بقلم الناشط الاشوري فواد الكنجي
المرأة الأشورية ودورها في النضال .. نماذج من هذا العصر
Mon 11 Mar 2019
www.nala4u.com

امتنا الأشورية، وعبر كل محطاتها ومراحل التاريخ ، لعبت المرأة الأشورية فيها دور مهم في البناء والعطاء والتضحية من اجل رفد حضارة امتنا الإنسانية بالقيم الشرف والشهامة والمروءة.

فقد شهدت حضارتنا الأشورية نماذج للمرأة الأشورية يحتذي بها التاريخ حيث اعتلت المرأة الأشورية عرش الإمبراطورية الأشورية بكل رصانة ومجد، وما ملكة (شميران) إلا نموذجا برهنت المرأة الأشورية قدرتها في إدارة الإمبراطورية وقيادة الجيش الأشوري وتحقيق النصر وبسط النفوذ في إرجاء واسعة من المعمورة .

واستمر عطاء المرأة الأشورية في كافة ميادين الحياة العلمية والمعرفية والمهنية وخاضت نضالها على كافة الأصعدة الثقافية والعلمية والاجتماعية، ومنهن من حصلن على شهادات عليا في كافة ميادين الفكر والمعرفة واستطعن تربية أجيال محصنة بثقافة أمتهم ولغتهم وسعت المرأة الأشورية تثقيف أبنائها بثقافة قومية وأطلعتهم على حضارة وتاريخ أمتهم الأشورية وحرصن على تعليم أبناءهن لاستكمال دراساتهم العلمية، وفي مجتمعنا الأشوري اليوم كوكبة عظيمة من حملة الشهادات العليا ومن أساتذة ودكاترة ومهندسين ، وكل ذلك يعود الفضل بما بذلته المرأة الأشورية في تربية أبناءها وتحصينهم بالعلم والمعرفة ليكونوا قادرين لمواجه تحديات الحياة . و رغم الظروف الصعبة التي مرة بها العائلة الأشورية بما تعرضت امتنا من الاضطهاد والتميز وحروب الإبادة والتهجير الذي ظل يلاحقها بين حين وأخر ، إلا أنها واصلت العطاء دون كلل رغم تقديمها التضحيات الكبيرة في سبيل البقاء والمحافظة على القيم القومية لامتها، وعلى نحو ذلك ظل دورها النضالي يشهد لها التاريخ الحديث كمناضلة في سبيل الحرية وحق تقرير المصير والعدالة الاجتماعية .

ان المرأة الأشورية تحملت ضعف ما تحمله الرجل من اضطهاد وتعسف ومشاقة الحياة في ظل الحروب الإبادة والتهجير ألقسري كما حدثت في مذابح امتنا عام 1915 وعام 1933 الجائرة فكانت هي الأم والأخت والزوجة والمقاتلة و هي الفلاحة والعاملة والمربية والمنتجة وأحيانا كثيرة كانت هي المعيلة لأفراد الأسرة .

ان حرية المرأة الأشورية هي من حرية الرجل الأشوري فان كان الرجل مضطهدا ومستعبدا تكون هي في حالة مضاعفة في الاضطهاد …!

وهكذا واصلت المرأة الأشورية نضالها على كافة الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية والعلمية والسياسية لتأخذ دورها السياسي في المجتمع وهذا الدور تطلب منها رفضها ومقاومتها الاستعباد والأجندة السياسية الرجعية التي حاولت طمس هويتنا القومية وسلب حقوقنا المشروعة في الحرية وحق تقرير المصير …

هكذا كانت وما زالت المرأة الأشورية تحتل المكانة التي تستحقها و تؤدي دورا مهما في الحياة على جميع الأصعدة، فالي جانب كونها أم وربة بيت فهي تساهم مع الرجل في البناء والدفاع عن الأرض والإنسان والحفاظ على هوية أمتها الأشورية، وفي هذا العصر الذي نعيش فيه وبكل العواصف التي تضرب امتنا من القتل والاستهداف على الهوية والتهجير ألقسري، نرى صوتها يرتفع في المنابر السياسية والمحافل الدولية مناديه شعوب العالم مناصفة قضية أمتها الأشورية والتي تتعرض لحملات الإبادة والتهجير والاستهداف، وقد اخترنا من تلك الأصوات النسائية الأشورية كنماذج لصورة المرأة الأشورية المناضلة والتي سيبقى تاريخنا المعاصر يؤرخ أسمائهن بماء من الذهب بكل اعتزاز وافتخار ولا يسعنا هنا إلا إن نذكر (جاكلين زومايا) و( روزي مالك يونان) على سبيل المثال وليس الحصر.

فالسيدة (جاكلين زومايا ) مناضلة قومية شغلت في عام 2005 منصب عضو الجمعية الوطنية ونائب رئيس لجنة حقوق الإنسان حيث عملت باقتدار في الجمعية الوطنية العراقية من اجل تثبيت حقوق الأشوريين القومية و تثبيت التسمية الأشورية في الدستور العراقي.

حيث برزت السيدة (جاكلين زومايا )على الساحة السياسية العراقية والآشورية … كإنسانة عراقية وطنية وكقومية آشورية متواضعة وصريحة، صراحة – قلما تجدها عند السياسيين- جريئة، قوية وذات عزيمة، لها نظرة واضحة لجميع الأمور الوطنية العراقية و القومية الآشورية، وبالإضافة إلى كل ذلك والاهم فهي صاحبة مبادئ، ومبادئها كانت فوق أي اعتبار أخر، بالرغم من الفترة القصيرة التي شغلت منصبها كعضوه في الجمعية الوطنية العراقية فإنها تطرقت إلى أمور كثيرة تخص العراقيين بصورة عامة والآشوريين بصورة خاصة.

في رسالتها التي وجهتها الى الجمعية الوطنية العراقية بتاريخ 28/8/2005 تكلمت عن المصداقية وعن الشفافية وهنا يسرنا ان نقتطف بعض مما قالته آنذاك:

“… إنني اعاهد أبناء شعبنا الآشوري بكل طوائفه ومذاهبه بان نكشف كل ما يصل لنا من وثائق ورسائل تخدم شعبنا.”

وعن الغبن الذي الحق بالآشوريين وقضيتهم القومية، قالت ” …هناك تجني على القومية الآشورية في هذه المرحلة السياسية بتجاهل متعمد لكل نضالها الوطني والقومي والذي سجل حضوره في المحافل الدولية وواكب نضال الشعب العراقي من اجل نيل حريته في ماضيه وحاضره بل ان التسمية القومية الأشورية ( بكلدانها وسريانها ) ظلت حاضرة في أجندة المعارضة العراقية حتى أخر مؤتمراتها في نيويورك وصلاح الدين ولندن ولمن يريد التأكد فليعد إلى أجندته إبان فترة نضاله لإسقاط نظام الدكتاتورية. وعلى ذلك فأن تشويه هذا النضال اليوم بعد بزوغ فجر الحرية إنما هو إجحاف بحق الأشوريين، لا بل إن تشويه التسمية القومية الأشورية بتسميات مركبة ( الكلدواشورية ) تارة او بخلطها او تفكيكها الى تسميات مذهبية (الكلداني الاشوري السرياني او الكلداني والاشوري والسرياني) تارة أخرى هو تشويه لتاريخ العراق من حيث ان التسمية القومية الأشورية والتاريخ الأشوري هو عمق تاريخي للعراق والعراقيين والحضارة الآشورية إرث أنساني للبشرية جمعاء حري بالعراق وهو الوريث الشرعي له ان يتباهى ويفتخر بهذا الوارث، لا ان يعمل على تشويهه!!….”

وأضافت المسألة الآشورية مسؤولية جميع العراقيين قائلة “…لقد اعتبرت المسالة الأشورية وتسميتهم شأن داخلي، وعلى الأشوريين التوافق عليها وحلها بأنفسهم، وهذا إجحاف ثان بحقنا، فالمسالة الأشورية شان عراقي قبل ان تكون شأن أشوري والكل معني بها…”

ووقفت تدافع عن اسم أمتها (الآشورية) العريق قائلة “.. ولا تستطيع أية جهة ( أكرر، أية جهة ) ـ حزبية كانت ام منظمة ام مؤتمر ام مجموعة تواقيع يجمعها احدنا من هنا او هناك ـ ان تدعي بامتلاك هذا الحق لتمنحه لنا. فنحن ممثلو الشعب هنا، للمطالبة باستحقاقاتنا القومية والوطنية المشروعة وليس لنا الحق في تغيير او إيجاد تسمية قومية جديدة لشعبنا نستحدثها وكأننا شعب نكرة لا اسم له. وهذا للأسف ما جاءتنا به مسودة الدستور الأخيرة حيث صعد المذهب الكلداني وهو احد المذاهب الدينية لشعبنا الأشوري الى مصاف القومية نفسها ليدرج كقومية مستقلة في الدستور بينما في مسودة أخرى كان قد رُكِبَ مع التسمية القومية الأشورية ( كلدواشوري ). وخلاصة القول ان كل ما طلعت به هذه المسودات مناف للحقائق العلمية والتاريخية وتجاهل صارخ لنضال الشعب الأشوري من اجل الإقرار بوجوده القومي التاريخي في ارض الإباء والأجداد…”.

وطالبت السيدة (جاكلين زومايا) عندما كانت عضوه الجمعية الوطنية العراقية الحكومة العراقية بضرورة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإعادة الجنسية العراقية للآشوريين الذين أسقطت عنهم جنسيتهم اثر إحداث سميل عام 1933، وذلك استنادا الى المادة الثامنة عشرة من الدستور العراقي واعتبار الجنسية العراقية حق لكل عراقي واعتمادها أساسا للمواطنة، وحظر إسقاطها عن العراقي بالولادة لأي سبب من الأسباب، ويحق لمن أسقطت عنه طلب استعادتها. وان جميع هذه الإحكام تنطبق على الآشوريين الذين أسقطت عنهم جنسيتهم عام 1933 وحق مشروع لهم ان يستعيدوا جنسيتهم العراقية باعتبارهم مواطنون عراقيون اصلاء.

كما شددت السيدة زومايا القول، بضرورة مساواة العراقيين جميعا إمام القانون وبحسب ما نص عليه الدستور العراقي دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الدين او المذهب او … الخ .

وعن الانتماء القومي والوطني، وفي لقاء أجرته جريدة (البرلمان) مع السيدة جاكلين زومايا عضو الجمعية الوطنية ونائب رئيس لجنة حقوق الإنسان في عددها 196 الصادرة يوم الأحد المصادف كانون ألأول 2005 قالت “… وانا كأشورية أنظر الى العراق والى انتمائي القومي وأقول أولاً انا عراقية وهذا يعزز ألانتماء الخصوصي للأشوريين كمكون مهم في المجتمع العراقي وهو لا يتجزأ من المعادلة العراقية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا وحتى تاريخيا فتاريخ العراق مرتبط بالتاريخ ألأشوري الذي يمتد بعمق تاريخي نحو (7) ألاف سنة قبل الميلاد وهذا يعطي قوة للعراق الذي هو بحق مهد الحضارات وموطن الأديان…”

وعن الانتخابات صرحت السيدة جاكلين “…أقول لكل العراقيين الغيارى ان يدعموا العملية السياسية وان يتوجهوا الى صناديق الاقتراع ليدلوا بصوتهم ولمن يريدون ان ينتحبوا..أقول يجب على كل أبناء شعبنا ان يواصلوا العطاء من اجل العراق العظيم وانا أؤمن بأنه لا يمكن بناء البلد من قبل قوى سياسية ان لم يكن هناك تلاحم اخوي وحضاري بين مكونات الشعب فلابد من إرادة قوية وفاعلة للشعب لأنها تستطيع عمل الكثير وكلنا مسؤولين عن بناء عراقنا الجديد ..عراق الحضارة ..عراق السلام والخير والمحبة” .

هذه هي جاكلين زومايا المرأة الأشورية القوية المناضلة، فليس غريبا على الآشوريين ان تظهر بين نسائهم كـ (جاكلين زومايا)، فتاريخنا الآشوري حافل وملئ بنضال وبطولات المرأة الآشورية، بدأً من (الملكة شميران – سميراميس ) في تاريخنا القديم مروراً بفترة اعتناق المسيحية وتواصلا مع تاريخنا الحديث.

وبنفس هذه الروحية نلتمس معطيات النضال عند ألسيده( روزي مالك يونان ) وهي كاتبة أشورية ومؤلفة كتاب( الحقل القرمزي) ومخرجة سينمائية تعمل في هوليود – أمريكا، ففي شهادة إدلاء قدمتها إمام لجنة العلاقات الدولية، شهادة قل مثيلها في الجراءة والشجاعة وذلك في يوم 30 حزيران 2006 حيث قامت بسرد إحداث ما حل من مأساة التي عصف وتعصف امتنا الأشورية منذ سقوط الإمبراطورية الأشورية والى يومنا هذا ، ونذكر بان كتابها (الحقل القرمزي) هو كتاب يتناول المذابح وحرب الإبادة الجماعية للأشوريين في العراق ….قارنت بين حالهم خلال أعوام 1914- 1918 الى المأزق الحالي للمسيحيين الأشوريين في العراق، كما تمّ اعتماد شهادة السيدة روزي يونان من قبل لجنة فرعية شكلت لهذا الغرض برئاسة عضو مجلس النواب الأمريكي (كونكرس) السيد كريستوفر، وهو الأمر الذي ارتأينا طرحه هنا كنموذج لشجاع المرأة الأشورية ودورها في النضال:-

قائله :

“… انا لست سياسية، لست عضوا في أي مجموعة او تنظيم سياسي، انا كاتبة، ، انا آشورية، انا مواطنة أمريكية، انا هنا لأحدثكم عن صبي يبلغ من العمر خمسة عشر عاما (15) واسمه (فادي شمعون)، كان فادي راكبا مسرورا دراجته الهوائية الجديدة التي اهداها له والده، يباغته فجأة في ذلك اليوم المشئوم الخامس من تشرين الأول 2004 مجموعة إرهابية تمكنت من انتزاعه من دراجته الهوائية واختطافه الى جهة مجهولة، أصاب عائلته الهلع والجنون لمعرفة ما حدث لـ(فادي)، حتى عثر احد الجيران على جثتة ملقية في شارع جانبي مثل الزبالة، مقطعا، مشوها بصورة بربرية، محروقا ومقطوع الرأس بصورة مرعبة.

هذه الجريمة التي لا يتصورها او يصدقها العقل لم تكن الأولى في مدينة (بعشيقة) التابعة لمقاطعة آشور(سهل نينوى)، فقبلها شيّع الأشوريين صبيا آخر في الرابعة عشر من عمره يدعى (جوليان افرام يعقوب) بضربة حجر كونكريتية على رأسه الصغير قبل إحراقه، قتل الأطفال المسيحيين الأبرياء أصبح موضة في العراق، دافعا عوائل مسيحية عديدة الى الهرب تاركين بيوتهم وقراهم بدون مال ولا حول ولا قوة.

سجلت في روايتي الجديده “الحقل القرمزي” مراحل الإعمال الوحشية التي طالت أبناء شعبي خلال أربع سنوات من 1914 لغاية 1918 التي مسحت من الوجود ثلثي السكان الأشوريين بما يقارب 750000 إنسان، لقد فقدت أجدادي، أعمامي، عماتي وآخرين، وقع شعبي ضحية بيد الإسلاميين المتطرفين قبل 91 عاما لكونهم مسيحيين، ولا زال شعبي اليوم ضحية يدفع الثمن بيد هؤلاء الإسلاميين.

كنائسي تفجر وتدمر، المسنون يقتلون، إخواني الشباب يعانون من الاعتداء والخطف، المضايقة والإزعاج والضرب طالت الطلاب رؤوس أولادي وأولاد جيراني قطعت، اذا رفضت شقيقتي الانصياع بلبس الحجاب تعرضت للاغتصاب وهتك العرض والتعذيب ورش الحوامض لتشويه وجهها، نعم أغفلت الصحافة الغربية معظم هذه الحوادث فذهبت بدون إعلان او تدوين ، هذه الإعمال الوحشية حدثت وتحدث تحت سمع وإبصار حكومتي الأمريكية منذ (تحرير) العراق.

16 آذار 1918 هلك 150 من الأنفس في ذلك اليوم الأسود بيد المجرمين … 150 من الإباء والأمهات الأحبة، من الأولاد والبنات، من الإخوة والأخوات، من الزوجات والمحبين، 150 من الأنفس لكل واحد اسم يخصه، من المتوقعين حضورهم لمائدة العشاء في ذلك المساء وكل ليلة 150 كرسيا ضلّت فارغة، كل واحد منهم يترك فراغا في قلوب امّة شارفت على الانقراض، 150 ذبالة لشموع هي الفترة التي جرفت فيها الملائكة لهذه الأنفس على الأرض”.

كان هذا مقطعا من كتابي “الحقل القرمزي”، التاريخ يعيد نفسه ولا احد يدوّن هذا المأزق لآشوريي اليوم في العراق، لا احد غير شعبي.

نحن الأشوريين أمة بلا حدود، لقد صمدنا لآلاف السنين بقوة ورغبة حب البقاء، قبل حوالي قرن من الزمان، وتحت ظلال الحرب العالمية الأولى، كافح أجدادي من اجل الحفاظ على ذريتهم من الانقراض، هذا العبء يقع على كاهلي الان، يواجه جيلي نفس هذا الكفاح لإنقاذ أمتي من انقراض كامل في العراق، هنا نسّن قوانين لمنع اصطياد النسر الأصلع (الاجرد) لحمايتها من الانقراض، لكننا نسمح لأقدم امّة في هذا العالم بالانقراض، هذا غير قابل للمغفرة.

الآشوريون، وانا واحدة منهم، نعيش في الشتات، نعمل ما باستطاعتنا لجذب انتباه العالم الى ماساتنا، نحن لسنا بمقاتلين ولا بحاملي السلاح في شوارع بغداد، لكننا نكتب ونخط المقالات، نعقد الندوات والمحاضرات، ننتج أفلاما وثائقية، نسهر الليالي في النقاش والجدال، نقوم بمسيرات، نضرب عن الطعام، نقوم بالتظاهرات والحشود السلمية نتكلم ومن اجل كرامتنا نرفع صوتنا، عندما يكون معلوما لديك بان هناك اعتداءات تحدث في مكان ما ضد مجموعة ما، تكون انت في موقع شاهد جوهري لهذه الحقائق، ترث المسؤولية المطلقة لتشهد وتخفف من هذا الشقاء البشري.

نحن الآشوريين لسنا بأناس فوق العادة، فوجئنا في تقاطع ناري وإحداث غير عادية، مع ذلك لا نجابه العنف بالعنف، لا ننتقم، ما نروم اليه هو الحياة فقط ، عندما فجرّت كنائسنا، لم نفكر بالثأر، مشينا في سبيلنا كما يجب كمسيحيين.

غادر بغداد خلال بعد سقوط النظام اكثر من (7000) آشوري إلى خارج العراق ….، النساء والأطفال اتخذوا ملجأ لهم في بيوت آشورية أخرى، في حين نام الرجال في المقابر عند الظلام، لا أقول هذا رمزيا، بل أقوله حرفيا، لقد ناموا في المقابر لعدم وجود ملجأ آخر يؤويهم.

لوضع حد لهذا الألم في العراق يعتمد على شجاعتنا في العالم الغربي لمساعدتهم، قبل أشهر قليلة قابلت المطران( مار كيوركيس صليوا)، مطران الأشوريين في العراق، من كنيسة المشرق الأشورية، حديثه عن حياة الأطفال الأشوريين في العراق يدمي القلب “نحن شعب فقير، نحتاج الى المساعدة، ساعدونا” هذا ما قاله.

قبل أيام تحدثت مع البطريرك الأشوري( مار دنحا الرابع)، بطريرك كنيسة المشرق الأشورية، اخبرني بعدم إمكانية رجل الدين او القس من ارتداء ثوبه في المحلات العامة خوفا من ضربات الإسلاميين.

عراق اليوم كان جزءاً من بلاد آشور، الأشوريون اول امّة قبلت المسيحية، تأسست الكنيسة الأشورية 33 سنة بعد الميلاد، هذه الأمة تعاني اليوم من مشكلة خطيرة، نفوسها الذي كان يتراوح بمليون و 400 الف نسمة قبل الحرب العراقية قد تضائل الى حوالي 800 ألف نسمة من غير ان تجد من يحمي مصالحها.

رغم كون الأشوريين سكان العراق الأصليين، الا أنهم ضحايا القتل والتهجير، ممارستهم لتقاليدهم المسيحية محظورة من قبل الإرهابيين الإسلاميين، العنف والعدوان نحو المسيحيين الأشوريين في العراق هي سلسلة من الإحداث المتكررة. مثال ذلك الكنائس الأشورية هي هدف اولي لهذه المجاميع التي تروم قتل وإيذاء أكثر عدد ممكن، منذ عام 2004 لغاية حزيران 2006 تمّ تفجير وضرب 27 كنيسة، في إحدى الحالات تمّ ضرب 6 كنائس متزامنة في يوم واحد في بغداد وكركوك، وفي يوم اخر ضربت 6 كنائس أخرى متزامنة أيضا في بغداد والموصل، ضرب الكنائس بصورة متزامنة هو نموذج مستمر ومتناوب.

بالرغم من محاولات دفع العراق نحو الديمقراطية، فوحشية صدام التي فاقت التصوّر قد انحرفت نحو الأصوليين الإسلاميين والقوى المتطرفة …. التي صعدت بسرعة بسبب ما يسمى “الديمقراطية” في العراق، قلت ما يسمى بسبب الاحتيال والتهديد الذي مورس في فترة الانتخابات.

للمرة الأولى في التاريخ، تمكن الأشوريون من المشاركة في الانتخابات في كانون الثاني 2005، لكن الآلاف منهم في سهل نينوى حرموا من فرصة الإدلاء بأصواتهم، ففي هذه المدن والقرى لم تصل صناديق الاقتراع بسبب عدم مزاولة المسؤولين في المفوضية واجبهم في توفيرها، كما حدثت خروقات وسرقات بهذه الصناديق في المناطق التي ادلى الأشوريين بأصواتهم، ……. فكانت النتيجة …ضياع أصواتهم الانتخابية …

في العراق المحترق بالحرب، بعد فقدانهم معظم حقوقهم الإنسانية الأساسية، لا يزال هؤلاء السكان الأصليين يتعرضون إلى اضطهاد وظلم منظم، قتل وتهديد، خطف وعنف وتهميش ….

منذ بداية حرب العراق، دوّنت بعض وليس جميع إعمال العنف ضد الأشوريين في الصحافة الشرقية، لديّ عينة من هذه الجرائم مرفقة مع تصريحي هذا وموجود أمامكم، علما بان معظم هذه الجرائم غير مدونة في الصحافة الغربية ، الحقيقة تقول بان ذكرها او عدم ذكرها لا يقلل من شرعيتها، فعند انتهاك حقوق الإنسان الأساسية، تكون جرائم ضد الإنسانية قد تمّت.

من الممكن إيجاد أمثلة أخرى على تهميش الأشوريين نجدها في مقدمة دستور العراق الجديد، فقد تمّ ذكر العرب والأكراد والتركمان بالتفصيل، في حين تمّ اغفال الأشوريين، بالإضافة إلى ذلك تستشهد الديباجة بالإعمال الوحشية التي اقترفت ضد الأكراد، لكنها تتجاهل تماما هذه الإعمال التي اقترفت ضد الأشوريين في عهد صدام، وكذلك تتجاهل مذبحة الأشوريين عام 1933 في سميل / العراق.

أصبح “تحرير” العراق غماً للأشوريين، تأخذ بصورة صامتة ما للأشوريين وتبعدهم عنها خاصة في كركوك وموصل وبغداد، وفي مناطق تركيزهم في مدن وقصبات سهل نينوى والمناطق المحيطة بها…….

بالرغم من ذلك فالأشوريون لا يهاجمون، بل نبقى مسالمين ومسامحين تحت هذه الظروف غير المحتملة والتي لا تطاق.

ليس هناك مساعدات او صندوق مالي يذهب لمساعدة الأشوريين تحت بصرنا الأمريكي، ليس هناك خدمات طبية لهؤلاء المسيحيين ……،

نحن لا نطالب بأكثر مما يذهب الى العراق حاليا من اجل التنمية، ولكننا نطالب بان نستلم حصتنا المناسبة من هذه العينات التي من المفروض ان تذهب الى مناطق الأشوريين.

…، يعتبر الأشوريون اليوم من أكثر الأقليات حساسية، واقلها حصانة في العالم، تحت بصرنا لا زال الخروج الجماعي جاريا، اذا استمرّت الأمور تمشي على هذا المنوال في العشرة أعوام القادمة، من المرجح استئصال وضمور الوجود الأشوري في العراق بسبب سياسات التطهير العرقي والخروج الجماعي والهجرة.

يتمتع الهنود الحمر “سكان أمريكا الأصليون” بحقوقهم الإنسانية في بلدهم أمريكا، بينما سكان العراق الأصليين، الأشوريين يساقون خارجا بعيدا عن أراضيهم.

لقد أصبح موضوع إزاحة الأشوريين مسألة خطرة وحرجة، خلال حرب الخليج 1991 فرّ عشرات الألوف إلى الأردن، عام 2003 وفي بداية الحرب على صدام وبسبب الخوف هرب 40-50 الف آشوري الى سوريا ومنذ ذلك التاريخ لا يزال المشهد قائما، حيث غادر العراق الألوف بسبب التهديدات التي استلموها، مشردين بدون مأوى في شوارع سوريا والأردن، بهذه الحالة البائسة ينتظر الأشوريين المساعدة لانتشالهم من هذا الواقع المرير.

طبقا الى دراسة إحصائية للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة انه للفترة من تشرين الاول 2003 لغاية آذار 2005 وصل الى سوريا ما يقارب 700000 عراقي وان الأشوريين العراقيين يشكلون ما نسبته 36 بالمائة او ما يعادل 252000.

عند بداية الحرب لم يكن هناك مأوى او منطقة آمنة يركن إليها الأشوريون، لهذا هربوا إلى الدول المجاورة كسوريا والأردن، .. هؤلاء الأشوريون الذين خدموا الحياة والمرافق الإنتاجية في العراق، يلجئون اليوم الى التسول والعبودية …وبيع الأعضاء من اجل البقاء وإطعام عوائلهم، يحدث هذا تحت بصرنا الأمريكي…. ، علينا نحن الأمريكان موازنة هذه المسألة.

ليس هناك جدل بان بلاد ما بين النهرين هي مهد الحضارة والأشوريون المسيحيون هم سكانها الأصليين، ومن المؤكد ان الأشوريين هم جزء من نسيج عراق اليوم يقاسون تحت أكراه الشريعة او القانون الإسلامي تحت ما يسمى في الاسم فقط “عراق ديمقراطي”.

فالمادة الثانية بند (ب) من الدستور العراقي تنص “لا يمكن سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية”، اما المادة الثانية (أ) فتنص “لا يمكن سن قانون يتعارض مع إحكام الشريعة الإسلامية” هاتان المادتان تتناقضان مع بعضهما.

أحد مبادئ الإسلام والتي من الممكن الاطلاع عليها في سورة آل عمران آية 19 تنص “أن الدين عند الله الإسلام” اما اية رقم 85 فتنص “ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين” لهذا يعتبر المسيحيون كفرة وثنيين بسبب اختيارهم دينا غير الإسلام.

في سورة البقرة آية 191 يملي القرآن على جميع المسلمين لمقاتلة وذبح غير المسلمين “واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل” اما آية رقم 193 فانها تدعو صراحة الى دين واحد وهي تنص “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله”، لهذا السبب فجرّت الكنائس وذبح المسيحيون.

بالرغم من كونهم سكان البلاد الأصليين، فقد عملوا كضيوف غير مرحب بهم في عقر دارهم وها هم يواجهون في هذا اليوم، سياسة التطهير العرقي من قبل الإسلاميين في مشهد مثير للذكريات لما جرى قبل قرن من الزمان من قبل العثمانيين…

لموازنة منطقة الشرق الأوسط من الناحية العرقية او الاثنية حاليا، فكما هناك دولة يهودية ودولة عربية، هناك حاجة لدولة أشورية …

علما بان المادة الرابعة بند 121 من الدستور العراقي تنص على “ادارات محلية” تضمن الحقوق الادارية والسياسية والثقافية والتعليمية لمختلف الاثنيات كالتركمان والكلدان والأشوريين ومكونات أخرى، الا ان هذا القانون في صيغة النظرية فقط وليس التطبيق.

بسبب هذا القمع الذي يتعرض لحقوق المسيحيين، يتطلع الأشوريون إلى المنظمات الدولية والعالم الغربي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة للتدخل السريع باسمهم وتمكينهم من إقامة منطقتهم الإدارية في إقليم سهل نينوى لتصبح ثانية منطقة عامرة مزدهرة في العراق، هذه المنطقة الإدارية الأشورية سوف تشهد عودة اللاجئين الأشوريين إلى ارض أجدادهم، يجب النظر الى هذه المسألة ألان، حيث لا تقبل التأجيل او الإهمال.

ان الحضارة الأشورية المهددة بوجودها والتي بقيت حيّة تحت حكم جنكيزخان وويلات الحرب الكونية الأولي والثانية تعاني من طمس وإبادة تامة بسبب سياسات التطهير العرقي وهضم حقوقها والخروج الجماعي والهجرة.

اختبرت أمريكا بصورة معقولة يوم 11 أيلول وبمثل بسيط الإرهاب الإسلامي مشابه لما ألفه وتحمله مسيحيو الشرق الأوسط، فقد راقب الناس بذعر كما راقبنا، الخسائر التي نجمت عن هذا العدوان، كم كان الأمر محزنا ومخجلا لو كان هذا الأمر قد مرّ من دون إشعار او إعلام؟ كم هو مخجل مرور مأساة إبادة الأشوريين في مطلع القرن الماضي بدون ملاحظة او إشعار؟ كم هو مخجل بان المذابح التي يعاني منها الأشوريون اليوم تذهب بدون إشعار او إعلام …..؟ “.

وفي الختام يجب ان لا نسى دور المرأة الأشورية الذي مازال مواصلا بنفس الروحية وبنفس النضال ان لم نقل أكثر مما مضى، وما تقوم به اليوم المرأة الأشورية في خضم ما ألت إليه أوضاع المنطقة من سيطرة التنظيمات الإرهابية لدولة الإسلام ( داعش ) على مساحات واسعة من الأراضي الأشورية في العراق وسوريا، حيث قامت المرأة الأشورية بحمل السلاح لمقاتلة العصابات الإرهابية ضد تنظيمات داعش وأذيالهم مع أخيها الرجل لدفع عن قراهم وأرضيهم في سوريا والعراق، فتم تشكيل وحدات حماية المرأة السريانية الأشورية هي عبارة عن عشرات المقاتلات اللواتي حملن السلاح ضد داعش في مدينة (الحكسة) السورية، وعلى نحو ذلك يتم في العراق في وحدات مشابه لحماية سهل نينوى ولتحرير مناطقهم من عصابات الدواعش.

فالدور الذي تلعبه المرأة الأشورية هو دور نضال بامتياز يوازي حجم المخاطر التي تتعرض عليها امتنا على مر العصور بما يستحق تقديم دماءهم وأرواحهم دفاعا عن حقوق أمتهم في الحرية وحق تقرير المصير.

فواد الكنجي
Mon 11 Mar 2019

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*