باز شمعون (في الوسط) .

نالافوريو كوم / العربي


نديم جرجوره
8 يناير 2019
حوارات – العراقي باز شمعون: على المخرج عيش التجربة

يتجوّل السينمائي العراقي الأصل باز شمعون في مدنٍ وعوالم بحثًا عن آفاق تُتيح له اختبار تجارب حياتية وسينمائية مختلفة. بخروجه الباكر من بلده المُقيم في “جمهورية الخوف” أيام حكم صدام حسين، يبدأ رحلته الطويلة في عيشِ هموم أناس يرى في اكتشاف حالاتهم وانفعالاتهم وهواجسهم تمرّسًا في صناعة سينما تمزج الوثائقي بالمتخيّل، وتستفيد من اهتمامه الشخصي بالرسم كي تتلوّن اللقطات والمشاهد بما يُناسب المسارات الدرامية لحكاياته، كما لشخصيات يلتقيها في الواقع فيذهب معها في رحلات محفوفة بمخاطر الواقع وبمتعة الصُور السينمائية.

ببلوغه 13 عامًا، يُرسله والداه إلى تشيكوسلوفاكيا السابقة، فيختار براغ مدينة للإقامة، والسينما دراسة له. منذ عام 1998، تبدأ سيرته السينمائية بـ”الرغبة والطين” (30 دقيقة)، منتقلاً بعده إلى الهمّ العراقي، ومُنجزًا في الأردن “أين العراق، أين العراق؟” (2005، 20 دقيقة)، متابعًا فيه أحوال عراقيين هاربين من جحيم الحرب القائمة في بلدهم، قبل 75 يومًا على سقوط صدام حسين. بينما “مونولوغ”، الذي لم يُنجز كلّيًا لغاية الآن، يعكس علاقة الشعر بالمنفى والناس، ويبحث في أحوال المقيمين في المسافات المثقلة بألف سؤال وهمّ، انطلاقًا من قصيدة لشاب من تشيلي يقول إن المنفى مستمرٌ “من منفى إلى منفى”.

جديده الوثائقي “73 درجة مئوية” (2017) يجول في أحوال العراق اليوم، مع 3 شخصيات في سنّ المراهقة، مصابة بأعطاب في الجسد والروح جرّاء الخراب الذي يُقيمون فيه بسبب حروب ونزاعات يتّخذ بعضها شكل “صدام الهويات” وأسئلة الآخر والأقليات والإرهاب والانتماء. وهذا كلّه مُصوَّر في 8 أعوام، يمرّ العراق ومحيطه خلالها بعنف واحتلال وأحلام موؤودة ووقائع معقّدة وقاسية، عبر عيون آسيا وريان وعلي، وكلّ واحد منهم ينتمي إلى مذهب ديني في عراق يُعاني تمزّق الاجتماع.

عن الفيلم الأخير له، كما عن أحوال العراق والأسئلة المطروحة، يتناول حوار “ضفة ثالثة” مع باز شمعون تفاصيل لن تخلو من الذاتي، وانفعالات لن تبتعد عن الواقع، وأشياء يومية في حيوات الأطفال الصغار الذين يعكسون عراق اليوم وانشغالاته ومشاغله.

(*) متى بدأتَ تُفكّر بفيلمٍ عن الهويات والصراع بينها ووقائعها في جغرافيا ملتهبة كالعراق ومحيطه، وذلك عبر شخصيات فتيات وفتيان معرّضين لقسوة الحروب ورذائلها؟ وكيف خطر على بالك موضوعٌ كهذا؟

ـ عام 2007، كنتُ منشغلاً بمَنْتَجَة النسخة الثانية من أول فيلم طويل غير روائي لي. حاولت وقتها إيجاد حلول لشخصيات حقيقية تمارس حالتها وواقعها بطبيعية أمام الكاميرا، لكنّها تمثّل همومها في عالم آخر موازٍ لهمومها الإنسانية. الشخصية الرئيسية في الفيلم وجدي معوّض، الكاتب والمسرحيّ الكندي اللبناني الأصل. الفيلم مصنوع بأسلوب “سينما المؤلّف”، وهو يجمع الواقع باللاواقعيّ. لكنه لم يرَ النور، ولم يخرج من غرفة المونتاج حتى هذه اللحظة.

حينها، رنّ هاتفي في غرفة المونتاج في “مؤسّسة مركز الفيلم القومي الكندي”. كان والدي يطلب مني متابعة الأخبار في سهل نينوى في العراق. شعرتُ أنّ الوقت حان للعودة إلى البلد لصنع فيلم عن الأقليات (المكوّنات العراقية الأصيلة) التي باتت تتعرّض لضغطٍ وجودي وعنف كبيرين. في الوقت نفسه، تسلمت رسالة من هديل كامل تطلب مني فيها السفر إلى العراق. بين الاتصال الهاتفي وتسلمي الرسالة، وقعت كارثة 14 أغسطس/ آب 2007، المتمثّلة بمقتل نحو 1000 أيزيدي في عملية إرهابية نفّذها انتحاريون بتفجير 4 صهاريج كبيرة. الضربة قاتلة بالنسبة إلى مُكوِّن صغير كالأيزيدية. ضربة هدّدت الباقين على قيد الحياة والمنتمين إلى هذه الطائفة والملّة العريقة.

عندها، بات قرار العودة إلى العراق حتميًا، وغير قابل للشكّ أو التردّد. بعد أعوام طويلة أمضيتها بعيدًا عن الوطن، سأعود إليه كأيّ طفل لا يعرف مَنْ هذا ومَنْ ذاك. المكوّنات باتت مُهدَّدة، ولاحقًا أصبحتُ أنا جزءًا من المشكلة والصراع الدائر في بلدي. قادني البحث وتنمية الفكرة إلى الاتصال بشخصيات ومنظمات بدأت تساعد الأيزيديين بسبب الكارثة الممنهجة والمستمرّة ضدهم. عائلتي الكبيرة في العراق مؤلّفة من مناضلين أشدّاء، وهذا عاملٌ إيجابيّ لتجربة العودة إلى الوطن وتحقيق فيلم، اخترتُ له أطفالاً هم ضحايا الإرهاب والعنف الديني، ممن نقلتهم منظّمات إنسانية إلى ألمانيا بهدف تلقّي علاجات ضرورية.

وضعتُ مادة الخام السينمائي في أرشيف المؤسّسة الكندية، وأقفلتُ على فيلمي “المونولوغ”، وتوجّهت إلى الأرض الملعونة، والتقيتُ الأطفال آسيا وعلي وريان، الذين أسّسوا مضمون حكاية تتناول مسألة حسّاسة: كم هو صعب وممكن ـ في الوقت نفسه ـ العيش تحت سقف واحد مع عوائل وأطفال من خلفيات اجتماعية وثقافية ودينية، تختلف وتتناحر في عاداتها وتقاليدها وإرثها ووجودها؟ الحياة المشتركة بين الضحايا معقّدة وصعبة، واختلاف وجهات النظر يؤدّي إلى خلافات مكتسبة أساسًا من مجتمعاتهم: العصبيّة وعدم قبول الآخر المختلف دينيًا. حتّى اللون يشكّل أزمة بين قرية وأخرى.

عندما تأكّدتُ من أن حالة الأطفال بين بعضهم البعض هي حال الحكم في العراق، أو أنها انعكاسٌ قويّ للأزمة، عرفتُ أن هذه الأخيرة (الأزمة) حلّت في أصغر جيل، هو جيل الحرب والطائفية.

لذا، على فيلمٍ ما أن يحكي حكاية العراق ويغزلها بنقشٍ بطيء مع هذا الجيل المتكسِّر. عندما عشتُ صراعهم، تيقّنتُ أنّ موقفي ووجهة نظري المستقلّة مهمّة، وأنهما سيكونان موضوعيّين وبمصداقية عالية. هنا، قرّرتُ أن الإنتاج سيكون من دون أي ضغط في تحديد موعد نهائي لسرد حكاية العراق والشخصيات. عندها، بدأتُ الحفر.

شكل النص وأسلوبه

(*) هل كانت الكتابة صعبة، أم أن المسائل التي تبغي تناولها واضحة أمامك منذ البداية، ما سَهّل فعل الكتابة؟ وبالتالي: كفيلمٍ وثائقي، أعرف تمامًا أن هناك مساحة واسعة أمام المخرج تكون مفتوحة على وقائع أثناء التصوير لا تكون مكتوبة أو متوقّعة أحيانًا قبل البدء بتنفيذ المشروع.

ـ بالتأكيد. في البداية، هناك صعوبة بالغة في كيفية اختيار أسلوب كتابة النص الوثائقي وشكلها (Format)، الذي هو أعقد وأكثر فتكًا من كتابة فيلم روائي ووثائقي ممنهج. لا وضوح في الرقعة الإنتاجية في البداية، يعني لا وضوح في الرؤية، والـ”ثيمة” تكون ضبابية وغير مُحدَّدة. نتحدّث هنا عن الفيلم السينمائي غير الروائي لا عن مادة خام تلفزيونية. لكنّ الأمر لا يكون مستحيلاً عند امتلاك النيّة والرؤية، وإنْ تكن الأخيرة مُشوّشة. بالإضافة إلى الدافع الذي يجب أن تتصاف معه وتقوِّيه باستمرار، وأن تتصالح مع الزمن قبل اختيار نوع الفيلم غير الروائي أو الوثائقي الذي تريد إنتاجه وصنعه.

اخترتُ الأصعب في انتقائي المكان والزمان ونوع الشكل/ التصميم الذي أريد رؤيته على الشاشة الكبيرة. اختياري مكثَّفٌ في البحث، وهذا لم ينتهِ إلاّ بعد جهود كبيرة وضاغطة. المساحة تكبر وتفاجئك لحظة التصوير أو قبلها. لكنك تملك نصًّا أوّليًا (“سكريبت” ما قبل التصوير) يكون جسرًا بل بوصلة تحميك من التشتّت، وتُجنِّبك الفوضى والإرباك، فيكون التركيز مثاليًا لأن في بلدي العراق لكلّ شخص مليون حكاية درامية عاشها شخصيًا أو عاشها جيران له أو أحد أقاربه. “سكريبت” ما قبل التصوير هو بالتأكيد العمود الفقري، وعليه تبني الحالة التي أنتَ بصدد إخراجها.

التشتّت عند ضحايا الحرب طبيعي وواقعي، وأنا أريد منهم التركيز في وجودهم لا التشتّت، لأن الشخصية قماش أحضّره وأصمِّمه وأقطّعه وأخيّطه، خصوصًا أن الشخصيات التي تقوم بالأداء معها ممتلئة بالأسى والحزن والخوف من النص والصورة، التي يمكن أن تودي بحياتها إلى الهلاك فيما لو وقعت بين أيدي كارهيها. المساحة التي أتحدّث عنها لا اهتمام لي في الاستفادة منها أو اللعب بها إلاّ بالرمزية وبالعودة إلى النصّ الأساسي الذي أكتبه، على أساس البحث قبل البدء بالتصوير. وهذا لا نقاش فيه عندما تعمل في زمن الحرب وتتعامل مع الزمن والحرب، لأن هذه المساحة ضيّقة، ولها جذر حكائي مختلف وغير متناسق أساسًا مع ما أنوي فعله. المساحة غير المقصودة لا تصنع فيلمًا يحكي حكاية مطوّلة عن وطن يعجّ بالهلاك والثأر والدمار.

المسألة الثانية: يبقى الاعتماد في السلوك أو الأسلوب الفيلمي على هذه المساحة، إذ يجدر بالمخرج أن يكون “ريبورتر” في ساحة حرب حقيقية. بالنسبة إليّ، يُمكن أنّ يتمخض من هذه المساحة العابرة شريط “فيديو كليب” مؤثّر فقط. أنظر إلى حال علي عند السقوط وهو يلعب كرة القدم مع أصدقائه. هذه مساحة استخدمتها فقط للتأكيد على هشاشة وضعه الصحي والنفسي، ولكي نتعرّف على وضع الصحّة بشكل عام في البلد الذي تعيش فيه الضحية كخلفية، وليس اللعب على الدراما عند الشخصية أو المتفرِّج. لهذا، لم أكن أرغب إطلاقًا في اللعب فوق أو إلى جانب أو تحت المساحة التي تقصدها، لأنها بالنسبة إليّ كمخرج تبقى عابرة ولا رصيد لها في فيلمي، وإنْ تكن الوقائع دراماتيكية تحدث أمامي فتلتقطها كاميرتي أثناء تنقّلاتي مع الشخصيات.

أبني المساحة التي أريد الاشتغال عليها، ولا أقبل أن يبنيها غيري فأستخدمها أثناء أدائي. أدخل المساحة التي أبنيها بهدوء ومنهج وهيكلة، والمنظور أرسمه من فوق، وبعد تنمية مستفيضة أنزل إلى القاع، ليكون لتحرّكي وأدائي مع الشخصيات معنى وسببٌ.

(*) هل كان صعبًا الحصول على إنتاج أو تمويل للمشروع؟

ـ في بداية شروعي بالمشروع وتحديد الـ”ثيمة” الرئيسية، لم أحدِّد سقفًا زمنيًا للتوقّف عن الإنتاج، لكنّي كنتُ أتحسّس بقوّة أن هذا المشروع سينهك باطنيًا طاقتي، بسبب مشكلة الأقليات والعنف الموجّه ضدّها، وهذان العنف والمشكلة لا نهاية لهما، بل أنّ الضغط يزداد يومًا بعد يوم. لم أكن متحمِّسًا للبحث عن ميزانيات، خصوصًا الكندية والأوروبية. كنتُ محتاجًا إلى ما يكفي لمتابعة الحكاية وتطوّرها.

كمنتج مستقلّ في بداية الشروع بالتصوير، استغربتُ مدى رفض المؤسّسات السينمائية ـ الفنية والحكومية المشاركة في موضوع عن الأقلية وعن مكوّن “الأيزيدية”، فهذا يسبِّب لهم مشاكل عند عرضه وتوزيعه. الأيزيدي صغير وضعيف ومهمّش في البنية والوجود والمعتقد الذي يضعه في خانة الكفر، ومساحة الحديث عنه والتطرّق إلى مشاكله عندما تحلّ الكارثة، فيبدأ هوس الإعلام والتلفزيون بالتجارة الوقحة والمضرّة.

أبحث عن الحلقة الأضعف في المجتمع العراقي المستهلك حتى الموت. لهذا، فإنّ الإقصاء يكون مصير فكرة لا تتقاسم مصالح الفئات المرتبطة بالإنتاجية العالمية أو المحلية. أتحدّث هنا عن مستوى راقٍ من المؤسّسات التي تفضِّل أن تقتصر “ثيمة” الفيلم على عقدة التضارب والتناقض والصراع الطائفي بين الشيعة والسُنّة وتغذيتها، على أساس الحدث الحامي. “موديل” و”ثيمة” لا إيمان لي بهما، و”كليشيه” ممسوخة بالنسبة إليّ كمخرج لا تعنيني كثيرًا.

هذا للحفاظ على استقلالية الرؤية المطلقة للفكرة والنص، فتكون الكلمة الأخيرة من نصيبي. لم تكن نيّتي أخذ طريق الأفلام التلفزيونية، وهي طريق ممنهجة وعادية في تناسقها ورؤيتها من منظوري كمستقل. وكمخرج، الأهم عندي رفض إقصاء المكوّن الأيزيدي من الفكرة أو الإنتاجية أعوامًا طويلة. هذا حدث في كندا وأوروبا وبلدان العرب، وضمنها مؤسّسات العراق التي كانت تطلب مني رسالة البراءة من الإرهاب، التي قادتني إلى رفض المبالغ المُقدَّمة لي بعد تبرئتي من سُمعة الإرهاب والإرهابيين في رسالة بعنوان “من أنا؟”.

(*) وكيف تمكّنت من حلّ هذه المسألة؟

ـ التخلّي عن ثلث الميزانية تطلّب جهدًا وشجاعة كبيرين في عملية الإنتاج، وهذا ينطبق على المؤسّسات المشاركة بميزانيات قليلة، وعدم الإكتراث أساسًا بالعملية الإنتاجية إلاّ من أجل المصلحة الضيّقة. لهذا، قرّرت الاستمرار مستقلاً في إنتاج “73 درجة مئوية”، واحترام الـ”ثيمة”، والحفاظ على منظور المطروح كما أريده أنا لا كما يريده أيّ مُنتج تلفزيوني عابر.

التمويل سياسة متقنة ترضي الطرف المموِّل لا المخرج المبدع المستقلّ في رؤيته وتفكيره. العمل مع هذه المؤسّسات مصيره الهلاك وفقدان الاستقلالية، وعدم الشعور يومًا أن المُنتَج النهائي يُلبّي طموحاتك ورؤيتك ونيّتك و”ثيمة” الفيلم التي تصبو إليها روحك. حتى لو حصلتُ على ميزانية تفي بالإنتاج، يجب أن يكون من يدفعها “مُساهم” ليس كمتبرع بل كمستثمر بأقلّ من المنتِج المستقل. ذلك أنّ حرية الابداع ثمنٌ يدفعه المخرج المستقلّ.

“السؤال عصيب لكن الأجوبة كثيرة”

(*) حسنًا، ولكن كيف تعاملت مع الشخصيات المختارة: هل كانت هناك علاقة بهم سابقة على المشروع والتصوير (هناك والدك طبعًا)، أم أن المشروع دافع لك للتعرّف على أناسٍ اخترت منهم شخصيات أساسية؟ وبالتالي، هل واجهتك تحدّيات في مسألة قبولهم التعاون معك؟

ـ عندما تحدِّد “ثيمة” الفيلم، وقبل الدخول في عملية الإنتاج، هناك سؤال عصيب وموجع وضروري تطرحه على نفسك: لماذا أكون أنا المخرج الوحيد الذي يستطيع إخراج هذا الفيلم أو إنتاجه؟ الجواب يعطيك الأبعاد الحقيقية للواقع الإنتاجي الذي أنت بصدد العمل في إطاره، ثم تحقيقه. هنا تبدأ حسابات المنتج والمخرج والكاتب.

بخصوص “73 درجة مئوية”، الأجوبة كثيرة. منها أنّي ولدت بين دار الروحاني الأعظم بابا شيخ، ودار أمير الأيزيديين في العراق والعالم. هذا يعني أنّي مرتبط بعلاقة أجيال ممتدة على قرن كامل من العاطفة الخاصة والقوية بالموضوع، وبالملّة التي أنوي سرد حكايتها أو حالتها الدرامية على الشاشة الكبيرة. جذور علاقة عائلتي بالمجتمع الأيزيدي تمتد على أكثر من 100 عام. كان نضال والدي وعائلتي الرابط الحقيقي، وبالدرجة الأولى عالم والدي أكثر مما هو عالمي، أنا المنفي منذ أكثر من 40 عامًا.

المهم وجود عمود فقري للحكاية يسهِّل الكتابة وقيادة المركبة والتكوين الحكائي بتفاصيله كلّها. التعامل مع الشخصيات المختارة أخذ وقتًا طويلاً، نحو عام من البحث المستمرّ والاختلاط بضحايا الكارثة العراقية في العراق وأوروبا، بمساعدة الجاليات الأيزيدية وشخصيات مرتبطة بالمشكلة خارج الوطن. اخترتُ الطفلة آسيا كمال من بين نحو 100 ضحية. بعد عام على ذلك، تجمّعت الحلقة لتشكيل مثلث يضمّ ـ إلى آسيا ـ ريّان وعلي. كنتُ أبحث عن شخصيات مهمّشة في كلّ شيء في زمن الحروب المستمرة، من دون طاقة ولا تعليم، ومن دون تناسق مشوّش، أي ضعفاء، أي “عجينة” يحتاج العمل عليها أعوامًا طويلة لإبعادهم عن الموت بكل ما أحمل من طاقة. لعبة الكاميرا واهتمامي أراحا الشخصيات الضحايا ـ الأقوياء من مواليد القرن الـ21.

هكذا تسنّت لي إمكانية العيش معهم والتقرّب من عوائلهم وانتزاع الثقة والمصداقية المطلقة منهم للتعاون معي في إيصال أصواتهم ومشكلتهم إلى الشاشة، رغم الإشكاليات التي تلاحق العوائل والأطفال الضحايا إلى اليوم. الصعوبة كامنةٌ في الخوف الذي يحملوه معهم، الضحايا وعوائلهم. الحرية والحرمان والخوف من القتل المتعمَّد والحرب المستمرة التي لا تعرف أين ومتى تنتهي، أمور مؤثّرة جدّيًا على نتائج العمل.

الإشكالية الكبيرة تكمن في أنّ المجتمع الذي أحاول أنّ أنتزع منه اعترافاته وتجربته الدرامية الكارثية ليس له أدنى علم بالأداء الذي أقوم به، وبطبيعة المهنة، خصوصًا أنّ زمن انتهاء المشروع غير محدَّد في أجندتي المستقلّة. بعد أعوام من العمل، اعتادت الشخصيات أن تلعب نفسها بنفسها، وأن تعكس حالتها من دون أي تردّد أو تصنّع أو إحراج، كي تصل حالة الأداء والنموّ ـ التي أنوي التقاطها حسب المعالجة السينمائية والخط العام للفكرة ـ إلى الشكل الذي تشاهده في الفيلم.

(*) لكن ألم تواجهك صعوبات في “اختراق” مجتمعات كهذه، منغلقة على نفسها أو ربما خائفة من الانفتاح؟

ـ المجتمع الأيزيدي منغلق على نفسه وصعب المراس. الغدر والخداع يقلقان آسيا التي أحيك معها حكايتها. الخوف آلة تطحن الإنسان، وهي أقوى من الطبيعة البشرية بشكل عام. المجتمع الجنوبي ديناميكي، يملك عنادًا ودافعًا، وله السلطة، ويملك طاقة للمطالبة، وشجاع في مطالبه. لكنه هو أيضًا محطَّم ومطحون، أفقرته الحروب الممتدة على أكثر من 40 عامًا في البصرة. أما كركوك، فهي الأخرى مقطّعة ومرمية في صراعات إثنية، وفي من سيكون مالكها الشرعي تاريخيًا، كما حدث مع ريان، الذي ثقب الصراعُ على الأرض جسدَه. حكاية لا تنتهي.

هكذا تعقّدت الحلقة والمعالجة والنص، لتكون حلقات وحلقات تتجمّع كتلاً مُصوّرة تضعها جانبًا، ثم تُوازنها مع سابقاتها، وترى المواقف. الحزن والصمت الأبديان عند آسيا. لكن، عندما تجمع هذا الكمّ الهائل كلّه من المعلومات والمآثر والقلق المستمر والصدف، التي عليك أن تجيد كيف تحوّلها إلى معزوفة لعالة أو إعاقة، هذا كلّه يطوف على سطح النص، من مواقف وتجارب إنسانية. هنا، كمخرج، عليك أن تعي أن هذه المأساة والتجربة التراجيدية التي تعيشها الشخصية، واللحظة التي تتأكّد من أنك ملكت الضحية، هي بداية ممارسة عملك في نسج الحكاية، وتنسيق خطوطها بعضها مع البعض الآخر، ليكون تكوين واحد وبناء قوي للجسد: جسد واحد لكنه برؤوس عديدة. وما يطوف فوق النص هو الأرقى والأهم ليفوز بالنحت فيه في غرفة المونتاج.

لعودتي المستمرة إلى بلدي جانب آخر من الأهمية، في مسألة قبولهم أو امتثالهم أمام الكاميرا، أو تعاونهم أخلاقيًا بعد العام الأول من الكارثة. لكن الصعوبة كامنةٌ في أنك تلتقي شخصية صلبة تعرف حقيقةً عاشتها، لكنها تقول شيئًا آخر، فقط لأنها مهمَّشة أو تخاف العقاب والجلد إذا تكلّمت عن مشكلتها الحقيقية بشهامة وكرامة وحرية. هذا يحدث مع الشخصيات التي تخسر الكثير، ولا يبقى شيء آخر تخسره.

الشخصية في الشرق تنفعل عاطفيًا بشدّة، وتتوتّر أمام آلة التصوير. لكنّ هذا لا يكفي لصناعة فيلم متّزن وغير هستيري بسب حجم الكوارث التي تصيب الناس وشدّة الحرب القاسية. لذا، على المخرج المستقلّ أن يتذكّر أنّ استنباط الدراما أثناء الحروب، بفعل الحركة السريعة، لا يصنع فيلمًا غير حربيًا. “73 درجة مئوية” تجربة صوغ سينما تأخذك إلى الواقع بشكل أكيد. لكن التعامل مع الشخصيات الحقيقية صعب جدًا، وأكثر تعقيدًا من التعامل مع الشخصية الروائية.

لم تعد المراقبة والمفاجآت والصدف في الأفلام الوثائقية مهمّة. المراقبة لا تُعدّ لغة وثائقية ونصًّا إبداعيًا، فقد انتهى زمنها في الفيلم الوثائقي.

(*) في الإطار نفسه، أودّ الإشارة إلى مسألة مُكمِّلة للسابق: غالبًا ما يُواجه المخرج الوثائقي مأزق العلاقة بشخصيات يختارها. ففي البداية، يُمكن للمختارين أن يكونوا مريحين بالتعامل معه بعيدًا عن الكاميرا. لكن للكاميرا سطوة ربما تجعلهم يتردّدون أو يُبدّلون أقوالهم. هل حدث هذا معك؟

ـ بالتأكيد تحدث إشكاليات كهذه إذا كان الخوف يُسيطر على مجموعة كبيرة من البشر، بسب الشرّ المحيط بها، حفاظًا على حياتها. يُمكن للإعلام أن يقتل، كما الكلمة تفعل. لم أقع في هذا الفخّ، لأني أتحدّث لغات المنطقة، وأنا جزءٌ فاعلٌ منها وفيها، ولست أوروبيًا غريبًا يأتي لتأدية مهمّة تصوير ويغادر. شخصيًا، أصبحتُ جزءًا كبيرًا من المشكلة بعد دخول التطرّف الديني العنيف إلى بيتي، واغتصب أرضي وهويتي ووجودي، وهدّده حتى التكفير به.

في البداية، أي نحو عام كامل، كنت أقوم بواجبي تجاه شخصية آسيا. اللوحة الوحيدة التي رسمتها لي هي أنّ الخجل والاحترام الكبير الذي تُكنّه لي أثّرا قليلاً في قوّة شخصيتها وطموحاتها اللاحقة. بدأتُ العودة معها إلى المكان الذي فقدَتْ فيه 22 شخصًا من عائلتها، وهي طفلة لا تُدرك ما الذي يجري حولها. تشعر بالألم، لكنها لا تعلم به كمفهوم مهدِّد لوجودها في أي لحظة. كانت ضعيفة لا تقوى على الكلام من شدّة الصدمة. الأخلاق والاحترام والحبّ أمور تُقرِّبك إلى قلب الشخصية، بعدها تقوم بحياكة وتحديد ما تريده منها، حتى لو لم تكن تقوى على الحركة. المخرج يحب أو لا يحب شخصيته، وعندما يحبّها ويتعلّق عاطفيًا ووجوديًا بها، يزول القلق تمامًا.

“مركز الفيلم القومي الكندي” لم يؤمن إطلاقًا بأنّ هذه الطفلة ستعمل على حمل هموم تراجيدية كبيرة على كتفيها، لأنها بكلّ بساطة ضعيفة وهشّة. هذا حاصل إذا رافقتَ الشخصية ليومين على الأقلّ، ثم تقوم بالفعل في المونتاج. أنا لست كذلك. من لحظة تحديد الـ”فورمات” (الأشكال) التي أختارها للعمل والإنتاجية، كنت أعرف ما أريد. أبحث عن المتاهات في الشخصية. التوازن والرقي والرقبة العالية والعزّة أمورٌ أحتاج إليها لتحديد الشخصية الرئيسية. المواقف أيضًا. إلخ.

آسيا تعرف من هي عندما تتكلّم مع الموتى. بين القبور، هي مرتاحة. وفي المدينة، متوترة. لكنها لا تعلم كمْ أنّ الوجع كبير بالنسبة إلى الجميع. فقط كنتُ أحدّد ملامح عملي. أرسم تفاصيل، وأسجّل بكاميرتي الصغيرة مقاطع أحبّ العمل عليها لاحقًا. كنتُ أرافق عائلتها إلى المزارات والأعياد، وأتحدّث مع الشيوخ والروحانيين والسياسيين والمواطنين. أكتشف وأبحث باستمرار. حتى الحياة الروتينية كنتُ مندمجًا فيها مع عوائل الضحايا، وأبعد من هذا هناك المحلّة والمدرسة والشارع والجامع والكنيسة والمستشفيات.

ببساطة، كنتُ أساعد الشخصية في التعرّف عليها وعلى نفسها عن قرب، حتى بدأت مخاوف آسيا تتلاشى بسبب وجودي معها وحولها في محنتها، ووقوفها على قدميها. استشعرتُ أن آسيا ستقود حكاية الأيزيديين، وهي في هذه المحنة أو المشكلة الوجودية. نتعرّف عبر هذه الطفلة على ما الذي يجري ضدهم، وعلى النص الإيماني الذي تؤمن به، وعلى هويتها ووجودها. حتى هنا، أنا لم أكن مقتنعًا أنّ آسيا ستشكّل حكاية العراق بمضمونها وشكلها العام. إنها جزء من مشكلة العراق، لهذا عليّ البحث عن مخارج لتوسيع الرقعة، لكن ليس على حساب الموضوع الأصلي. ظهور ضحيتين، إحداهما من البصرة والأخرى من كركوك، شكّل حلقة العراق وخريطته الجيوسياسية والاجتماعية.

ارتباط عاطفي

(*) وهذا كلّه تتطلّب منك وقتًا طويلاً، خصوصًا أنك أخبرتني في البداية أن نقظة الانطلاق عائدة إلى عام 2007، مع المجزرة التي طالت أيزيديين.

ـ الآن، أصبح النصّ واللعبة ميكانيكيين وجاهزين للأداء، بعد انفتاح رقعة الشطرنج. بالإضافة إلى أنّ عملية البحث مستمرة، كما الحفر في الشخصيات وعوائلها. حقّقنا 29 عملية إنتاج بين 8 و15 يومًا لكلّ مرحلة. مراحل الإنتاج استغرقت 8 أعوام من العمل الممنهج، وقبل كلّ وقعٍ إنتاجي يكون البحث والتنمية جاهزَين لترتيب النصّ الذي سيُصوَّر، لا كمسطرة أو قالب، بل مع “سْكريبت” بخطوط مضغوطة: ماذا نفعل، وماذا نريد من كلّ قالب، شكلاً ومضمونًا، صورةً وصوتًا. وهذا للوصول إلى معالجة سينمائية لبناء الصورة والحوار اللذين نعمل فيهما.

الصعب هو أنّ حالة بلد يعيش حربًا مستمرة يُغيّر من المواقف التي على المخرج أن يخرج منها ببيان. مثلاً: كيفية التعامل مع مسائل المصالحة الوطنية والطائفية والأقنعة المزيّفة والمركّبة في بلدٍ مُعقّد، ينهار كل لحظة في مستنقع الفساد واللعب الخطر بمقدّراته. عليك قيادة سيارتك بمهارة. فشل المصالحة الوطنية بين الفرقاء يعني فشل العلاقة بين الشخصيات الرئيسية في الفيلم. هكذا كنتُ أعمل على النص قبل التصوير. كلّ مرحلة إنتاجية كانت تتطلّب نحو 3 أشهر من البحث والتنمية والتصوير. لم يحدث أن إحدى الشخصيات سحبت أقوالها، أو طالبتني بسحب اعترافاتها، خلال 220 ساعة تصوير. لهذا، لم يتمّ اختياري الشخصيات على أساس أنّي مرتاح معها أو نافر منها. على العكس، أحبّ دائمًا السير في الاتجاه المعاكس لِلَمْلَمَة أكبر قدر ممكن من المعلومات والمفاجآت، والاستفادة منها في البناء الدرامي.

سطوة الكاميرا بحجمها الكبير، مع طاقم مؤلّف من 6 أو 7 تقنيين، كانت في البداية سلبية في إدارة التصوير والإنتاج. أنت تعمل في ساحة حرب، ويلازمك قلق مستمر. كانت عيون الشخصيات تتحرّك يمينًا ويسارًا، والأفواه معطّلة بالتمام بعد الكارثة مباشرة، والحركة قليلة، والفعل بطيء عند الضحية، والتفكير والتركيز ليسا معك. هنا، أيقنتُ أنّ الخوف من الموت والخدر يسيطران على حرية الضحية، فتكون بطيئة الحركة وقليلة الكلام وضعيفة الفعل. لذا، هي شخصيات تعيش متاهات الموت، وتخاف من أي شيء يتحرّك حولها، ويشوّش قدرتها على الاسترخاء والنسيان. الحاجة إلى طاقم كبير ومحترف في قرى تلتهب يوميًا بالظلم والإهانات، من دون ماء وكهرباء، يجعلك تفكّر جيدًا قبل أن تعد العدّة للإنتاج، ومن يكون معك ويلازمك هذه المحنة والمخاوف، وما هو نوع الأجهزة المحتاج إليها والكافية. على المخرج أن يعيش التجربة من دون كبرياء وتَعالٍ على الشخصيات، وما يدور حولها، بل البقاء معها ليتسنّى له بلوغ عمق الكارثة التي هو بصدد قولها عبر الشخصيات نفسها.

(*) لكن، ماذا عن تأثير التجربة عليك كمخرج وإنسان؟

ـ المسألة المهمّة الأخرى بالنسبة إليّ شخصيًا هو مكان الطفولة والحنين، الذي أخذ مكانه في الفيلم. ارتباطي العاطفي بالمكان، وبأقاربي وجيراني، وبهويّتي المسلوبة. كان لهذا كلّه أثرٌ قويٌ فيّ، عبّرت عنه في اختياري الأصوات (الغنائية). أصوات مقبلة من هذا المكان تخرج نقيّة وصافية ومن دون رتوش للبيع والشراء بالقدر الأخلاقي، وتكون وثيقة لـ100 عام مقبل، لمُشاهدة كيف كانت حالة هذه المكوّنات بداية هذا القرن. فالمكان الذي أدور في فلكه ممتلئ صورةً وشعرًا إنسانيًا: معابد ومزارات قديمة وأصالة وحكمة وتاريخ ووجوه جبلية، عمّقت كلّها التجربة، وزرعت فيّ حالة أخرى، فتغيّرت حياتي تمامًا. العودة عرّفتني بعمق على الكارثة التي حلّت بالبلد، صاحب العجائب والغرائب.

والدي كان الرابط الأقوى في الحفاظ على حياتي، لأنّ المجتمع الذي أتحرّك فيه يؤمن بالأبوية، لا بمن أنت كفرد مستقلّ. لا تنسى أني مغترب منذ 40 عامًا. الجميع هناك مربوطون بحبال أبوية وعشائرية، وعليك أنّ تتصرّف بازدواجية بسبب سمعة الأب أو رئيس العشيرة ومواقفهما. لذا، اخترت والدي الذي تربطني به علاقة صداقة، وسمعته النضالية ـ بفضل جهود بذلها من أجل هذا الوطن ـ قوية وكبيرة، ولا شكوك في نزاهته ووطنيته الكلاسيكية. هو الأقوى في تشخيص حكاية الوطن بما هو أبعد من مجرّد عودة مخرج إلى بلده بعد غياب طويل.

(*) الصبيان والصبايا المُصابون بأعطاب الجسد وقلق الروح: كيف تمكّنت من سبر بعض أغوار ذواتهم؟ وهل الصعوبة في التعامل معهم أقوى وأكبر من تلك التي يمكن أن تواجهك في التعامل مع كبار؟ هل كانوا “مُريحين” في التعامل مع الكاميرا؟ إذْ لاحظتُ أن لدى بعضهم غضبًا وتوتّرًا كبيرين. وهذا مفهوم طبعًا.

ـ بعد اكتمال المفاهيم كلّها وتشكيل الحلقات الإنتاجية، وبعد أن وضعنا كلّ شخصية في سياق منفرد واهتمام إنتاجي خاص بها للابتعاد عن قلق روح الشخصيات مع آلة الكاميرا والطاقم الكبير والظروف المحيطة بشكل عام، تغيّر سلوكي في المواقع والسفر الدائم باختصار عدد المحترفين المرافقين وعدّتهم، لعدم قدرتي على السيطرة على ما يدور حولي أيام الحرب. لذا، انخفضت التكلفة بعد تطوّر الكاميرات والتقنيات، وأصبح العمل أسلس مما كان عليه قبل عام 2011.

في البداية، كانت لديّ كاميرا “سوني كومكوردير” وكاميرا أخرى بمقاييس أكبر وأكثر جودة. لكن اللحظة لا تنتظر تجهيز العدسات والإضاءة والاهتمام بالموقع وتفاصيل كثيرة كي يبدأ العمل. الكاميرا الصغيرة تعطيك خطوطًا عميقة وقريبة من قلبك ومشاعرك، وعمقًا في الأداء والتعبير واللغة السينمائية. أما الكاميرا الكبيرة في هذه المناطق غير الحرّة وغير الصحية لا لزوم لها. أنت تعالج تراجيديا فتصرف بمفهوم أكثر تألّقًا واحترامًا، فهم ليسوا ممثّلين محترفين لتأدية أدوار مركّبة، بل هم حقيقة من لحم ودم وروح وأحلام وطموحات وحياة.

الحبّ والتقرّب والشعور بالطمأنينة والمصداقية والاحترام المتبادل والتفرّد في المواقف الصعبة والصبر والوعود، أمورٌ ساعدتني نسبيًا على خلاص هذه الأرواح، وعلى وضع أصحابها في حالة أمل وتأمّل إزاء مُصابهم وقدرهم المؤلِمَين. ألهَمَهم الدافع القوي والحبّ الذي أحمله فيّ بأن أحكي حكايتهم بالطريقة التي سردتها في الفيلم.

التعامل مع الكبار أعقد، لكن جسارتي المهنية ودافعي ومعرفتي باللغات واللهجات وعلاقاتي علّمتني الكثير عن جسد بلدي ووعيه، فأدركت سريعًا من هو وما هو. تمثيل الكبير وقناعه الحقيقي ينكشفان سريعًا. عمليًا، التمثيل والأداء الاجتماعي والمهني فاشل عند كثيرين من الكبار، وإلا لماذا آلت أمور البلد إلى ما آلت إليه؟

لم يتوقّف اهتمامي بالشخصيات إلى الآن. باتوا أصدقاء مقرّبين، ولهم التقدير كلّه لأنهم تحمّلوا الأداء أمام الكاميرا أعوامًا طويلة، رغم حالاتهم المعقّدة والمستمرة. في مواقف كثيرة، لم أكن منتجًا فقط، بل طبيبًا ومرشدًا ومخلّصًا ومساعدًا ومستشارًا ومذنبًا وإرهابيًا وسياسيًا مرتشيًا ومتعاليًا، وأيضًا كنتُ فنانًا منحازًا وطائفيًا وعنصريًا. في مجتمعاتنا، اللائحة تطول من القريب والبعيد، فهذا زمن الحرب، ومساحة الصراع مفتوحة، وخرج السرطان عن السيطرة.

خلاصٌ أو حرية؟

(*) لكن هؤلاء يحتاجون إلى متنفّس. يريدون خلاصًا من آلامهم ومآزقهم. أتظنّ أن فيلمًا كالذي أنجزته معهم قابلٌ لأن يمنحهم بعض راحة؟ أسأل، لأن هناك من قال في الفيلم إن سفرك مع بعضهم إلى ألمانيا للعلاجٍ، سيُضرّ به لأنه سيعود إلى بلده وإلى التمزّقات الكثيرة فيها وفيه.

ـ آسيا كمال تخاف الظلام والسلاح، وتريد أن تموت. ريان ممزّق بالرصاص، وأحلامه وهو صغير باتت مشتّتة: “كان يُفترض بي أن أموت” كما يقول. علي يدعو الموت إليه: “أنا وجسدي في تعفن مستمر”. الجميع يدعون أيضًا إلى الخلاص من الحالة التي أصابتهم، وهي ثقيلة عليهم. لكن هذا الهرم المؤلم والحياة المعطّلة تمامًا عند الضحية، كيف لك كمخرج أن تستخلص من أدائك القوّة الخفيّة الكامنة في الشخصيات، وتبني على أساس هذا نمو كل شخصية وتطوّر صراعاتها في الحياة؟ كيف تفلت من الخناق؟

بحثتُ عن شخصيات بحلقات ضعيفة، لكنها غير مستسلمة كليًا. ثم قمت بتجميع كلّ حالة على حدة وتنسيقها، وبدأت توحيد الحالات كي تكون جاهزة للصق بعضها ببعض، ومنها نصل الى أين ومتى وكيف نقدّم ضحية تعمل على تجاوز أزمتها كضحية كي تصل إلى برّ الأمان، وهي معافاة نسبيًا.

تقول الراحة والخلاص؟ أنا لا أعتقد هذا. أصعب وأبعد من هذا المتنفّس، أي الحرية. الشخصية ممسوخة ومحطّمة بعد تجربة التراجيديا. تكون ضعيفة وتشتهي الهواء بقوّة. لكني، كمنتج ومخرج “73 درجة مئوية”، أتحسّس جيدًا في اختياري الشخصيات والحالة، أي المشكلة التي تعانيها، وأقطع الشكّ كلّه سلفًا بأن ابتزاز المنتج والمخرج والمشروع صعب الحدوث، بسبب اختيار الشخصية قبل البدء بالعمل معها. خصوصًا عندما يكون الفيلم مكثّفًا ومزدحمًا كحكاية “73 درجة مئوية”.

بعد تحديد الشخصية الرئيسية والـ”ثيمة”، تأتي العائلة ثم الأقارب والجيران والمحلة، والخطوط الأخرى. استمرار الشخصية الرئيسية ونموّها والتركيز عليها موجّهة كلّها في الشخصية لا في خارجها الظاهري. هنا، تفتح على الوطن بكامله، كصقرٍ ينظر من فوق ويحرّك الـ”سكريبت”، فينمو كلّ شيء هكذا.

أنت محقّ. كنتُ أبحث عن شخصيات قلقة ألتقيها وهي في مرحلة الصدمة، تحمل ألمًا عميقًا، وهي في مأزق يصعب حلّه، كحالة آسيا مُحطّمة الجذور والهوية. لا مكان عندي لشخصيات تريد تعويضًا أو مقابلاً للنحت في حالتها.

عندما تضع خريطة الشخصيات الرئيسية لا الفرعية على الطاولة للبحث فيها وعنها، كما في “73 درجة مئوية”، تجد أنّ المسخ والفراغ والمتاهات وحالة التمزّق واضحة في الشخصيات. هؤلاء أطفال من جيل بداية القرن الـ21. للأسف، الفيلم قدّم راحة نسبية، والتجربة أعطتهم قوّة ودافعًا للعمل وإيجاد حلول لمشاكلهم وهمومهم. هؤلاء ضحايا أقوياء. آسيا أنجبت طفلاً في معسكر اللاجئيين في العراق، وريان لحّن أول أغنية له عن الانفصال وتخرّج بتفوّق في مراحل دراسته، وعلي المُقطّع حارب في القوات الخاصة كقنّاص ضد “داعش” في مناطق سهل نينوى، وزوجته تنتظر ولادة ابنهما الأول.

(*) سؤال أخير: أكنت تتوقّع مصائر كهذه للشخصيات الـ3 تلك؟ أقصد خلال عيشك طويلاً مع كل واحد منهم على حدة، هل كنت تشعر أنهم سيبلغون أوضاعًا كهذه؟

ـ بالتأكيد لا. التقيتُ الأطفال بين عامي 2007 و2008، ولم أتخيّل يومًا أن عليّ من البصرة سيكون له حظّ في الزواج، وفي قتالِ أعنف مجرمي العالم، بسبب علاقته بصديقته آسيا، ومعها هادي بابا الشيخ، ليتسنّى له في المقابل التعويض عن مساعدة الأيزيديين له في علاجه الذي استمر أكثر من 3 أعوام.

أما ريان، ففي الحقيقة كنتُ أؤمن بقدراته العقلية وذكائه، وبأنه يحبّ الشعر والغناء والمدرسة، وبأنه عنيد. كان يكره كل ما هو ليس مسلم. فعليًا، حقّق ريّان ما كان يريده ويحبّه.

وآسيا، الضعيفة وقومها المُعرَّض للإبادة يوميًا، لم تكن ترغب في شيء آخر غير الهروب للمحافظة على حياتها، حتى اللحظة التي أتكلّم فيها معك الآن. لم أتصوّر بأنها ستفلت من الإرهاب والاغتصاب، لأنهما موجودان في كلّ زاوية من زوايا وطني. الحظّ ساعد آسيا على الهرب من الإرهاب إلى عمق الأراضي العراقية، كي تعيش مع عائلتها في معسكر للاّجئين بشروط بائسة. آسيا تزوّجت ابن عمها، وأنجبت طفلاً في المعسكر، وتغيّرت حياتها. لكن عينيها تمتدّان إلى ما وراء الحدود. اليوم، تطلب آسيا من المجتمع العراقي والعالمي صون وحماية مناطق تواجد شعبها الأيزيدي، أو إيجاد حلول لترحيلهم خارج العراق، والاستقرار في بلد يستطيعون ممارسة تقاليدهم وديانتهم القديمة فيه بحرية واستقلالية.

(*) ناقد سينمائي من أسرة “العربي الجديد”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*