Amer Hamze
قصة قصيرة..(أنا والكلب في منتصف الليل)

07 / 02 / 2019
www.facebook.com/amer.hamze

بشكل يومي تقريبا أذهب الى المنصور هربا من المنطقة المظلمة التي سكنتها بعد بيع بيتنا في حي الآثوريين بالدورة . أجلس في قهوة حي دراغ المعروفة لابقى أشرب (إستكانات) الشاي الواحد بعد الآخر طاردا أثر البرد الذي يأكل عظامي من الصغر مع طعم السيكارة التي أدمنتها متأملا الجالسين مخمنا شكل حياتهم وهمومهم وافراحهم عبر ما أراه من تفاصيل في جبهاتهم ونظرات عيونهم واصواتهم وحتى طريقة جلستهم على ( الكرويتة) الخشبية العتيقة ب( بمندرها) العادي والوسخ منتظرا ككل مساء أن يتصل بي احد أصدقائي الثلاثة المقربين جدا لي. الأول أستاذ جامعي يدرس اللغة الانكليزية بجامعة بغداد يملك طيبة نادرة وحيوية واضحة وضحكة عالية أراها أحيانا مبالغ بها قياسا لحديثنا. الثاني تاجر في الشورجة مولع بالشعر الشعبي لحد انه يحفظ أغلبه كريم النفس وله روح فنان إستطعت أن أكسبه الى جانبي في الخروج من البيت والتجوال في المنصور المتلالئة بناسها وشوارعها ومحلات ازيائها ومطاعمها.الثالث أنسان خبر الحياة بنفسه متفائل للغاية كل الامور لديه يمكن حلها الا حزني الذي حاول معه وفشل. هكذا هي مساءاتي لايمنعني برد أو وحدة أو أي شيء آخر ولعل ذلك جاء من تلك الميزة التي أخذتها من صغري في الخروج من البيت مفضلا حريتي في شوارع الحي ..هذه الميزة التي طبعت حياتي بها والتي توارثتها من مسيحيي الحي الاثوريين.وهكذا أبقى لساعات اما أكتب شعرا أو أتابع شيئا أثار انتباهي ( بالفيس بوك) ليرن هاتفي المستعمل ( أيفون فايف) الذي أستطعت شرائه بمبلغ لم يتجاوز ورقة من فئة (١٠٠دولار) لابدأ بعدها في جولة هادئة وسط زحام الناس الفرحيين والشوارع المضيئة مقيما حوارا لاينتهي عن نفسي وعن الناس المارين وعن من كان ولَم يعد وعن من مشى من قبل معي ولَم اعد أراه ليقطع الحوار فجأة
– هل انت في المنصور…؟
– نعم موجودتعال
– وهكذا وبعد جولة مشتركة مع احد اصدقائي الثلاثة اعود الى بيتي لأعبر الطريق السريع بكل حذر داخلا في قلب الظلام مجتازا الشوارع بحفرها الطينية غير آبه بها دارسا وجودها هنا وهناك قافزا مثل قط بري فرح للغاية اني قد تنفست هواء الحرية هناك في الحي الذي صرت فيه بعد أن أصبح الحي القديم …حي الآثوريين مظلما وموحشا هو الاخر ولو بدرجة أقل من الحي الذي أنا فيه الان لتتكرر المساءات عَل هذه الشاكلة دون أن أشبع رغبتي يوما في نيل حريتي كل يوم قرب الناس والاضواء.كان موعد ذهابي في السادسة والنصف مساء وموعد رجوعي يصل الى منتصف الليل تقريبا. لم يسبق ان حدث شيئا ما مغاير لقبله سوى تبادل أدوار اصدقائي الثلاثة ولانني محظوظ لربما لم يصدف يوما الا فيما ندر ان تركت لوحدي كما لم يسبق يوما الا ماندر ان اجتمع أثنان من أصدقائي معي الان إن ليلة أمس كانت مميزة لي بشكل لم أتصوره أو أتوقعه أبدا …كنت أقول في نفسي لم هذا العذاب ياربي ..؟لم أعطيتني قلبا رقيقا الى هذه الدرجة…؟ ولَم يارب أتفاعل مع أبسط الأشياء..؟لم أملك كل هذه العاطفة الكبيرة دون غيري…؟لم هذا الحنين الهائل الذي أحسه تجاه ناسي..؟ ولَم كل هذا الحب الذي سحرني ويسحرني ..أين يارب أذهب به ومن يدري به وكيف أقول مابي ومن يسمعني …؟ وبينما أنا أجرى هذا الحوار في نفسي واذا بكلب يسقط من سيارة قربي وأخذ يركض بكل قوة خلفها ولما لم يستطع الوصول اليها توقف ليفكر وينظر هنا وهناك وسرعان ما أخذ يجري خلف سيارة تشبه الاولى فتوقف سائقها استجابة لانفعال الكلب وراح يتحدث معه تشمم الكلب السيارة وصعد وتشمم رائحة السائق ثم نزل على الفور وهو يتابع السيارات الداخلة الى حينا ..أخرجت سيكارة من جيبي وأشعلتها فركض باتجاهي وبتنا نسير سوية أنا مولع بحبه الكبير لناسه الذين فقدهم وهو لم يفقد أمله تشمم قدمي وبنطالي وانا رحت أتحدث معه بهدوء شاعرا بعذابه ووجعه فرأيت في عينيه وهجا غريبا أرتكز في النظر الى سيكارتي جلست في التراب قربه ورأيت دمعته تتلالأ في عينيه وانا أردد(يا عيني ..ياعيني..ياعيني عليك يامسكين …لاتهتم أنا مثلك)نفثت دخان سيكارتي بوجهه فرأيته وكأنه يتأمل شيئا ما أو يتذكر أشياء.قررت أن ألتقط له صورة للذكرى ..صورة لصديق منتصف الليل ..صورة طبق الاصل عن إحساسي لأفاجأ بأربعة كلاب تهاجمنا جاءت من وسط الظلام مسرعة بشكل غير معقول حملت حجارة قربي لأحمي نفسي فرأيته منطلقا بعيد عني والكلاب تجري خلفه ركضت لافك حصاره حتى نهاية الشارع ولما لم أستطع رؤيته لاختفائه في الظلام وقفت لأفكر وانا أراقب الكلاب التي تمر من هنا وهناك عساني أعثر عليه من جديد متسائلا في فراشي عن السبب الذي جعل اهله يتركوه هكذا والى من يشكو وكيف سيعيش ايامه القادمة مطمئنا اني استطيع بث شكواي لاهلي بالكتابة لهم ماسحا دمعتي الساقطة على وسادتي مستسلما لاغفاءة مثل غريق.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*