمهمة؟.

4- لماذا لم توافق تلك القيادة ولم تساند خطة اغا بطرس ورفاقه للعودة مع قواتهم وعوائلهم من ساين قلعة الى اورميا؟.

5- لماذا اختفى الحليف من المكان المتفق عليه في (ساين قلعة) للالتقاء بالقوات الاشورية وتسليم السلاح والمساعدة للآشوريين والذين كانوا على استعداد للعودة بها في الحال إلى أورميا،(بحسب الاتفاق في اجتماع القيادة الاشورية في اورميا وبحضور الطيار الانكليزي ويننغتون والذي تمّ فيه تكليف اغا بطرس بهذه المهمة)؟.

6- لماذا لم يظهر الحليف للآشوريين في ساين قلعة إلا بعد وصول جموع العوائل الآشورية الهاربة من اورميا؟..

7- ولماذا لم يقدم الحليف المساعدة العسكرية التي وعد بها للقوات الاشورية بعد وصولها ساين قلعة قرب همدان؟.

8 – بل لماذا رفض الحليف حتى فكرة عودتهم على مسئوليتهم من حيث أتوا، ودون أية مساعدة منه؟.

9- والأغرب من ذلك كله لماذا أسرع بنزع سلاحهم ووضعهم في معسكر الأسرى في همدان ؟ (3\116)(4/110) ولماذا أحاطهم بحراس مستعدين لإطلاق النار عليهم على مدار الساعة ؟!!.

10- لماذا ثار غضب الدكتور شيت نائب القنصل الأمريكي في اورميا ومسؤول شؤون الإغاثة للآشوريين، في همدان بعد ان نزح إليها مع الاشوريين واتهامه الزعامة الاشورية بإنها سبب هذه الكارثة وتهديده لها؟(5،1،2)…

ولا يفوتنا التأكيد هنا على ان هذا الخروج (الهروب) او النزوح العام من أورميا، الغير المنظم ومن دون قيادة والذي سادته الفوضى والارتباك وعّمه الخوف والفزع والاستعجال قد تسبب في اكبر كارثة للأمة الاشورية في العصر الحديث، قدرت بعض المصادر الخسائر البشرية فقط بأكثر من (50) ألف ضحية على الطريق بين اورميا وهمدان نتيجة القتل والأسر والجوع والعطش والأمراض المعدية التي فتكت بأعداد هائلة منهم ، إضافة الى (16) ألف آخرين تخلفوا في مدينة أورميا وحواليها أبيدوا بالكامل(6\ 112) فضلا عن ضياع الأرض والديار وكل الأملاك والذخائر النفيسة التي لا تقدر بثمن، وتؤكد هذه المصادر مرة أخرى ان سبب هذا الفزع وتلك الفوضى التي ضربت الساحة الآشورية والكارثة البشرية التي خلفتها هو غياب القيادة

المسؤولة التي تتعامل مع مثل هذه المواقف والأحداث بحكمة وجرأة 3 !.

الأمر !!

على كل حال بعد وصول الآشوريين الى همدان وبعد أن فرشوا طريقهم بجثث الآلاف من أبناءهم، وحيث هي قوات الحليف، وهم في حالة يرثى لها من الضعف والتعب والإرهاق والجوع والعطش والحزن على فقدان الأهل والديار، كما أن الكوليرا والتيفوئيد والزحار انتشرت بينهم كالنار في الهشيم وقتلت المئات وآلاف منهم، وقبل ان يمنحوا اية فرصة لالتقاط الأنفاس ومداواة الجروح، بدأ سريعا تنفيذ الصفحة الثانية من الخطة التي وضعها الأصدقاء!! الانكليز لاحتوائهم، وفوجئوا بتعليمات مشددة من العسكريين الإنكليز ومن زعامة

الآشوريين!!(3\117)(1/93) تأمرهم بنزع سلاحهم وتسليم ما بحوزتهم من ذخيرة وغنائم إلى الانكليز والتوجه فورا للعمل في وحدات شبه عسكرية (ليفي) تشكل بقيادة الضباط الإنكليز وبمشاركة آشورية شكلية4!! (شمل الأمر كل الرجال الاشوريين القادرين على حمل السلاح) وهو الأمر الذي فضح مبكرا الغاية من سحب الاشوريين نحو حلفائهم! وجمعهم كمشردين في معسكرات الأسرى (4/110) لتسهيل مهمة السيطرة عليهم واستخدامهم لبسط سيطرتهم على وادي الرافدين فيما بعد (5/131) حيث خطط الإنكليز للمكوث وإقامة دولة جديدة “العراق” تحت انتدابهم والاستفادة من موارد وثروات هذا البلد لأطول مدة ممكنة ولأسباب إستراتيجية أخرى…

أطاع الأمر من الاشوريين ونفذه وقبل التطوع في هذا الليفي كل من كان قد تطوع في الليفي الروسي في سلامس سنة 1916..

الرفض

رفض قسم غير قليل من المقاتلين الآشوريين هذه الأوامر أي التخلي عن سلاحهم(1)(6)(11)(12) وأبوا الانضمام إلى وحدات (الليفي) هذه، بسبب عدم اطمئنانهم لنوايا الحليف، وخشيتهم من ان (التطوع) ربما يعيق عودتهم السريعة الى ديارهم، كذلك فان مصير عوائلهم لا زال في خطر يستوجب مرافقتهم لها ، وقد ترتب على هذا الرفض أمر خطير وحادث جلل ، لربما لم يسمع به الكثير من أبناء شعبنا ،وان الصورة لم تكن واضحة الملامح لمن سمع به ، بسبب التكتم والتعتيم المتعمد الذي مورس على الأمر من قبل القائمين على الشأن الآشوري في حينه، نحاول هنا لفت الانتباه ، وتسليط حزمة من الضوء على ما حدث ” تحت صخرة بهستون ” في آب 1918 لنرى ما ارتكب بحق شعبنا هناك، في الوقت الذي نقرّ بصعوبة البحث بسبب ندرة المصادر المدونة ، ورحيل الناجين والمعاصرين للحدث، لقد كان هناك تجاهل متعمد ومحاولة مقصودة لطمس الحادثة في المصادر الأجنبية وأخرى آشورية ، فلم ترد ولو إشارة صغيرة للفاجعة ، حتى في كتابات هؤلاء المؤرخين الأجانب الذين اعدّوا أنفسهم أصدقاء ومتعاطفين مع الآشوريين ، وكذلك فعل المؤرخون الآشوريون الذين نحوا منحى الأجانب ، نعتقد ان هذا الكتمان والتعتيم من المؤرخين الأجانب كان مقصودا كما ذكرنا وذلك لغاية التنصل من مسؤولية ما حدث هناك والتستر عليه ، لهوله وبشاعته ولا إنسانيته وكان نقطة سوداء فعلا في تأريخ علاقة الانكليز بحليفهم الصغير الذي وثق بهم ومن اول لقاء بينهما، لكننا نستغرب الأمر بالنسبة للمؤرخين الآشوريين الذين يفترض بهم دائما التزام مصالح شعبهم والتحيز لمستقبل أبنائه، لا ان يقلدوا مستغليه، ونتمنى ألا يكون ذلك مقصودا أيضا… وتبقى التسأولات التالية بخصوص هذا الموقف من الإهمال والتجاهل تبحث عن الأجوبة، نعتذر عن حدة النبرة البادية على تسأولاتنا واستفساراتنا فالحالة كانت مؤلمة ومريرة، ولسنا هنا بصدد تحديد المسؤولية او تحميلها لأحد، انما نترك ذلك للقراء والباحثين، لكن نتسأل:

(1)- هل كان ذلك بسبب أن المصائب والمآسي الجسام انهالت على الآشوريين من كل صوب وعظمت تضحياتهم وفاقت البلايا حدود الشعور بالألم والخسارة فلم يعد هناك ما يثير الاهتمام ويهز المشاعر بموت مئات الرجال منهم؟.

(2)- أم لأن الحليف العزيز!! الذي استهان بأرواح الآشوريين واسترخص حياتهم دون وازع من ضمير، يسعى لتخفيف العبء عن كاهله وعن ميزانية دولته المنهكة، باستغلاله هؤلاء الرجال في العمل دون مقابل والتخلص من عدد منهم بالموت، وزعماءهم لا يجرأون على تكدير خاطره أو تعكير مزاجه بسبب موت بضعة مئات من رجالهم؟.

(3)- أم لأن اغلب هؤلاء الرجال كانوا من مجموعات معروفة بالاستقلالية وصعوبة المراس، وزعماءهم لا يهمهم أمر ومصير مثل هؤلاء المشاكسين!! من رجالهم؟.

(4)- أم لأن هؤلاء الرجال أحرجوا الموقف وتمردوا على الأوامر! وارتكبوا الخطيئة بمخالفتهم إرادة الصديق العزيز! الذي لا يرد له طلب، فاستحقوا العقاب؟!.

(5)- لماذا لم يثر احتجاز هؤلاء الرجال ومعاناتهم أدنى اعتراض او احتجاج او رد فعل من أي نوع من المسؤولين الآشوريين وقتها، ولماذا لم يحاول أحد من هؤلاء المسؤولين زيارة وتفقد أحوال المحتجزين او تخفيف معاناة عوائلهم طيلة مدة احتجازهم؟. هذا موقف يحسب على من ادعى زعامة كل الآشوريين ومؤشر سلبي على نياته تجاه مرؤوسيه!!.

(6)- ولماذا يستمر هذا الموقف(التستر والإهمال) من أخلاف أتباع هؤلاء الزعماء لحد الآن، مما يلاحظ من ان أية محاولة جدية للتطرق للحادثة والكشف عن كيفية موت المئات من رجال امتنا في ذلك المكان وإدانته، تثير البعض وتغيظهم، هؤلاء الذين يهمهم ان يبقى الأمر طي الكتمان لأن لسادتهم بعلمهم او بدونه، دور في المأساة ! وأكيد ان ما اقترف بحق هؤلاء الآشوريين كان أمرا مغزيا ووصمة عار لمرتكبيه والمتسترين عليه والساكتين عنه ، لذلك سعى جميعهم لطمسه وإنكاره.

(7) – والمستغرب أيضا ان يلجأ هذا البعض إلى خلط الأوراق والتبسيط للاستهانة بتلك الأرواح البريئة التي زهقت جورا تحت صخرة بهستون, و ينهدر الى مستوى يتهم فيه أبناء أمته المظلومين

المضطهدين المنكوبين، بقلة الوفاء ونكران الجميل وخيانة حليفهم ويدافع عن مستغل أمته وقاتل مستقبل أبنائها ويبرر أعماله ويدعي الآن، بان الأمر(ما حدث تحت صخرة بهستون) كان مجرد مسالة ” عمل مقابل أجر”، ويستنكر على هؤلاء الثوار رفضهم خدمة الصديق ، وينفي أي نوع من سوء المعاملة ، لا بل يقرر بأنهم يستحقون ما أصابهم جزاء عصيانهم وتمردهم على الحليف ونكرانهم لجميله، ويكذّب حدوث أية وفيات غير طبيعية هناك لأنه شخصيا لم يسمع بها 2 !!.

وأسباب الرفض هي:

رفض هذا القسم من الاشوريين الاستسلام ورهن مصيرهم ومستقبل أبناءهم للأسباب التالية:

(1) – الواقع المأساوي الذي آلوا إليه والحالة النفسية المزرية التي يعيشونها، نتيجة لتوالي الكوارث والبلايا وفداحة التضحيات والخسائر التي تكبدوها بسبب ألاعيب الغرباء (الحلفاء! والأصدقاء!) ومكائدهم.

(2) – خشيتهم بان ذلك الارتباط ربما يعيق عودتهم السريعة الى ديارهم واستعادة أملاكهم وامتيازاتهم وهو همهم الرئيسي…

(3) – ربما تكون نفس الأسباب التي جعلتهم يرفضون التطوع في (الليفي) المشكل سنة 1916 من قبل الأصدقاء! الروس في سلامس بعد نزوح الحكاريين الى شمال إيران…

(4) – تحديا لقرار الإنكليز التعسفي بتجريدهم من سلاحهم الخاص ومصادرة أملاكهم الأخرى والاستيلاء على الغنائم التي بحوزتهم وتعبيرا عن رفضهم لحماية الحليف لهم !!.

(5) – اشمئزازهم واستيائهم من معاملتهم كمشردين!! واستنكارهم لإصرار الحليف على اعتبارهم لاجئين وعدم السماح لهم بالعودة الى ديارهم للاستقرار فيها!.

(6) – امتعاضهم الشديد من الإهمال الذي يعاملون به! وغضبهم من التنكر للتضحيات الهائلة التي قدموها وللخسائر الجسيمة التي تكبدوها في الحرب الى جانب الحلفاء!.

(7) – رد فعل لما اعتبروه مؤامرة وخيانة لإخراجهم من سهول اورميا ومن قبلها إجلائهم عن حكاري، وتحميلهم الانكليز وأصدقائهم مسؤولية كل الخسائر التي لحقت بهم نتيجة ذلك.

(8) –تحديا لرؤسائهم المتعاونين مع الأجنبي والمتساهلين في الدفاع عن حقوقهم وتعبيرا عن عدم الرضا عنهم.

(9) – شعورهم بوجود خطة لأبعادهم عن ديارهم وإقصائهم عنها نهائيا، مما لاحظوه من مماطلة الانكليز وممانعتهم في تسليحهم وتلبية مطلبهم بالعودة إلى أراضيهم او تركهم يعودون إليها بأنفسهم.

(10) – قرار الإنكليز الصريح بترحيلهم بعيدا عن ديارهم والتوجه بهم نحو خانقين ومنها إلى بعقوبة، قرب بغداد(رفض قسم كبير من الآشوريين الاورميين القرار الترحيل هذا وبقوا في همدان ومنها تفرقوا في المدن الإيرانيـة الاخرى وكان ذلك بداية لكل تشتت آشوري لاحق).

(11) – أو أن قرارهم هذا كان بإيحاء من رؤسائهم الذين فطنوا لنوايا الإنكليز من تشكيل هذه الوحدات، فهو دعم ومساندة لدعوة هؤلاء الرؤساء بعدم الاشتراك في هذه الوحدات وخدمة الآخرين والتهئ فقط للعودة الى ديارهم في اقرب فرصة (2/116 ) (3\117).

ومن أسباب هذا الموقف أيضا :

( أ ) – غموض الموقف وعدم وجود بارقة أمل بمستقبل افضل(ضوء في نهاية النفق كما يقال) افقدهم الثقة بالوعود الجديدة التي أعطيت لهم، وأرغمهم على العودة والتمسك بما كان لهم أصلا قبل(الحرب) من ارض وأملاك وحقوق وحرية،

رغم كل التضحيات التي يعتقدون إنها ذهبت سدى! وإنهم ملّوا الجري وراء الوعود التي لا تتحقق…

(ب) – لقد جرب هؤلاء الأبطال ممارسة ضغط على الحليف الجديد لينظر بعين العطف!! لمطالبهم ويساعدهم في العودة الى أرضهم والاستقرار في ديارهم واستعادة أملاكهم.

(ج) – كما حاولوا ممارسة الضغط على زعامتهم لتعيد النظر في مواقفها، وتسألوا “إلى متى نستمر بدفع ثمن باهظ لتحالفات لا تخدم ألا الغرباء على حساب مصيرنا ومستقبل أبناءنا؟.

(ح) – كما أنهم حاولوا بموقفهم هذا تحريض إخوانهم كافة ودفعهم للوقوف صفا واحدا في مواجهة الغرباء للمطالبة بحقوقهم المشروعة وبشروط افضل للتعاون وللتعامل بينهم وتحسين ظروفهم أو أعادتهم إلى ديارهم وتركهم وشأنهم !!.

(خ) – كما ان خبرتهم وتجربتهم قد علمتهم بان نتيجة أي تعاون او تحالف أو اتفاق غير متكافئ تكون دائما في صالح الطرف الأقوى، ولقناعتهم بان الأمر ما كان لينتهي بهم إلى ما هم عليه من الموت والجوع والإهانة والتشرد ، ألا نتيجة الثقة بالأجانب والاعتماد عليهم والتعاون معهم !!. لذلك حاولوا النأيّ بأنفسهم عن أي ارتباط غير متكافئ.

مقارنة !!

وقد أحرج هذا الموقف من هؤلاء الرجال الشجعان رغم ظروفهم الصعبة، الإنكليز وأصدقائهم الآشوريين وباتوا يخشون من انتشار هذه الفكرة بين الآشوريين، لذلك ومن اجل ان يضمن الحلفاء النجاح لخطتهم للتحكم بالآشوريين واستغلال مقاتليهم، كان لابد لهم من التشدد والحزم في قمع وردع المعارضين لهذه الخطة بطريقة لا تثير الكثير من الاستهجان والشكوك وردود الافعال ، وتمكنهم في نفس الوقت من التخلص من اكبر عدد من هؤلاء المشاكسين وبأسرع ما يمكن !! (( لذا جرد هؤلاء المعارضون أولا من السلاح ثم القي القبض عليهم وسيقوا عنوة الى أشغال شاقة في منطقة وعرة بعيدة عن أهلهم وذويهم وعزلوا تماما عن العالم واجبروا تحت تهديد السلاح على العمل في تمهيد طريق ومد سكة حديد في منطقة جبلية وفي ظروف عمل صعبة وعوامل مناخية قاسية وعوملوا بإهانة غير مبررة وعنف مفرط في مكان يقـــال له” تحت صخرة بهستون “على الطريق الواصل بين كرمنشاه وخانقين لتذوي أجسامهم وتنحل قواهم من فرط الإجهاد والجوع والعطش والحر ومن ثمّ تفتكوا بهم الأمراض المعدية أو يرديهم صرعى رصاص حراسهم، ان حاولوا مغادرة المكان!!)) (8) (1\93) (3/112)

(4/90)(6/113) وقد مات ودفن فعلا عددا كبيرا منهم تحت صخرة بهستون5.

والمفارقة؛ ان الإنكليز هنا أعادوا مع المقاتلين الآشوريين الشجعان وكرروا بالضبط والتمام ما فعله الأتراك مع المقاتلين الأرمن الشجعان أثناء نفس الحرب العالمية الأولى وبحسب ما ذكر د.وليم ويكرام في كتابه ” حليفنا الأصغر ” والذي يقول بالنص ((يتم تجريد المجندين للخدمة من السلاح وهم نخبة الشعب الأرمني وزهرته ونقلهم الى وحدات الشغل يرسلون الى تعبيد الطرق وما إليها من الأشغال في مناطق بعيدة قليلة السكان ومعزولة فتذوي أجسامهم وتنحل من فرط الإجهاد والجوع والعري والتعرض لعوامل الطبيعة او ان يرديهم رصاص حراسهم صرعى)) (7/345) ومعلومة هي نوايا الأتراك حيال الأرمن حينها ونتائج سياستهم تلك معروفة للعالم اجمع ، أما هنا فلا ندعى أن غاية الانكليز كانت القتل العمد أو الإبادة الجماعية مثل الأتراك (ولو انهم لم يحاولوا دفع الموت عن احد من هؤلاء الرجال) أنما كانت هناك رغبة أكيدة

لدى الإنكليز في إضعاف عزيمة هؤلاء المقاتلين الشجعان وكسر شوكتهم والنيل من كبريائهم، من أول الطريق، لتأديب الباقين كي يسهل إخضاعهم فيما بعد!! ولو تطلب هذا الأمر التضحية بعدد غير قليل من هؤلاء المشاكسين!! بطريقة مماثلة تماما لحملة الأتراك على الأرمن تلك التي ذكرها د. ويكرام او شبيه بحملة “سفر برلك ” العثمانية السيئة الصيت!!.

إذن لم يختلف قط ما عومل به هؤلاء الرجال تحت صخرة بهستون عما فعله الأتراك بالأرمن الشجعان؟!! لقد كانت المعاملة متماثلة والنتيجة واحدة في الحالتين !!.

ماذا حدث تحت صخرة بهستون آب 1918؟؟

ان ما حدث تحت صخرة بهستون كان كارثة حقيقية ومأساة إنسانية وجريمة كاملة الأركان ، فهناك قتل (أميت) بطريقة خسيسة، نخبة مختارة من الرجال الآشوريين، نتحدث دائما عن الرجال الذين رفضوا التطوع في الليفي، وفي بهستون هذه خسرت امتنا (اكبر

عدد) من رجالها المقاتلين في موقعة واحدة خلال تأريخها الحديث (مئات او آلاف)، انها الفاجعة التي فاقت ببشاعتها وحجمها المآسي والمذابح الأخرى التي تعرض لها شعبنا فيما بعد !!.

وقد بالغ الحليف بقسوته الغريبة واللا إنسانية تلك (حجزه عنوة رجالا منهوكي القوى، في ظروف مناخية قاسية وفي بيئة تتفشى فيها الأمراض المميتة مع تقنين حاد للماء والطعام إلى حد الذي يبقيهم في حالة الجوع والعطش المستمرة ، مع التشديد في استنزاف قواهم البدنية على الدوام وإنهاكهم بواسطة الأشغال الشاقة التي لا تنتهي، وتعمده تعذيبهم نفسيا بحرمانهم من تفقد عوائلهم او تلقي أخبارها).

وهذا ما حدث بالفعل تحت صخرة بهستون في آب 1918 (8،1\93،3/112،4/90،6/113):

1- لقد استغل الحليف أمانة الآشوريين وثقتهم به، وتمكن بخدعة وتضليل وبالتهديد الصريح، من تجريد هؤلاء الرجال الشجعان من سلاحهم الخاص، بحجة تبديل السلاح الروسي الذي لا ذخيرة له بالسلاح الانكليزي الجديد، ومن رفض تسليم سلاحه اخذ منه بالقوة.

2- أثناء نقل الاشوريين من همدان الى بعقوبة ، أعّد الحليف كمينا على رأس جسر يعبر منه الآشوريون قيل ان يواسفة آشوريين ثلاثة من رجال الدين؛ أسقف وقسيس وشماس ( يواسفة جمع يوسف على وزن يعاقبة جمع يعقوب) وقفوا مع الضباط والجنود الإنكليز ضمن الكمين على رأس الجسر، لفرز كل رجل آشوري لم يقبل الخدمة في الليفي، ليلقى القبض عليه، ويضم للمعتقلين أثناء التخّيم قرب همدان الذين رفضوا تسليم سلاحهم!.

3- ومن ثمّ جرى فصل هؤلاء الرجال عن عوائلهم ونقلهم بالقوة الى موقع بهستون! حيث تركوا هناك في العراء تحت حراسة مشددة!!.

4- وان الآلاف من الرجال الآشوريين قد احتجزوا عنوة وتحت تهديد السلاح في ذلك المكان، فيهم الكثير من الاشوريين الحكاريين الذين رفضوا تسليم سلاحهم والتطوع في (الليفي) وأن اغلب هؤلاء الرافضين الحكاريين كانوا من تياري الجنوبية ، كبرى العشائر الآشورية.

5- عدد المحتجزين الآشوريين تحت صخرة بهستون:

أ- يقول المرحوم مالك يوسف مالك خوشابا(1،12) ” ان ألف وخمسمائة آشوري من وادي ليزان وقرية آشيثا من الذين رفضوا الخدمة في الليفي في همدان قد اعتقلوا ونقلوا للعمل بالسخرة تحت صخرة بهستون”…. ووادي ليزان كان يضم

عشر قرى آشورية مأهولة في التياري الجنوبية، ويكّون الوادي مع قرية آشيثا حوالي ثلاثة أرباع نفوس العشيرة المذكورة.”..

ب- ويؤكد الناجون من المأساة والشيوخ المعاصرون للحدث، ان الحكاريين وغيرهم من الذين لم يقبلوا العمل في الليفي في همدان القي القبض عليهم وسيقوا بالقوة الى بهستون، ويؤكدون على نفس العدد للمحتجزين الحكاريين الذي ذكره مالك يوسف(1500رجل)، علما ان الأمر (الاحتجاز) لم يقتصر على الآشوريين الحكاريين بل شمل معظم الآشوريين الذين لم يدخلوا الليفي.

ت- تقول المذكرة التي رفعها ا ت ويلسون الى وزير الدولة البريطاني لشؤون الهند والمتضمنة التقرير الإداري والمالي الذي كتبه الضابط الانكليزي أج ل جارج عن الاشوريين سنة 1919 في مخيم بعقوبة وهمدان(تقرر تكوين قوة غير نظامية من الرجال الاشوريين الأصحاء وينظم الباقون في فرق للعمل في تعبيد الطرق وكانت هناك معارضة منهم وهو نوع العمل الوحيد المتوفر)..

ث- والبروفيسور بر متي يقول ” كل الرجال الآشوريين الذين لم يقبلوا الخدمة في وحدات الليفي في همدان، سيقوا الى

فرق الأشغال لتمهيد طريق إستراتيجي تحت صخرة بهستون ” (6\113).

ج- وكورش ياقو شليمون من الآشوريين الاورميين يذكر ان حشدا كبيرا من الآشوريين عامة قد احتجزوا في بهستون وكان ذووه من ضمنهم !!(4/109).

ح- نينوس نيراري يؤكد ما ذهب إليه بر متي من ان ” كل الآشوريين من الرجال الذين رفضوا العمل في الليفي نقلوا للعمل في طريق إستراتيجي ومد سكة حديد في منطقة جبلية وعرة “(3)…

خ- كما ان صعوبة توفير المأوى وكذلك التقنين الشديد للماء والطعام لهؤلاء المحتجزين في بهستون والذين اخذوا على عجل، كان بسبب كثرة عددهم!! ، لأن أمر الالتحاق بالليفي شمل كل الرجال القادرين على حمل السلاح الذين يزيد عددهم على العشرة آلاف رجل في همدان، أي إن عددهم في بهستون بلغ عدة الآلاف! مقارنة بعدد المساقين للخدمة في الليفي او بعدد المحتجزين من رجال وادي ليزان وقرية آشيثا(1500رجل)!!.

د- ذكرت المصادر ان أكثر من سبعين ألف نازح خرجوا من اورميا آب 1918 (4) وان أكثر من خمسين ألف وصلوا همدان ودخلوا في الحماية الإنكليزية وأكدت المذكرة الإدارية الإنكليزية عن مخيم بعقوبة(12) التي سبق ذكرها ان أربعين ألف منهم قد تجمعوا في هذا المخيم نهاية كانون أول 1918، وذكر التقرير ان كتيبتين(اقل من ثلاثة آلآف رجل) قد تشكلت في همدان وتأخرت هناك للتدريب، وبذلك نفتقد اثر بعضة آلآف أخرى اذا أنكرنا إنهم او قسما منهم قد اخذ الى بهستون!!..

للعلم أيضا ان الرجال الذين رفضوا التطوع في الليفي أكثر من الذين قبلوا التطوع وان عدد المتطوعين اقل من ثلاثة آلآف كما ذكرنا، بمعنى ان عدد المحتجزين في بهستون كان بالآلاف ايضا ولم يتسنى لنا تحديد عددهم بالضبط…

6- مدة العمل:

لم ترد إشارات صريحة في المصادر التي تطرقت للفاجعة عن المدة التي استغرقها العمل القسري أي الاحتجاز هناك ونعتقد ان تمهيد طريق استراتيجي ومد سكة حديدية بآلات يدوية بدائية ونقل قضبانها حملا على أكتاف رجال منهوكي القوى في تلك الأرض

الوعرة والمناخ القاسي، تطلب قوة عاملة كبيرة وأشهرا من العمل، ويمكن استنتاج المدة التي استغرقها العمل ، مما ذكره ناجون ومعاصرون وما جاء منها مكتوبا من إشارات وتلميحات التالية :

أ- يذكر كورش شليمون: انه بعد يومين من وصولنا الى همدان في آب 1918جاء الجنود الانكليز وباشروا بجمع الرجال واعتقال الآخرين!!؟، ونقل من قبل العمل في الليفي الى موقع أفشينه جنوب همدان لتدريبهم بأسلوب عسكري من قبل العسكريين البريطانيين وكان اغا بطرس هناك معهم، بينما جرى في هذا الأثناء نقل العوائل على دفعات الى مخيم بعقوبة، “في حين افرز المعارضون للعمل في الليفي لسوقهم إلى موقع العمل تحت صخرة بهستون”، وبعد ان امضينا ثلاثة اشهر في التدريب في أفشينه تقرر نقلنا الى مخيم بعقوبة في العراق وفي الطريق عندما وصلنا الى كرمنشاه عثرت على اهلي بين الجموع الاشورية الكبيرة تحت بهستون (4/109)..

بمعنى ان هذه الجموع كانت تعمل تحت صخرة بهستون منذ ثلاثة أشهر خلت وإنها استمرت بالعمل هناك بعد ان غادر الليفي تلك الربوع.

ب- وهذا ما تؤكده المذكرة البريطانية عن إدارة مخيم بعقوبة التي تقول منذ الأيام الاولى لوصول الاشوريين الى همدان

في آب 1918، تم تكوين قوة شبه نظامية من الرجال الأصحاء ونظم الباقون في فرق للعمل في تعبيد الطرق….

ت- ذكر مالك يوسف ان من لم يقبل من الرجال الاشوريين بالعمل في الليفي في همدان أخذه الانكليز في شهري آب وأيلول للعمل بالسخرة تحت صخرة بهستون(1/94)، ولم يرجع الناجون منهم الى مخيم بعقوبة ألا بعد استقرت عوائلهم فيه أي في كانون أول، وهو ما أكده ايضا الناجون وذووهم والمعاصرون للحدث .

ث- لم يرجع الناجون عامة من هذه الكارثة والذين أطلق سراحهم إلى مخيم بعقوبة ألا بعد مدة من إعلان الهدنة في تلك الحرب (30 تشرين الأول) وبعد مدة من اكتمال وصول كل الآشوريين الى المخيم في أواخر تشرين الثاني وأوائل كانون الأول 1918.

ج- اذن تتفق كل هذه المصادر على ان البداية بالعمل تحت صخرة بهستون كانت في آب 1918 فور وصول الاشوريين إلى همدان وتذكر بعض هذه المصادر مؤكدة بشهادة الناجين والمعاصرين، على ان عودة الناجين إلى مخيم بعقوبة كانت بعد اكتمال استقرار كل العوائل فيه في كانون الأول 1918 وبعد الإعلان عن نهاية تلك الحرب.

ح- يستنتج مما سبق ان مدة العمل جبرا تحت صخرة بهستون لهؤلاء الرجال زادت عن ثلاثة أشهر(من آب لغاية كانون الأول 1918) ولم يتسنى تحديدها بالأيام.

7- وإنهم عزلوا هناك عن العالم تماما و حرموا من زيارة وتفقد عوائلهم في تلك الأوقات العصيبة (انقطعت أخبارهم و صاروا في عداد المفقودين). هل هناك أصدقاء او حلفاء او أجراء يحرمون حتى من مجرد تلقي أخبار ذويهم ؟.

8- هناك اجبر هؤلاء الرجال تحت التهديد بالقتل وبالضرب وأنواع التعذيب والحرمان من الطعام والماء والنوم، على القيام بأشغال شاقة مضنية لساعات النهار وأطراف الليل في تسوية الأرض وكسر الصخور وحمل الحجر وتمهيد الطريق في منطقة جبلية وعرة واستخدموا لنقل قضبان حديدية لسكة قطار، في تلك البقاع وهي أعمال تفرض عادة على المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبدة بقصد إجهادهم وإنهاكهم وإيقاع الأذى والضرر بهم للتخلص من اكبر عدد منهم!!.

9- وإنهم تركوا في العراء تحت صخرة بهستون ليل- نهار!! رغم الظروف المناخية القاسية (حرارة الصيف) التي لم

يألفها هؤلاء الجبليون ، ورغم ما كان يلم بهم يوميا من التعب والإرهاق الشديدين فلم يكن هناك مكان يأوون إليه في فترة القيظ أو في الليل او مصدر ماء يطفئون ظمأهم منه سوى مياه السواقي الملوثة التي نشرت الأمراض المعدية الفتاكة بينهم ،أمراض كانت جديدة عليهم!.

10- والانكى ان الطعام والماء قد استخدما كوسيلة للضغط عليهم والعقاب لهم والتهديد بحرمانهم منهما، فضلا عن قلة الكمية ورداءة نوعية الطعام المقدم لهم وشحة الماء او عدم صلاحيته للشرب! وحرم عليهم الحصول على الطعام والماء من أي مصدر آخر( يحكى ان اسكندر لاوندو المشهور بحبه للدولمة، قد تحاشى الاقتراب منها او تناولها بالسر، خوفا من العقوبة، اذا كشف أمره، لأنها مرسلة من ذويه الذين مّروا بالقرب من صخرة بهستون في طريقهم إلى مخيم بعقوبة).

11- لم يكن هناك ادنى درجة من الاهتمام بالأمور الوقائية والصحة العامة في المعتقل كتلك المعروفة عن الانكليز، وأهمل تماما معالجة المصابين بالأمراض المعدية التي انتشرت بينهم، لقد ترك المصابون بين زملائهم الأصحاء ليختلطوا بهم، ويقوم هؤلاء برعايتهم والعناية بهم.

12- إنما في المقابل اهتم حلفاءهم!! بوضعهم تحت الحراسة المشددة والمراقبة المباشرة المستمرة أربعة وعشرين ساعة وأحاطوهم بالجنود المدججين بالسلاح الذين لا تفارق أصابعهم الزناد !.

13- ومن حاول منهم النجاة بحياته وجازف بمغادرة مكان عمله هذا(جرب حظه بالإفلات)، أطلقت عليه النار او أعيد الى مكانه بالقوة مع تشديد العقوبة و زيادة ساعاتها.

14- وان ما رواه الناجون عن نمط العلاقة وأسلوب المعاملة وظروف العمل داخل هذا المعتقل، يتطابق تماما مع الظروف والأساليب التي تسود معسكرات الاعتقال ومراكز تجميع الأسرى ويناقض بالمرة فكرة التعامل بين الحلفاء او العمل بأجر! التي حاول البعض ترويج لها !!.

15- وتأكد من شهادة الشهود (الناجين) وما أفاد به الشيوخ المعاصرون للحدث ان الكثير من هؤلاء الرجال قد فقد حياته (استشهد) ودفن هناك ولم يرجع الى أهله في مخيم بعقوبة ابدا، ” كل يوم كان يموت عددا منهم ” 7(6/113)(8) ودون إشعار ذويهم عن مصيرهم!! .

16- أن الكثير من الناس الآن لم يسمعوا إن قريبا لهم قد مات في مخيم بعقوبة رغم انه كان يموت فيه ما بين أربعين الى خمسين شخصا يوميا وهي حقيقة موثقة، وقد دفن فيه أكثر من (5) آلآف آشوري في اقل من سنتين، وأن أغا بطرس قد أقام فيه وفي احتفال عام نصبا تذكاريا لأربعة عشر ألف شهيد آشوري قضوا بين اورميا وبعقوبة!!.

هل يكفي لأذكار حقيقة ما ، مجرد قولنا “أنا شخصيا لم اسمع بها” كما يفعل البعض ؟!.الذي يبدو انه يقلد النعامة التي تضم رأسها فلا ترى الآخرين وتعتقد إنهم غير موجودين!!.

للعلم فان مخيم بعقوبة اعّد ليكون مكان أمان ومرحلة نقاهة ومحطة استراحة للآشوريين بعد خمس سنوات عجاف، فقد أقيم على ضفة النهر وبين بساتين النخيل والبرتقال والعنب وروعيّ في تصميمه ليكون مدينة حديثة من الخيم الجديدة الممتازة ” المدينة البيضاء ” شقت فيه الطرق ووفرت فيه الإنارة والمياه الصالحة للشرب وطبق فيه نظام لتوزيع الطعام على قياس المواطن الإنكليزي وجهز بنظام الصرف الصحي وطبقت فيه معايير النظافة الأوربية وفتحت فيه المستشفيات والمراكز الصحية التي يديرها أطباء إنكليز وهنود أكفاء ، جهزت بالأدوية والأسرة مع إمكانية لعزل المصابين بالأمراض المعدية في محجر خاص، وتمتع سكان المخيم بقسط طويل من الراحة والأمان ، مع ذلك مات فيه (5) آلآف آشوري، من ساكنيه !! منهم 3250 ضحية في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 1918، بالتزامن مع مأساة بهستون!، (المذكرة البريطانية /12) .

فلماذا نستغرب ونستنكر وفاة (المئات او الآلاف) تحت صخرة بهستون وفي ظل تلك الظروف القاسية واللا إنسانية التي أشرنا إليها أعلاه !؟.

17- أما كيف انتهت هذه المأساة ؟.

وكيف تخطى هذه المحنة من بقيّ منهم على قيد الحياة؟!.

فقد تضافرت عوامل آشورية وإقليمية مع تلك التي تخص الحليف وإستراتيجيته في المنطقة، لنجدة هؤلاء المساكين أدت بالنتيجة لتغيير موقفه والى قراره بإطلاق سراح من بقي منهم:

(1) كان لموقف مالك خوشابا فور وصوله همدان واحتجاجه واستنكاره الشديدين للإجراءات الظالمة التي مورست ضد هؤلاء الرجال تأثير في إنهاء المعاناة !!.

(2) الموقف المشّرف للآشوريين الاورميين الأحرار، الذين رفضوا أيضا الانضمام الى قوات الليفي ورفضوا قرار الترحيل الى

بعقوبة او مغادرة إيران وبقوا في همدان، وزار وفد منهم العاصمة طهران وقابل سفراء وقناصل الأجانب فيها وتباحث معهم بشأن القضية الآشورية وأطلعهم على أحوال الاشوريين.

(3) تصاعد حالة البلبلة والتذمر بين صفوف الآشوريين في مخيم بعقوبة وتزايد قلق العوائل على حياة رجالها المعتقلين تحت صخرة بهستون نتيجة للأخبار السيئة التي تتسرب من المعتقل!!.

(4) حجم الموت الذي صار اكبر مما توقعه الحليف وخطط له ووتيرة الوفيات التي تصاعدت بسرعة اكبر مما يمكنه السيطرة عليها او التحكم بها او إنكارها او إخفائها.

(5) خشيته من افتضاح أمره أمام الرأي العام الغربي واتهامه بارتكاب جريمة ضد الإنسانية، خصوصا بعد شعوره بوجود من يهتم لمصير أبناء هذه الأمة الصغيرة من البعثات التبشيرية والدبلوماسية الأمريكية والفرنسية والتي ترصد الحالة الآشورية وتراقب طريقة التعامل معهم.

(6) شعوره بتزايد مسئوليته تجاه العوائل التي لا معيل لها وتجاه الأرامل واليتامى الآشوريين، ومساهمته في تفاقم مشكلتهم

بما يضيفه إليهم يوميا تحت بهستون وإحساسه بتنامي الثقل الإنساني والاجتماعي والعبء المالي الذي يتطلبه رعاية هذه الشريحة .

(7) حاجة الحليف الملحة الى الآشوريين ككل والى المزيد من المقاتلين الشجعان للعمل على فرض الأمن والنظام وأحكام سيطرته على بلاد الرافدين وطرد الأتراك من شماله.

(8) بعد نهاية الحرب وإبرام الهدنة فقدت إيران والطريق الإستراتيجي في غربها بعضا من أهميتهما وقلل الحليف من اهتمامه بالسيطرة العسكرية المباشرة على شمال غربي ايران فلم تعد هناك حاجة ملحة الى صرف المزيد من الجهد والمال والتضحية بالرجال هناك وانما مال لتركيز اهتمامه على العراق ومستقبله وعلى الدولة التي ينوي إقامتها فيه.

(9) اضطراره لتقليص نفقات ميزانيته المنهكة بسبب الحرب والتزامه سياسة التقشف الصارم والحد من الصرفيات في مستعمراته الواسعة ، ولتحقيق ذلك فهو بحاجة ماسة الى استخدام مقاتلين شجعان من أبناء البلاد الأصليين ، بأجور متدنية لتعويض جنوده المرهقين ذوي الرواتب العالية ، الذين سيعيدهم الى بلادهم أما لتسريحهم او للراحة .

(10) إدراكه ولو متأخرا للمكانة المتميزة التي يتمتع بها هؤلاء الرجال ضمن القوة القتالية الآشورية وتقديره للأثر الإيجابي الذي سيتركه وجودهم بين المقاتلين الآشوريين الذين ينوي الاستفادة منهم.

كل هذه العوامل وغيرها أخرى داخلة في إستراتيجيته في الشرق الأوسط ، أجبرت الحليف على إنهاء هذه التراجيديا واعادة النظر بموقفه المتشدد من هؤلاء الرجال وقراره بالإفراج عمن بقي حيا منهم ، لكن بعد ان صاروا في حالة من الضعف والوهن والهزال ، استصعب معها حتى ذووهم التعرف عليهم، وتمت إعادتهم بالعربات الى مخيم بعقوبة ، وهناك احتاجوا الى فترة نقاهة طويلة الى ان استعادوا عافيتهم !!.

18

– عدد الضحايا(الشهداء)!

ولأن الموت حدث للأسباب التالية والتي سبق ذكرها:

1- المعاملة القاسية والعنف الزائد كالضرب والتعذيب والإهانة وأنواع العقوبات الجماعية والفردية، البدنية منها والنفسية.

2- الضعف الشديد والهزال نتيجة التعب والإرهاق المستمر منذ خمس سنوات خلت والذي تفاقم بالأشغال الشاقة ونوبات العمل الطويلة التي تمتد لساعات النهار وأطراف الليل.

3- سوء التغذية والجوع والعطش والحرمان من الأكل وشرب الماء والنوم كعقوبة، ناهيك عن قلة كمية الطعام المقدم لهم، وعدم صلاحية مياه السواقي الراكدة للشرب.

4- كارثة الأمراض المعدية والانتقالية مثل الكوليرا والتيفوئيد و(الديزانتيري) والتيفوس التي انتشرت بينهم بسبب:

أ- انعدام الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية في المعسكر وعدم الاهتمام بمراقبة الطعام ومياه الشرب.

ب- الازدحام الشديد في مكان العمل وموضع الحجز.

ت- اضطرارهم للشرب من مياه السواقي كمصدر وحيد والتي تلوث من قبل الموجودين والعاملين هناك والذين يستعملون الساقية لكل أغراضهم!.

ث- عدم حجز او فرز المصابين بالأمراض المعدية، او معالجتهم على حدة، إنما تركوا بين رفاقهم، ليقوم هؤلاء برعايتهم والعناية بهم ودفنهم عندما يموتون!.

5- الحالة النفسية المزرية والحزن والأسى الذي خيم عليهم للخسائر الجسيمة التي لحقت بهم والقلق الشديد الذي ساورهم على عوائلهم ومصير أطفالهم وذويهم.

6- تركهم في العراء في تلك الظروف المناخية القاسية، وعدم توفير مأوى يلجئون اليه في فترة القيظ نهارا او ينامون فيه أثناء الليل.

ولكي نتمكن من تحديد عدد الرجال الذين فقدوا حياتهم من الآلاف الآشوريين المحتجزين تحت صخرة بهستون، وان نعطي فكرة عما حصل ونرسم صورة تقريبية للموت الذي حدث تحت صخرة بهستون نستعرض ما ورد في المصادر المدونة القليلة التي تطرقت للمأساة ونستعين بما ذكره الناجون والمعاصرون ومن خلالها يمكن التوصل الى عدد الضحايا الأقرب الى الواقع.

أ- فقد ذكر الباحث الأكاديمي الآشوري البروفيسور قسطنطين ماتييف برمتي ” ان كل من لم يقبل من المقاتلين الآشوريين التطوع في الليفي في همدان (ربما آلآف) اجبر على العمل في فرق الأشغال تحت صخرة بهستون وان الكثير منهم قد مات هناك، ويضيف بر متي كان يموت يوميا ستون رجلا منهم! “، ولكنه لم يتطرق بالضبط الى اجمالي عدد المحتجزين ولا عدد المتوفين ولم يحدد مدة العمل ، نعتقد بان تمهيد طريق لسكة قطار في منطقة وعرة كمنطقة بهستون يحتاج الى قوة عاملة كبيرة ويستغرق وقتا ليس بالقصير!.

ب- أما مالك يوسف مالك خوشابا فقد ذكر ” انه القي القبض على ألف وخمسمائة من الحكاريين الذين رفضوا العمل في الليفي وعقابا لهم نقلوا عنوة في شهريّ آب وأيلول للعمل الإجباري (أعمال سخرة) في تمهيد الطريق تحت صخرة بهستون وإنهم واحتجزوا هناك، وان العمل استمر إلى أن وصلت واستقرت عوائلهم في مخيم بعقوبة، وان نصف هؤلاء الرجال ” لم يعودوا إلى عوائلهم، ومالك يوسف نفسه كان معاصر للحدث.

ت- ويقول الشماس داود بيت بنيامين الاشوتي في مذكراته وهو معاصر أيضا بان الكثير من الآشوريين الحكاريين قد ماتوا تحت صخرة بهستون.

ث- ويؤكد القس بنيامين صليو الاشوتي بان أربعين رجلا ومن قبيلة واحدة من القبائل السبعة لعشيرة تياري الجنوبية قد مات تحت صخرة بهستون، رغم كون هذه القبيلة أكثر قبائل العشيرة مساهمة في قوات الليفي تلك!(9).

ج- أما الأقوال المتواترة والمنقولة عن الناجين من المعتقل وعن الشيوخ المعاصرين للحدث(10)، فتذكر بانه كان هناك موت بالجملة واكثر مما يمكنهم إحصائه وان نصف الحكاريين المحتجزين تحت صخرة بهستون لم يعد الى أهله في بعقوبة أبدا.

وعليه يمكن مناقشة المعطيات التالية:

(1) ان المكانة الأكاديمية والدرجة العلمية والحصانة البحثية التي يتمتع بها البروفيسور قسطنطين بر متي تضفي رصانة ومصداقية على ما يورده ، لذا يجدر ان نشير أولا الى المعلومات التي أوردها البروفيسور بهذا الخصوص والتي استقاها ونقلها من مصادر موثوقة فهو يؤكد ” كان يموت يوميا ستون شخصا منهم ” (6/113)، استنادا إلى ا.ت ويلسن: ميسوبوتيميا 1917-1920، صراع الولاءات ، لندن 1931، أ.ت ويلسن هذا كان المندوب السامي البريطاني في العراق في حينه والمسؤول عن أدارة شؤون العراق كله والمشرف المباشر على الشأن الآشوري، وويلسون هنا يكتب من الوثائق والتقارير السرية الإنكليزية الرسمية الدقيقة!…

وقد سبق ان حددنا الفترة في باب مدة العمل بما يزيد على ثلاثة أشهر، ونحن نخسر أكثر من خمسين شخصا في اليوم الواحد، لنقول في هذه الحالة، وبناءا على هذه المعطيات ولكي لا نتهم بالتحامل والغلو، لنحسب ضحايانا في شهر واحد وليس في ثلاثة أشهر كما هي الحقيقة، فيكون اقل تقدير لعدد الضحايا تحت صخرة بهستون من الآشوريين في مدة أربعة أسابيع فقط (بمعنى في شهر واحد وليس ثلاثة أشهر) أكثر

من ألف وخمسمائة رجل بحسب ويلسون وبارمتي، ونكرر أكثر من (1500) في أربعة أسابيع فقط (شهر واحد) وهي اقل من المدة الحقيقية للعمل تحت صخرة بهستون كما أوضحنا، مقارنة ب(1443) حالة وفاة بين الاشوريين في مخيم بعقوبة المريح في شهر واحد أيضا(تشرين الأول 1918)(11).

(2) المرحوم مالك يوسف والمصادر الآشورية الاخرى التي تطرقت للموضوع وكذلك ما ورد في شهادات الناجين من المعتقل والشيوخ والكبار المعاصرين فيؤكدون جميعهم إن “نصف الألف والخمسمائة من الآشوريين الحكاريين الذين احتجزوا هناك فقد ولم يعد الى أهله في مخيم بعقوبة أبدا ” بمعنى ان حوالي(750) مقاتل فقد أثره ولم يرجع الى ذويه في مخيم بعقوبة أبدا، نكرر بان الاحتجاز في بهستون لم يقتصر على الآشوريين الحكاريين فقط!!.

(3) ومما يؤكد بشاعة ومأساوية الحالة تحت بهستون هو ما أثارته من قلق وارتباك الحليف وخشيته من افتضاح أمره واحتمال اتهامه بسوء معاملة الآشوريين “حليفه الصغير”، لأن حجم الموت هناك صار اكبر مما توقعه وخطط له وان معدل الوفيات تصاعد بسرعة اكبر مما يمكنه السيطرة عليه او إنكارها ومما لاحظه من تصاعد حالة التذمر والبلبلة والقلق بين سكان مخيم بعقوبة نتيجة

لتسرب أخبار الفاجعة من معتقل بهستون لذا حاول تدارك الموقف بسرعة والتعتيم على ما حدث فعمد الى إطلاق سراح من تبقى من الرجال الهزيليّ البنية وأعادهم الى بعقوبة مع اهتمام ظاهري خاص بهم لتغطية فعلته.

(4) إذن الذي يمكن ان نستخلصه وبلغة الأرقام مما ورد أعلاه هو ان اقل عدد للضحايا الآشوريين الذين فقدوا حياتهم نتيجة اعتقالهم وتجويعهم وإنهاكهم وتركهم فريسة للإمراض المعدية تحت صخرة بهستون كان بين (1500- 750) رجل مقاتل…. وإذا كان العدد 750 ضحية من الاشوريين الحكاريين شبه مؤكد لأنه كان هناك شهود عيان ومعاصرين ومدونات، والحكاريون لم يكونوا الغالبية بين المعتقلين هناك (9/160) بمعنى انهم اقل من نصف الجموع تحت بهستون،ومات منهم 750 رجل(نصفهم)، وربما كان هؤلاء الحكاريون أكثر قدرة على تحمل المشقات وأكثر قابلية على مقاومة الظروف الصعبة ومع ذلك مات منهم هذا العدد!، في هذه الحالة ممكن القول بوجود أكثر من 750 ضحية أخرى بين الآشوريين الآخرين في بهستون والذين هم أكثر عددا من الحكاريين وربما أقدم منهم في ذلك العمل هناك!، فيكون العدد1500ضحية هو الأقرب إلى الواقع بالنسبة لجموع الاشوريين المعارضين المحتجزين في بهستون!… وحتى نصف هذا العدد من التقديرات والذي أتفق عليه كما اشرنا أكثر الناس قربا من الحدث وتأثرا به من شهود عيان الذين استعصى عليهم إحصاء الموتى ومن خبرة المعاصرين له من الآشوريين أي (750) سبعمائة وخمسين من الرجال الشجعان!! من دون ان نضربه في ثلاث(مدة العمل بالأشهر)، فأنه كارثة ومأساة حقيقية ورقم ضخم له وزنه وتأثيره الكبير بالنسبة لأبناء هذه الأمة …

مع ذلك فان قتل هؤلاء(750 او1500 ) آشوري بهذا الأسلوب الخسيس كان وصمة عار وإهانة تأريخية للقائمين بها ، لقد كان بإمكان هؤلاء الأبطال ومثلهم آخرين غيرهم كثيرين دفنوا تحت صخرة بهستون، عمل الكثير لأمتهم في ساحات النضال كما سبق لهم ، وكما كانوا دائما موضع إعجاب وتقدير ومصدر فخر واعتزاز.

19- للمقارنة:

نقول: في اعنف المعارك الآشورية التأريخية والمصيرية وفي أطولها وأكثرها شراسة ودموية في الحرب العالمية الأولى مثل معركة قلعة جارا للثأر لمار بنيامين ومعركة نهر براندوز الشهيرة ومعركة جبل سيري للدفاع عن مدينة اورميا، والتي خاضها الآشوريون ضد هجمات فرق الجيش التركي النظامي، وآلاف المتطوعين المحليين وما سبقها وما تلاها من معارك حاسمة، لم

يخسر الآشوريون أكثر من مائة مقاتل في المعركة الواحدة، والمقارنة هنا تكفي لتقدير حجم الخسارة التي أصابت الأمة نتيجة لهذه المأساة المدبرة والنيران الصديقة !! والصمت المطبق إزاءها.

أتمنى ان تكون الصورة عما حدث وعن عدد الشهداء الآشوريين الذين فقدوا حياتهم تحت صخرة بهستون قد توضحت بعض ملامحها!! . وتكشفت حقائق جديدة ربما لم نسمع بها قبلا، ونأمل ان نكون قد بدئنا الخطوة الأولى الصغيرة على الطريق التي تؤدي الى الكشف عن جريمة ارتكبت بحق أبناء شعبنا الأبرياء هناك !!.

هراء العمل مقابل أجر !! وحكاية قران واحد باليوم!!.

20- لم يذكر أحد من الناجين انه كسب قرانا واحدا من عمله تحت صخرة بهستون !!. ولم يرو المعاصرون للحدث شيئا عن ذلك 6. وهل فيما ذكر أعلاه ما يدل عن الحد الأدنى من حرية

الاختيار والعمل أو ما يوحي أن العملية مجرد فرصة عمل مقابل اجر؟؟.

ومما يؤسف ان يكون هناك من بين الآشوريين من يهمه شخصيا تبرئة ساحة المسئولين عن هذه المأساة، ومن يجاهد للدافع عن مرتكبيها والمتسترين عليها، محاولا تمييع الأمر مرة والادعاء بأنها كانت ” فرصة عمل مقابل أجر ” مرة أخرى (9/160)، فيقول: ان عدد المحتجزين تحت بهستون! قليل، بعضة أشخاص (9/161) ليعود سريعا ويؤكد بأنهم كل الشباب والرجال الآشوريين الذين لم يقبلوا بالخدمة في الليفي!!(9/160)، ويضيف ان بعضا من هذه (البضعة المحتجزة) قد مات هناك موتا طبيعيا(9/161)!! (كان يموت ستون شخصا منهم يوميا 3/116) ويستدرك بأن الموت لم يكن بسبب الأسر والتعذيب والعطش (9/161) ، ويشبه الأمر بما كان يحدث في مخيم بعقوبة(كان يموت فيه ما معدله من أربعين – خمسين شخصا يوميا حسب قوله 9/161)…. والمعروف عزيزي القارئ ان المتوفين في بعقوبة كانوا من الشيوخ والمسنين والمرضى المزمنين والضعفاء بسبب التعب والإرهاق وقسوة المناخ وفيهم الكثير من المصابين بالأمراض المعدية.. بعكس الضحايا في بهستون من الرجال الأقوياء القادرين على العمل وحمل السلاح والقتال،.. لا بل استنكر هذا البعض على الآشوريين عدم إطاعة أوامر الحليف دون نقاش واتهمهم بقلة الوفاء وعدم الإخلاص

ونكران الجميل 7… كأنما كل التضحيات والخسائر التي قدمها الآشوريون الى جانب الحلفاء الى ذلك الحين لم تكن كافية وسخر هذا من القول ان القسوة كانت مقصودة .. وزعم إنها (القسوة) من إيحاء البعض، حسب رأيه 9/161!!.

هل يعقل عزيزي القارئ ان هؤلاء الرجال الأحرار الذين شّبوا على نسيم الحرية في جبالهم، وشهد الجميع ببسالتهم وشجاعتهم، أيعقل انهم اختاروا بمحض إرادتهم و دون قسر أو تهديد ذلك النوع من العمل وارتضوا لأنفسهم كل تلك الظروف المأساوية ووافقوا على ترك عوائلهم وأطفالهم في ذلك الزمن الصعب مقابل قران واحد في اليوم كما يزعم هذا البعض؟.

عن أي عمل وعن أي أجر يتحدثون!!؟

لقد سبق ان عرفنا نوعية العمل!! وكذلك اطلعنا على الظروف والأحوال التي كان يعيشها الآشوريون حينذاك (قوم مشردون يعانون من الضعف والإنهاك والجوع والعوز والأمراض السارية ،يحجز رجال منهم في مكان معزول وفي ظروف بيئية قاسية للغاية ويجبرون بالقوة على العمل ليل- نهار في تسوية ارض جبلية وعرة وكسر الحجر وحمل

القضبان الحديدية الثقيلة كعمل سخرة دون مقابل ومات الكثير منهم نتيجة ذلك) (3\116).

وأما الأجر فحدث ولا حرج يقولون!! “قران واحد باليوم” ويقدر مؤلف الرواية (4\110) ومرددها(9)، قيمة القران- إذا كانت له قيمة تذكر- بما يعادل “ريال” إيراني واحد في سنة 1985 والريال يساوي عشرين فلسا عراقيا (في حينه وصل سعر المخيط وهي ابرة كبيرة الى الروبية التي كانت تساوي 75 فلسا) . فقران واحد(عشرون فلسا) باليوم في الشهور الأخيرة من حرب عالمية دامت خمس سنوات، شلت مجمل النشاط الإنساني بضمنه الاقتصادي وانشغل العالم فيها عن الزراعة والصناعة والتجارة واستغل الباقي منها لخدمة المجهود الحربي وشحّت المواد الأساسية وتصاعدت أسعارها، بينما تدنت قيمة العملة الى أقصى درجاتها وساد التضخم والغلاء جهات العالم، ترى ماذا كان يساوي القران الواحد في خضم هذه الدوامة ؟ وما حقيقة قوته الشرائية ليجازف المقاتلون الآشوريون بحياتهم ومصير عوائلهم من اجله في ذلك الزمن الصعب؟.

وبالمناسبة فان الدول والحكومات كافة تمنح السجناء حتى المحكومين منهم بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة والأسرى ” أجرا رمزيا ” كحق شرعي تقرّه النواميس كافة(من يعمل يستحق أجره)، ودليل لصلتهم بالحياة، علما ان المصادر والوثائق بهذا الصدد تؤكد على ان العمل كان بالسخرة ودون مقابل!!(3/116).

فقران واحد باليوم ” أجر رمزي ” لرجال محكومين بالموت، ليس ألا !!!.

ورغم كل ذلك وعلى أساس هذا الزعم لنفرض ان الأمر مجرد فرصة للعمل مقابل اجر حقا !!.

أولا: لو ان المسألة هي”عملية شغل” فهذا معناه أن هناك عملية إنتاجية أو خدمية ، تلتقي فيها مصلحة طرفين كل منهما بحاجة للآخر لتحقيق غايته ، رب العمل بحاجة لمن ينجز له عمله ،هنا أن يمهد الطريق لتسهيل عمليات نقل وتموين جهده العسكري وهو أمر حيوي، لذا فهو سيعمل بأمانة لتهيئة افضل الظروف التي تساعد القائمين بالعمل، والطرف الثاني يكسب مالا هو في أمس الحاجة إليه لتحسين أوضاعه المعشية المزرية ولدفع غائلة الموت جوعا عن أهله وعائلته لذا فهو سيتفانى في أداء واجبه، ومن مصلحتهما في هذه الحالة أن تكون العلاقة بينهما حميمة وودية، ويحرص كل منهما على استمرار العمل بأعلى وتيرة…هل كان حقا هذا هو نمط العلاقات التي سادت تحت صخرة بهستون!؟.

ثانيا : كما أن الآشوريين في ذلك الوقت كانوا يعانون من “بطالة جماعية” وفي حاجة ماسة لإيجاد مورد مالي بعد ان تركوا قراهم ومزارعهم منذ سنوات وضاعت أملاكهم وسلبت مواشيهم وأوشكت أن تنفد ذخائرهم وأظن انهم كانوا سيتسابقون طوعا للامساك بتلك الفرصة عن رغبة وحاجة ، حينها ما مبرر تجريدهم من السلاح بالقوة ؟ ولماذا الكمين الذي نصب لهم على راس الجسر لإلقاء القبض عليهم؟ وما مسوغ استعمال العنف و الشدة لسوقهم تحت تهديد السلاح الى ذلك المكان الذي مجرد ذكر اسمه كان يجعل أبدان الناجين والمعاصرين تقشعر؟. وما تفسير الحراسة المشددة والطوق الذي ضرب حولهم ليل- نهار والحرمان من زيارة الأهل ؟؟.

ثالثا : إن الظروف الصعبة والمعاملة السيئة التي سادت معتقل بي ستون ومنظر الموت بالجملة والأجر! الذي لا يساوي شروة نقير، كانت اكثر من كافية لإقناع أي انسان في العالم لترك المكان والانسحاب من العمل في تلك الظروف لو كان الأمر باختياره أو أن العملية مجرد عمل مقابل أجر…

ما من احد يمكنه ان يثبت ان آشوريا واحد من آلاف الموجودين هناك، قد ذهب الى بهستون بمحض إرادته وحاجته للعمل!! وكذلك لا احد يستطيع إن يثبت أن آشوريا واحد قد انسحب من ذلك العمل سالما وحسب رغبته!؟.

رابعا : كذلك إذا كانت هذه مجرد فرصة للعمل و مصدرا للرزق، فقد عرض عليهم الانكليز قبل بهستون فرصة عمل مريحة ومثالية (العمل في وحدات الليفي والتعامل مع السلاح وهو افضل عمل يجيدونه) وإنها تلبي احتياجاتهم المادية، وتلاءم طبعهم و توافق مزاجهم وتسد حاجتهم إلى الشعور بالأمان و حماية أنفسهم وعوائلهم في تلك الظروف، كما وأن حمل وامتلاك السلاح هي من القيم العليا في الحياة التي يعتزون بها والتي يسعون أليها دائما ، وأكيد ان ظروف العمل هنا(التدريب في الليفي) ومعاملة مدربيهم لهم كانت اكثر إنسانية وشفقة ، ولا تقارن مطلقا بظروف صخرة بهستون ، وان توفير الطعام والماء كان على قياس الجندي البريطاني، في ظل العناية والرعاية الصحية الممتازة، دعك من المقابل (الراتب أو الأجر) فهو أعلى بكثير الكثير من فرية (قران واحد في اليوم) !!.

خامسا : كما وان مؤلف المصدر الوحيد والذي استنبط فكرة “العمل مقابل أجر” التي تلقفها البعض وحاول تسويقها وهو نفسه (المؤلف) كان من المتطوعين للخدمة في (الليفي) وبرتبة عريف، عندما علم بعد ثلاثة أشهر(تفاجئ) بوجود ذويه مع الحشود الآشورية الكبيرة في بهستون ، وسّط الضابط الإنكليزي المسؤول عنه للإفراج عن أهله وإنقاذهم من المعتقل ! ووضعهم في عربة واصطحبهم معه إلى مخيم بعقوبة وقد غمره الفرح والابتهاج لنجاحه في ذلك (4/96)

ترى لماذا لم يتركهم يعملون ويكنزون القرانات، وهو صاحب نظرية العمل والأجر والقرانات هذه؟!!.

سادسا : نتسأل لماذا رفض هؤلاء الرجال هكذا فرصة مريحة ومربحة للعمل (العمل في الليفي)؟ وتحملوا الشقاء والعذاب والموت!!؟ لو لم يكن رفضهم مبنيا على قناعة وأسباب حقيقية !! وكان الرفض بمثابة احتجاجا على سوء معاملتهم وتردي أحوالهم وضياع أملاكهم ومجهولية مستقبلهم ،عبروا عنها ببساطة مباشرة متحملين عواقب وخيمة، ودفعوا ثمنا باهضا استحقته قضيتهم… عزيزي القارئ لم يكن من السهل أبدا في مثل ظروفهم وأيامهم تلك مواجهة الأقوياء وتحدي الكبار. أن هذا الموقف تطلب جرأة وشجاعة فائقتين توفرتا أصلا لدى هؤلاء الرجال !،وقد أثار موقفهم هذا ويثير الإعجاب في كل حين وكلما دقق النظر فيه!!.

وليس من العدل والإنصاف ان يحاول كائن من كان تبرير هذا القتل وكل تلك القسوة والشدة والعنف المفرط الذي استعمل مع هؤلاء الرجال الشرفاء ، والمشرفين على الموت من شدة الإنهاك والجوع وقسوة الظروف وغلاظة الصديق ،وقد أدى ذلك فعلا إلى موت المئات منهم (كان يموت يوميا ستون شخصا ،6\113) أن الحد الأدنى من الروح القومية والقيم الإنسانية والالتزام الأخلاقي يحتم أن نشيد بشجاعتهم وجرأتهم وان نحيي موقفهم الجسور وأن نظل

نستنكر وندين أي قتل لأبناء أمتنا (ولو كان بنيران صديقة!) لا أن نبرره!!. كما يفعل البعض المغرم بإعادة كتابة التاريخ!!.

نتائج ما حدث تحت صخرة بهستون:

فقدان المئات من المقاتلين الآشوريين الشجعان لحياتهم مع استمرار وتبلور الخلاف في وجهات النظر حول الكثير من المسائل التي تخص مصيرهم ومستقبلهم مثل أسلوب إدارة أمورهم الداخلية وعلاقاتهم بجيرانهم وبحكامهم وبوطنهم وموقفهم من الحرب وصلاتهم بالأجانب، ومن النتائج المأساة:

(1) – من أهم النتائج المباشرة لهذه المأساة هي أن الأمة قد خسرت مقاتلين متمرسين وفقدت قوة جسورة من أبناءها كانت في أمس الحاجة إليها.

(2) – فشل الآشوريون بالظهور موحديّ الصف في أول اختبار حقيقي لهم للمطالبة ببعض من حقوقهم المشروعة، إذ اندفع فريق منهم للتعاون مع الأجنبي والعمل معه، بينما قال الفريق الآخر بتعاون مشروط وخدمة متبادلة وتحقيق المصالح للطرفين.
(3) – وجود معارضة قوية رغم الظروف المأساوية التي كان يعيشها الآشوريون ، لما يفرض عليهم، تعبر عن آرائها وتتبنى مواقف جريئة تميزت بالواقعية وبعد نظر ، فكان هؤلاء أول المعترضين على استغلالهم وأول المحتجين على تردي أوضاعهم وأول المطالبين بتحسين ظروفهم.

(4) -كما لوحظ بروز ظاهرة غريبة وخطيرة وهي ادعاء فريق من الآشوريين الحياد إزاء هذه المعاناة والاكتفاء بالتفرج على امر خطير يهم جميع الآشوريين ويهدد مستقبلهم. وميل بعضهم للأستقواء بالأجانب او الاستعانة به!!.

(5) – صمت الزعامة الآشورية المسئولة آنذاك ولامبالاتها حيال هذه المأساة وضعف شعورها بمسئوليتها تجاه كل رعاياها وإهمالها المطالبة بأنصاف هؤلاء أو محاولة تخفيف معاناتهم!.

(6) – أحدثت هذه التجربة جرحا بليغا في جسد الأمة لزم الكثير من الوقت والجهد لاندماله، وكرست الانطباع بوجود اتجاهين ونظرتين مختلفتين بين الآشوريين ، بعد كل ذلك التوحد والتلاحم والتكاتف الرائع الذي سادا صفوفها في مواجهة الظروف القاسية التي مرت بها .

(7) – تأكدت نية الحليف وثبت تعمده في معاقبة والنيل من ذلك الفريق من الآشوريين الذي لا ينصاع بسهولة للزعامة المتعاونة معه، في مسعى الحليف لبسط نفوذ هذه الزعامة على الآشوريين ، وإخلاء الساحة من المنافسين والمعارضين لها .

(8) – أن ذلك التحالف الصوري النفعي والذي أنتهي مفعوله بانتهاء المصلحة من قيامه، بالإضافة لكونه سبب للخلاف بين الآشوريين أنفسهم ، أنعكس بصورة سلبية على علاقة الآشوريين بجيرانهم أبناء البلد وخسر الآشوريون الكثير بسبب ذلك التحالف الذي ساهم بترسيخ اعتقادا لدى أبناء الوطن بضعف علاقة الآشوريين بأرضهم وتعلقهم بالأجانب وتطلعهم دائما نحو الخارج.

(9) – سقوط نظرية الاتكال والاعتماد على تعاطف الأصدقاء والحلفاء التي حاول البعض التمسك بها وتسويقها وتأكد خطأ ولا واقعية الرأي القائل بإمكانية إقامة علاقة صداقة وتعاون متكافئة مع الانكليز، وان الحليف احتضن الآشوريين فترة، لتأمين مصالحه في الشرق ليس ألا!.

(10) – كما أثبت التجربة صلابة أبناء هذه الأمة ورباطة جأشهم، فقد خرجوا منها بخبرة أكبر وتصميم أقوى، وسرعان ما نهض الذين تخطوا هذه المأساة وحملوا السلاح ليتقدموا الصفوف من اجل حماية امتهم وصون هويتها والمطالبة بإنصافها وبالعودة الى أراضيها التأريخية في حملة العودة الى الوطن شتاء 1920!.

(11) – تزعزعت ثقة الآشوريين بمصداقية الحليف ووعوده وعهوده وتنامت بينهم الريبة بنواياه، او انه ينوي خيرا بمستقبلهم ، وفقدوا الأمل بأية حماية او رعاية أجنبية.

(12) – أيقن ذلك الفريق من الآشوريين ان مصلحتهم القومية الحقيقية تكمن في العودة والانسجام مع محيطهم الطبيعي وان مستقبلهم يكون على أرضهم التأريخية بين إخوانهم أبناء الوطن من القوميات الأخرى وان افضل وأضمن حماية يمكن ان يحصلوا عليها هي في الإخلاص للوطن وخدمته بأمانة.

الخاتمة

الآن لا أحد يمكنه ان ينفي ان إخراج هذا القسم من الآشوريين من ديارهم الحصينة وإقحامهم في الحرب وسحبهم الى حيث قوات (الحلفاء) كانت عملية مدبرة أساسا، وان كل ما جرى كان وفق خطة مرسومة مسبقا ، نفذت بدقة وبتفاهم مع زعماء آشوريين متنفذين، كذلك لا يمكن لأحد ان يزعم ان تلك الخطة بكليتها وتفاصيلها خدمت الشعب الآشوري واتفقت مع مصالحه القومية، فقد أضرت في اغلب مراحلها وخطواتها بآماله وطموحاته، ضررا تأريخيا بليغا وخلقت له واقعا اجتماعيا وجغرافيا واقتصاديا غير قابل للانعكاس، لم تجد معه كل محاولاته وموارده لإعادة الأمور الى وضعها الأول، ومعلوم ايضا ان تلك الخطة لم تحظى بقبول الاشوريين كلهم، وكان هناك من عارض وحذر من خطر الانجذاب إليها والاندماج فيها، فنشب بين زعمائهم ورؤسائهم في أعالي الجبال نقاش وجدال بشأنها وانبرى معارضون ورافضون لها منذ البدء وكذلك في مختلف مراحلها، وقد اتهم هؤلاء كالعادة بالأنانية والغيرة والحسد والخروج على صف الأمة، وكيلت لهم كل التهم المعروفة إلى أن وصل الأمر حد التخوين أحيانا…

ويمكن الآن كذلك فهم لماذا تعامل بعض الاشوريين مع الأجانب في حكاري وسلامس و بعقوبة والموصل؟ ولماذا رفض بعضهم الآخر وحلت عليهم النقمة والسخط من زعامتهم وحلفائهم! وألصقت بهم كل النعوت الشنيعة كما أسلفنا؟ ويفهم الآن ايضا أن امتناع هؤلاء الرجال في همدان عن أداء الخدمة للأجنبي، كان مبنيا على أساس التوجس من نوايا الغرباء وخشيتهم من الانخراط بمخطط موضوع لاستغلالهم

لغايات وأهداف غير آشورية، والحذر من التفريط بعلاقاتهم التأريخية بجيرانهم، وعلى هذا الأساس ايضا يجب ان ينظر الى الاصطفاف الذي حصل في المجتمع الآشوري في أورميا وقبله في حكاري والى ما حدث تحت صخرة بهستون وفي بعقوبة وسر عمادية… نعيد القول أن موقف هؤلاء الرجال كان رفضا لمحاولة السيطرة عليهم ومن هذا المنطلق أيضا يجب أن ينظر إلى رد فعل (صديقنا! وحليفنا!) السريع والعنيف والذي أثارته معارضة هؤلاء الرجال، وهو تفسير الشدة والصرامة التي استخدمت(تحت صخرة بهستون) لقمعهم وردعهم ولجعل الآخرين يترددون في الإقتداء بهم ومنع فكرتهم من الانتشار، وبلغت المعاملة حدا من السوء والقسوة بحيث إنها (قتلت) المئات منهم، ” كل يوم كان يموت العشرات منهم ” ، ما كانوا ليفقدوا حياتهم لو لم يتعمد الحليف إبقائهم قسرا في تلك الظروف اللا إنسانية وقد تعمد الحليف استغلال الظروف المزرية التي كان يعيشها الآشوريون لإيقاع اكبر أذى بالمعارضين لسياسته ، هؤلاء الذين تجرأوا وحاولوا إفشال الخطة التي من اجلها تحملت ميزانيته بعض النفقات الإضافية التافه ومن اجلها تم استدراج الآشوريين، لضمهم كعنصر من عناصر إستراتيجيته في الشرق الأوسط، لذا كان لا بد من تشديد العقوبة لمن حاول تخريب هذا الخطة!.

و لم ينطلق هؤلاء الرجال من فراغ ولا لمجرد الرفض او من باب “خالف تعرف” كما يزعم البعض، إنما كانت هناك كما رأينا أسباب حقيقية وواقع حال مرفوض وإحساس حاد بالحيف والظلم مما آلت إليه أوضاعهم من التردي وضياع أملاكهم ومجهولية مستقبلهم ، ورغم عدالة قضيتهم ومشروعية مطالبهم ، فقد أسيء وبكل المقاييس

معاملة هؤلاء المطالبين بأبسط هذه الحقوق (العودة الى الوضع قبل الحرب) مقابل تخليهم عن مغانم الحرب رغم تضحياتهم الباهضة ورغم كونهم من حلفاء المنتصرين فيها!!.

وكما قيل مسيرة الألف ميل تبدأ عادة بخطوة، وخطوة هؤلاء الرجال كانت كبيرة وفي الاتجاه الصحيح لكن…!!؟.

لم يحصل موقفهم هذا على التأييد والدعم من أطراف وفصائل آشورية أخرى ولم يساعدوهم في إيصال رسالتهم تلك، التي كانت ستوفر أرضية قوية لورقة ضغط رابحة لقضيتهم ، تجعل الحليف يعيد النظر في طريقة تعامله معهم ويسعى لكسب ودهم ومساندتهم بأساليب وسبل أخرى تخلو من الترهيب والقسوة، ويعمد لتلبية بعضا من مطالبهم خاصة تلك التي لا تكلفه شيئا بحسب اعترافه والتي طالما وعدهم بها مثل إعادتهم الى ديارهم (او أن يتركهم يعودون الى أراضيهم وألا يخرب مشاريعهم الخاصة للاستقرار) عندها لتغيرت أمور جوهرية كثيرة لاحقة والمتعلقة بمستقبلهم ووجودهم في وطنهم، وكانوا الآن في ظل واقع ديموغرافي وسوسيولوجي افضل بكثير!.

نسجل هنا أن رجال بهستون والذين أظهروا أعلى درجات الشجاعة وقوة الإرادة والإصرار على الحق، كانوا أول المنتفضين وأول الثائرين ضد الظلم وأول المطالبين بحقوق مشروعة لأمتهم وأول الداعين لأنصافها مقابل ما أصابها من دمار وموت وتشرد بسبب الحرب التي انتصرت فيها مع حلفائها!!. مثلما كانوا الأقوى اندفاعا والأعلى استعدادا للتضحية والأكثر صلابة في الدفاع عن أمتهم وحماية وجودها في معاركها المصيرية، أما أن يعاملوا ويقتلوا

بهذه الطريقة الخسيسة ومن قبل حليفهم الذي وثقوا به فتلك طعنة غادرة في خاصرة الأمة لا يمكن ان تمر دون اكتراث من أبناءها ودون شجب وإدانة ، وكذلك لا يمكنهم التساهل في فضحها وتفسير مغزاها ولا القبول بأي تبرير لها، مثلما يحاول البعض!!.

دعوة :

مثلما بدءنا بحثنا هذا نختتمه ايضا بالدعوة للكتّاب والباحثين والمهتمين بالتأريخ الآشوري الحديث والمحللين له لإعادة قراءة أحداث

هذه الواقعة ودراسة مقدماتها وأسبابها وتفاصيلها ونتائجها وتبعاتها بإمعان لتوثيقها أولا، ولتقييم مدى الضرر الذي ألحقته بقضيتنا ، وإدراجها ضمن موقعها الصحيح من الكوارث والمذابح والمآسي التي حلت بأمتنا ثانيا ، وإعادة الاعتبار لضحاياها كشهداء أبرار لأمتهم ثالثا ، هؤلاء الأبطال الذين رفضوا الذل والخنوع، وضحوا بحياتهم من اجل ان تبقى أمتهم ممسكة بقرارها!!. ورابعا للمساهمة بغيرة وفعالية في فضح مرتكبيها والقائمين بها ورفع الغطاء عنهم وشجب جريمتهم وإدانتهم والتنديد بهم، وان كانوا أصدقاء!! وحلفاء!!.

نتمنى مرة أخرى ان يكون هذا التحقيق دعوة حثّ وتحريض صريحة للمزيد من البحث والتحري!!. لأن بهستون أيها الأخوة ،

واحدة من المآسي الكثيرة في سفر أمتنا المسكوت عنها والتي لم يتم توثيقها او حتى التطرق إليها…

ونعلن عن استعدادنا لتلقي اية معلومة من القراء الكرام تساهم في أغناء هذه المحاولة…


1 يكاد ان يكون الأجانب او العلاقة معهم في تأريخنا المعاصر سبب أغلب الكوارث والنوائب التي نزلت بنا في طور عبدين وجزيرة ابن عمر وحكاري واورميا وهمدان وبعقوبة وسميل… ويمكن هنا المقارنة بين ما حدث في آب 1918 قرب الحدود الإيرانية وآب 1933 قرب الحدود السورية لأن الضحية نفسها!!والمحرض عينه.

2 خصص قسم منه لحماية المار شمعون .

3 جدير بالذكر أنه قد غاب عن أورميا في هذا الأثناء وبتكليف رسمي في مهمة قومية ، كل من مالك خوشابا مع حماية صغير، أرسل في اتجاه الشمال الغربي نحو الموصل واغا بطرس مع قوات مقاتلة، أرسل في اتجاه الجنوب الغربي نحو همدان، لملاقاة قوات الحلفاء وطلب مساعدة عاجلة للآشوريين المحاصرين في أورميا، رغم ذلك لم يتوان خصومهما عن اتهامهما بالجبن والفرار، للنجاة بحياتهما.

4 اشترك اغا بطرس في العمل لتشكيل هذه الوحدات وتدريب الشباب الآشوري على أسلوب عسكري نظامي لكن يبدو أن غايته وهدفه كانا مختلفين تماما عن غاية وهدف الإنكليز وأصدقائهم لذلك ظهر هذا الخلاف سريعا وأدى إلى نفيه وإقصائه عن أمته.

5 عوديشو ملكو كيوركيس آشيثا (ع م ك آ) سفر آشيثا ، بغداد ، 2002، ص 159

56 كل يوم كان يموت عدد منهم من الإرهاق والجوع والعطش وحرارة الجو والأمراض الانتقالية (3\116).

6 وإن( شيمو بيت كوريا ويوخنا يوسف) عندما نجحا في الفرار من بهستون والتحقا بأهلهما في مخيم بعقوبة لم يكن معهما ولا قران واحد!.

7 عوديشو ملكو آشيثا ، قصة قرية آشيثا ، ص 159 ، بغداد 2002.

د. أيوب بطرس
ayoubpetros@yahoo.com


المصادر :

1- يوسف مالك خوشابا (حقيقة الأحداث الآثورية المعاصرة) بغداد 2000

2- ياقو مالك إسماعيل (الآثوريون والحربان العالميتان) طهران 1964

3- نينوس نيراري(أغا بطرس سنحاريب القرن العشرين) شيكاغو 1995

4- كورش ياقو شليمون تأريخ الأثوريين في القرن العشرين) شيكاغو 1985.

5- تيادورس بيت مار شمعون (تأريخ الوراثة المارشمعونية) شيكاغو 1994.

6- قسطنطين بر متي (الآشوريون والمسألة الآشورية) ترجمة: ح د آ دمشق 1989.

7- ويكرام (مهد البشرية )(حليفنا الصغير) ترجمة : جرجيس فتح الله بغداد 1971

8- هرمز م. أبونا (الآشوريون بعد سقوط نينوى) المجلد السادس (مذابح بدرخان بك في تياري وحكاري 1843-1846) شيكاغو الولايات المتحدة 2001.

9- عوديشو ملكو كيوركيس آشيثا(ع م ك ا) سفر آشيثا بغداد 2002 .

10- استقينا الكثير من هذه المعلومات من أحاديث ( شيمو بيت كوريا) أحد الناجين من معتقل تحت صخرة بهستون ، الذي خدع حارسه الهندي و تمكن من الإفلات من المعتقل، ومن (دشي بيت وردا )الذي عاصر الحدث وتمتع بذاكرة قوية ورائقة إلى أيامه الأخيرة (توفي 2002) ، ومن يوخنا يوسف… ومن آخرين غيرهم .

11-المذكرة البريطانية عن شؤون اللاجئين في مخيم بعقوبة والتي كتبها اج ل جارج ورفعها آ ت ولسون الى وزير الدولة لشؤون الهند.

12- مالك يوسف مالك خوشابا(التصحيح) بالآشورية غير منشور.

****************************************************

تنويه (نالافوريو); لاهمية هذا الكتيب..لذا تم اعادة نشره مع التقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.