الشعب الاشوري ..والاستفادة من حق تقرير المصير في القانون الدولي.

كيف يمكن لشعبنا الاشوري الاستفادة من القوانين والمواثيق الدولية لنيل حقوقه القومية المشروعة ، ومن هذه القوانين .. حق تقرير المصير ، لذا نهيب بالمهتمين بالشأن الاشوري القاء الضوء على هذا القانون وكيفية تفعيله من اجل نيل حقوقنا المشروعة .

ـــــ حق تقرير المصير في القانون الدولي

الفصل الأول مدخل إلى حق تقرير المصير -بدايات تاريخية لحق تقرير المصير -حق تقرير المصير في ميثاق وقرارات الأمم المتحدة

الفصل الثاني مضمون حق تقرير المصير في القانون الدولي -القيمة القانونية لحق تقرير المصير – أشخاص حق تقرير المصير الشعوب غير المستقلة الشعوب غير المتمتعة بالحكم الذاتي شعوب الأقاليم الخاضعة لنظام الوصاية

الفصل الثالث حق تقرير المصير وحق الانفصال -معايير ومبررات المطالبة بحق تقرير المصير- مقابل تأسيس الدولة -حدود حق تقرير المصير

الفصل الرابع -القانون الدولي وآلية ممارسة حق تقرير المصير -مسؤولية تطوير أهلية الشعوب غير المستقلة -سلطة البث في أهلية الشعوب غير المستقلة لممارسة تقرير المصير -أساليب ممارسة حق تقرير المصير -الوسائل الودية لممارسة حق تقرير المصير -بين الإرهاب واللجوء إلى تقرير المصير بالقوة المسلحة

الخاتمة قائمة بالمراجع العربية والإنجليزية

المقدمة

ندرك تماما، أن حق تقرير المصير، ارتبط وبشكل أساسي بالاستعمار والاحتلال الخارجي، أو الأجنبي، ويعبر عنه في القانون الدولي، بأنه حق ثابت، أي يتمتع بالقوة الآمرة.

ولكن هل هناك ما يفيد الادعاء القائل، أن حق تقرير المصير ارتبط، بفترة زمنية معينة في تاريخ الشعوب، التي كانت ترزح تحت سيطرة الاستعمار الأجنبي.

ومن المؤكد، أن هذا التساؤل يُدخل حق تقرير المصير في إشكالية لا حصر لها في القانون الدولي المعاصر، فغالبا اليوم لا يوجد حديث عن حق تقرير المصير، بالمفهوم الكلاسيكي السابق الذكر، باستثناء الاحتلال الإسرائيلي طبعاً.

إذن مع تطور القانون الدولي المعاصر، وبروز معاهدات ومواثيق حقوق الإنسان، كمصادر أساسية في القانون الدولي المعاصر، بالإضافة إلى ظهور انقسامات داخل كثير من الدول، أدت في بعض الأحيان، إلى ارتكاب مجازر، وحروب ضد الأقليات العرقية، والقومية، ما أعطى لحق تقرير المصير، دلالات جديدة في ظل هذه المتغيرات.

بحيث أصبح من الممكن، أن تطالب الأقليات، بحق تقرير المصير، وأن تطالب بحق الانفصال، هذا بالطبع ضمن شروط، أحياناً، تكون مرتبطة بالقانون الدولي، وأحياناً أخرى ترتبط بالدعم السياسي من الدول ذات النفوذ على الساحة الدولية، أو تتطلب كلاّ الحالتين معاً.

وللوقوف على هذه الإشكالات، بالبحث والتحليل، استلزم على الباحث، تقسيم البحث إلى أربعة فصول، ويتناول الفصل الأول: التعرف على نشأة حق تقرير المصير في القانون الدولي، والأحداث التي رافقت ارتقاء حق تقرير المصير في القانون الدولي، وكيف يصاغ حق تقرير المصير في ميثاق وقرارات الأمم المتحدة.

والفصل الثاني: يتحدث عن مضمون حق تقرير المصير، بمعنى، كيف يفسر حق تقرير المصير في القانون الدولي، وما مدى القيمة القانونية الذي يتمتع بها، هل هي قيمة مطلقة، أم تخضع للإستنساب؟ والتعرف على أشخاص حق تقرير المصير في قرارات الأمم المتحدة، كالشعوب غير المستقلة، والشعوب المطالبة بالحكم الذاتي، والشعوب التي كانت خاضعة لنظام الوصاية.

وفي الفصل الثالث: تتاح إمكانية وجود نقيضين “صحيحين” في القانون الدولي، أي كلاهما واجب التحقيق، من خلال التعرف ما إذا يمكن للأقليات، أن تطالب بحق تقرير المصير، وبالمقابل حق الدول في الحفاظ على سيادتها، ووحدتها الجغرافية، ورفضها للتجزئة، وما هي الشروط الواجبة لذلك في القانون الدولي، إضافة إلى إلقاء الضوء على حدود حق تقرير المصر، بحيث تتعرف على المفاهيم، التي ارتبط بها حق تقرير المصير، ويكف تفسر تطبيقاته في القانون الدولي المعاصر.

أما في الفصل الرابع: يهدف إلى تناول مسؤولية الأمم المتحدة في مساعدة الشعوب، في نيل استقلالها، وتقرير مصيرها، والتعرف على الوسائل، التي تستخدمها الأمم المتحدة لهذا الغرض. وفي القسم الآخر من الفصل، سنتعرف على الوسائل التي تستخدمها الشعوب، بهدف تقرير مصيرها، كالوسائل الودية، واللجوء إلى القوة المسلحة، وهنا تبرز، إشكالية أخرى، بحيث أصبح من الممكن الخلط بالقانون الدولي، بين الإرهاب واللجوء إلى القوة المسلحة، بهدف تقرير المصير، وسنرى كيف يؤثر ذلك على المطالبة بحق تقرير المصير.   حق تقرير المصير في القانون الدولي الفصل الأول مدخل إلى حق تقرير المصير – بدايات تاريخية لحق تقرير المصير

اعتبر نشوء وتطور حق تقرير المصير عبر العصور التاريخية، بمثابة رد فعل ثوري ضد مفهوم(الحق الإلهي)الذي ساد أنظمة الحكم في العصور الوسطى، بحيث كانت الدولة وإقليمها وسكانها تعتبر ملكاً خاصاً بالملك أو الإمبراطور، وهذه السلطة لا تخضع لأي قانون، فالحاكم يمارس سلطه كمالك شرعي، إلا أنه مع بروز الثورات والتيارات المقاومة لمفهوم الدولة الديني(الكنسي) تطورت فكرة أن السلطة إنما تكمن في الشعب الذي يتمتع بحق غير قابل للتصرف لتقرير شكل الحكم الذي يرغب به والدولة التي يود الانتماء إليها.”

واعتبرت البدايات الفعلية لنهوض حق تقرير المصير على الساحة الدولية، في بيان الاستقلال الأمريكي في تموز 1776م وفي وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية عام 1789م عندما تمكنت المستعمرات الأسبانية والبرتغالية في أمريكا الجنوبية من نيل استقلالها خلال الفترة ما بين 1810-1825، وفي هذا الحين أصدر الرئيس الأمريكي عام 1823 تصريحاً لضمان حق تلك الدول في تقرير مصيرها، كما تعهد بتقديم الدعم الأدبي والعسكري لحكومتها التي استندت لهذا المبدأ.”

وارتبط موضوع حق تقرير المصير بالحرب العالمية الأولى، وتأكد ذلك من خلال مؤتمر السلام الذي أعقب الحرب العاليمة الأولى، إذ تم التمييز في هذا المؤتمر بين الأقاليم الأوروبية وغير الأوروبية، فالأولى منحت الاستقلال بالاستناد إلى المبدأ، في حين تم ابتكار نظام الانتداب في المادة (22) من عهد عصبة الأمم لتطبيقه عل الأقاليم غير الأوروبية، والتي صنفت في ثلاث فئات اعتبرت إحداها فقط هي الفئة (أ) جديرة بنيل الاستقلال، على أن تتلقى خلال فترة غير محددة الإرشاد والمساعدة من الدولة المنتدبة.”

ولم يتوقف مبدأ تقرير المصير عند هذه الحقبة من المتغيرات، بل أن الاضطراب الذي أحدثه الحرب العالمية الثانية، أدى إلى إعادة تناول هذا الموضوع بالحلول والمعالجات المقترحة، ففي ميثاق الأطلسي الذي تم عقده في 14 آب 1941م بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس وزراء بريطانيا، وقد نص إتفاقهما على الرغبة في عدم إحداث تغييرات إقليمية ضد رغبات الشعوب، وان الشعوب لها الحق في اختيار أشكال حكوماتها.

واتسمت نصوص الميثاق بالغموض عامة، فهي لم تؤكد في نصوصها أن الميثاق، إنما مكرس ليشمل العالم بأسره، أم يقتصر أهمية تطبيقه على الشعوب الأوروبية.”

حق تقرير المصير في ميثاق وقرارات الأمم المتحدة وكانت بدايات إثارة الموضوع في مؤتمر سان فرانسيسكو، وقد صادق حينها المؤتمر على التعديلات المرتبطة بمناقشات الدول الأربع، وأصبح بذلك تشكل الفقرة (2) من المادة الأولى – أهداف ومبادئ الأمم المتحدة ونص على “إنماء العلاقات الودية بين الأمم، على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام.”

بالإضافة إلى المادة الخامسة والخمسين من الفصل التاسع الخاص بالتعاون الدولي والاقتصادي والاجتماعي، ويتضمن ما يلي:

“رغبته في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم، مؤسسه على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بيت الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها.”

إذ يعتبر هذا المبدأ في المادة الخامسة والخمسين أساساً لخلق شروط الاستقرار والرفاه اللازمين لعلاقات الصداقة والسلام بين الأمم الأخرى، إلا أن غموض مضمون هذا النص، أدى إلى استمرار الصراع في تفسير هذا المبدأ، واستمرار الصراع بلغ حده بين الدول الاستعمارية والدول المناهضة للاستعمار.”

وفي ظل تأزم الصراع طالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من لجنة حقوق الإنسان، في قرارها رقك “421” الصادر في كانون أول 1950م أن تضع توصيات حول الطرق والوسائل التي تؤمن حق تقرير المصير للشعوب.”

كما نصت في قرارها رقم “545” الصادر في شباط 1952م على ضرورة تضمين الاتفاقية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مادة خاصة تكفل حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن ثم أصدرت في 16 كانون أول 1952 القرار رقم “673” والذي اعتبرت بمقتضاه حق الشعوب في تقرير مصيرها شرطاً ضرورياَ للتمتع بالحقوق الأساسية جميعها، وأنه يتوجب على كل عضو في الأمم المتحدة الحفاظ على تقرير المصير للأمم الأخرى واحترامه.”

وتابعت بعد ذلك الجمعية إصدار القرارات للتأكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها، فبعد التقارير التي قدمتها لجنة حقوق الإنسان عن طريق المجلس الاقتصادي والاجتماعي، أصدرت في 14 كانون أول 1960م القرار رقم “1514” الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، والذي تميز بأهمية خاصة من حيث أنه اتخذ محوراً استندت إليه كافة قرارات الأمم المتحدة اللاحقة والخاصة بحق تقرير المصير، وقد نص على حق الشعوب دون تمييز في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، على أن تتخذ خطوات قريبة لمنح الشعوب غير المستقلة استقلالها التام، وأن لا يتخذ أي ذريعة لتأخير ذلك، وخلاف ذلك يشكل إنكاراً لحقوق الإنسان الأساسية ويناقض ميثاق الأمم المتحدة ويعيق السلم والتعاون الدوليين.”

وقامت الجمعية العامة بجمع كافة القرارات التي سبق أن اتخذتها بصدد تقرير المصير في قرار واحد محاولة لإيضاحها، وذلك في القرار رقم “2625” الذي اتخذته بالإجماع في تشرين ثان 1970م والذي تضمن التصريح الخاص بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.

كما أكدت الجمعية العامة في القرار رقم “2787” والصادر في 12 كانون أول 1972م حق الشعوب في تقرير المصير والحرية والاستقلال وشرعية نظامها بكل الوسائل المتاحة لها والمنسجمة مع ميثاق الأمم المتحدة، وطلبت في القرار رقم “3970” الصادر في تشرين ثان 1973م، من جميع الدول الأعضاء الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها وتقديم الدعم المادي والمعنوي وكافة أنواع المساعدات للشعوب الذي يناضل من أجل هذا الهدف.”

وفي غضون ذلك وقع ثلاث وثلاثون دولة أوروبية بالإضافة إلى الولايات المتحدة في آب 1975م في هلسنكي، الاتفاقية التي أسفر عنها مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، وقد تضمن القسم الأول منها إعلاناً عن المبادئ التي ينبغي أن توجه علاقات الدول المشتركة، واتفقت على عشرة مبادئ، وقد نص المبدأ الثامن منها على حق تقرير المصير.”

وبعدها أصدرت الجمعية العامة في قرارها رقم “2200” الصادر في كانون أول 1966م العهدين الدوليين اللتين اعتمدتهما لجنة حقوق الإنسان، والعهد الأول خاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقد أصبح نافذ المفعول اعتبارا من 23 آذار 1976م فيحين الثاني خاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأصبح نافد المفعول في 3 كانون ثان 1976م، وقد تناولت المادة الأولى من كلتا الاتفاقيتين حق تقرير المصير على النحو التالي: “تملك جميع الشعوب حق تقرير مصيرها، وتملك بمقتضى هذا الحق حرية تقرير مركزها السياسي، وحرية تأمين نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

وفي 14 كانون أول عام 1962م تبنت الجمعية العامة في قرارها رقم “1803” الذي نص على حق الشعوب غير القابل للتصرف في السيادة على ثرواتها ومواردها الطبيعية، واعتباره من الحقوق المنبثقة عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي تقرير مركزها السياسي وتأمين نمائها الاقتصادي، شريطة عدم الإخلال بأية التزامات تستند إلى مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي، القائم على الفائدة المتبادلة، ومبادئ القانون الدولي.”

بهذه التطورات التي خلفتها قرارات الأمم المتحدة وممارسات الدولية، وبين تباين مواقف الدول وفقهاء القانون الدولي والمستمرة لهذا الوقت، أصبح حق تقرير المصير يتمتع بالقواعد الدولية الآمرة التي أكدت عليه اتفاقية فينا لقانون المعاهدات سنة 1969، لطالما يتمتع هذا الحق بصفة القاعدة القانونية يعتبر من قواعد القانون الدولي العامة سواء كان مصدرها العرف الدولي أو الاتفاقيات الدولية العامة وتأخذ القبول من المجتمع الدولي ككل.”

الفصل الثاني مضمون حق تقرير المصير في القانون الدولي أولاً: القيمة القانونية لحق تقرير المصير    تمحور النقاش حول حق تقرير المصير قيما يمكن اعتباره قاعدة قانونية مقنعة (Jus conges) غير قابلة للشك كحق في القانون الدولي.

وفي مختلف النقاشات التي دارت حول تحديد مفهوم تقرير المصير لم يتم تحديد قيمة مطلقة له إلا في الحديث عن الشعوب المستعمرة، وبقيت التساؤلات تكتنف هذا الموضوع بما تعنيه النصوص بعبارة (كل الشعوب) ورغم ارتباط حق تقرير المصير من حيث المنشأ بحقوق الإنسان كما رأينا سابقاً، وخلال العقود الماضية التي تم فيها نقاش هذا الموضوع لم يحدد حقوقاً واضحة المعالم للأقليات، ولم يتجاوز في كثير من الأحيان التفسير الأولي له الذي رافق نشأة الأم المتحدة باعتباره (self-government).    ورغم ما سبق ذكره حول معنى “حق تقرير المصير” والذي يمثل كثير من الآراء أشخاصاً ودولاً ومنظمات. فاعتبرت أولى تحديات الأمم المتحدة عام 1950م باعتبار تقرير المصير حقاً قانونياً، فأعتبر معارضوه ومنهم الإنجليز أن المادتين، المادة الأولى فقرة “2” والمادة الخامسة والخمسين من الميثاق لا تعدوان سوى مواد إرشادية ذات قيمة أدبية كبيرة، أما الفرنسيين فقد أقروا أن الميثاق قد أحدث قاعدة ذات فائدة لجميع الشعوب وتلزم كافة الدول، ولكن دون تحديد مضمونها ومحتواها، فهي لم تكون أكثر من رسالة ميتة.”    أما مؤيدوه فقد رأوا أن حق تقرير المصير، وإضفاء معنى المساواة عليه أوسع بكثير من معنى مساواة الشعوب في السيادة، فهم أكدوا طالما أن ا لفقرة “2” من المادة الأولى تنص على المساواة في الحقوق وتقرير المصير، فذلك من غير الممكن القول أن المساواة في الحقوق حقاً قانونياٌ بينما حق تقرير المصير ليس كذلك.”

وهذا الخلاف حول القيمة القانوينة لحق تقرير المصير، لم يقتصر على مواقف أعضاء المجتمع الدولي للأمم المتحدة، بل أيضاً اتجاهات فقهاء القانون الدولي، فمنهم من أنكر حيازة تقرير المصير قوة إلزام قانونية، ومنهم يرجعون تقرير المصير ضمن الاختصاص الداخلي للدول، ويرون أيضاً أن هيئات الأمم المتحدة التي تفتقر إلى الطابع التشريعي أن تضع القانون الدولي، وهذا يعني أن إصدار الأمم المتحدة لأي قرار بهذا الصدد يشكل انتهاكا لسيادة الدول وخرقاً لأحكام فقرة “7” من المادة الثانية من الميثاق.”

وآخرون من الفقهاء يرون بأن الطابع الثوري لتقرير المصير يشكل تحدياً للنظام القائم، أي إثبات الذات أمام السيطرة بمعنى آخر إثارة الفوضى وأكدوا على أنه مجرد مبدأ ذات طابع سياسي.

وتصدى كثير من فقهاء القانون الدولي لهذه الحجج، وبرهنوا على فقدانها الأساس الذي يدعمها، فمنهم من أكد أن تقرير المصير قد تطور عبر قرارات وممارسات المجتمع الدولي المستندة إلى ميثاق الأمم المتحدة، وأصبح حقاً قانونياً يرتب للدول والشعوب حقوقاً، ويفرض عليها التزامات دولية.

والادعاء بأن حق تقرير المصير يؤدي للفوضى والنزاع بين الأمم والدول غير حقيقي بل على العكس هو انعكاس لمقاولة حق تقرير المصير، فإذا نالت الشعوب حقها في تقرير مصيرها، فلن يكون مبرر للافتراض بأن العنف والفوضى سيعقب ذلك.”

ولكن يتساءل الباحث هل ينطبق أيضاً على الدلالات المعاصرة لحق تقرير المصير؟ بحيث أن المفاهيم المعاصرة كما يبدو أصبحت لها دلالات أكثر صراعاً في الفقه الدولي، وحتى في قرارات الأمم المتحدة، وهذا ما سيوضحه الباحث في الفصل الثالث.

أما الادعاء بغموض تقرير المصير، فقد صحته بعد أن أضفت عليه ممارسات المجتمع الدولي من خلال تطبيق الدول والأمم المتحدة معنى محددا، أكسبت محتواه وضوحاً لا يقل عن وضوح كثير من مبادئ القانون الدولي الأخرى.

فكثير من الممارسات العامة لأحداث القانون الدولي العرفي وتوافق الكثير من الآراء حول القيمة القانونية لحق تقرير المصير أدى لأن يصبح حق تقرير المصير حقاً قانونياً دولياً فمناقشة قضايا المغرب وتونس والجزائر، وغيرها في الأمم المتحدة، وقد أوضح أن تقرير المصير تم قبوله من جميع الأعضاء، رغم أن جميع القرارات المقدمة بصددها قد فشلت في تحقيق الثلثين، واقتصرت على كسب أغلبية بسيطة، وتأكد ذلك بصدور قرار الجمعية العامة رقم “1514” الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة وذلك في عام 1960 دون أي اعتراض.”

ويرى “فكرسيتيان” توموسشات 1993م أن حق تقرير المصير لا يمكن أن يكون حكراً فقط على الشعوب المستعمرة مستنداً إلى أن إعلان “1960” للجمعية العامة للأمم المتحدة الذي حدد بشكل صريح أن حق تقرر المصير حق لكل الشعوب، وكذلك فعلت المعاهدتين الدوليتين حول حقوق الإنسان.       ورغم هذا النص الواضح بأن حق تقرير المصير هو لكل الشعوب إلا أن الفهم بقي مقتصراً على اعتباره حقاً للشعوب المستعمرة حتى سقوط جدار برلين عام “1989”.

ومن خلال الأحداث التي رافقت هذا الفترة الزمنية، وما تلاها من تحولات رافقت انهيار الإتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا، ونشوء حركات التحرر ومجموعات أثنية ودينية وثقافية عديدة في أمريكا وأمريكا اللاتينية حروب أهلية كما في نيجيريا مع قبائل Ibo “في إقليم” “beafra” في حربها ضد الحكومة المركزية، كما حصل في بنغلادش ولباكستان، وقضية شمال قبرص.. الخ من قضايا وحالات تطرح تساؤلات كثيرة مثل هل أن هذه الأفعال والممارسات يمكن أن تنظم من خلال مبدأ في القانون الدولي محق تقرير المصير؟”

وهل أصبح تقرير المصير مبدأ للتقسيم بدلا أن يكون مبدأ للتوحيد؟ وهل سيؤدي حق تقرير المصير إلى التأثير على حالة الاستقرار في العلاقات بين الدول؟

وهل تقضي هذه الأحداث إلى تشريع الانفصال كجزء من حق تقرير المصير؟ في حين أن مواقف الأمم المتحدة في الأحداث التي تم الإشارة إليها بقيت صامتة تجاه مفهوم الانفصال، حالها في ذلك حال كافة المعاهدات وقرارات الجمعية لعامة “1970” (2625).

الفصل الثالث حق تقرير المصير و حق الانفصال في القانون الدولي المعاصر معايير ومبررات المطالبة بحق تقرير المصير مقابل تأسيس الدولة. وبهذا السياق تبرز عدد قضايا منها: هل يحدد القانون الدولي معيارا لشرعية المطالبة بالادعاء ضد الوحدة السياسية والاقليميه لدوله موجودة؟ فحتى عهد قريب كان هذا الأمر مرفوضا فالقانون الدولي كان يعتبر الدولة هي الوحدة الفاعلة والمؤثرة على الساحة الدولية، لذا لم يحدد القانون الدولي أي إمكانية للتدخل في العلاقة بين الدولة ومواطنيها.

وان بروز القوانين والمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان عملت على تغيير هذا الواقع بالشكل الدراماتيكي، فأصبح الفرد والجماعة هما العنصر العقلاني والمؤثر على الساحة الدولية، وهذا يتيح للقانون الدولي تدخل في علاقة الدولة مع المجتمع، بحيث يحد من كون الدولة موضوعا مقدسا يمنع المساس به، وهذا في حالات محددة، وهي عندما تفقد هذه الدولة شرعيتها الآتيه من تمثيلها لمواطنيها جميعا دون تمييز وبالتالي قيامها بواجب ها تجاههم، ففي حالة قيام الدولة بمضايقة مواطنيها أو مجموعات منهم على خلفيات دينية أو عرقيه أو اثنيه أو قوميه.. الخ واستخدمت وسائل لتعذيبهم وتسببت بالمعاناة لهم مثل استخدام أسلوب الاباده والقتل الجماعي، بحيث يصبح المواطنين غير ملزمين بالإخلاص للدولة وبالتالي تفقد الدولة شرعية تمثيلها لهم، ويصبح من الضروري أن يتدخل القانون الدولي لتأمين الحياة اللائقة والكريمة لهؤلاء المواطنين.

بالإضافة أن إعلان علاقات الصداقة الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يلزم الدول بمعامله كافه المواطنين في إقليمها بشكل متساو دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللون، وحينها قد يصبح الانفصال هو خطوه للحفاظ على حياة المواطنين التي تتعرض للاضطهاد من الدولة.

وتوضح الفكرتان الرابعة والسابعة من المبدأ الخامس من إعلان مبادىء القانون الدولي، بشان العلاقات الودية والتعاون بين الأمم المتحدة، وفقا لميثاق الأمم المتحدة، إن من بين الوسائل المسموح بها في إطار ممارسه حق تقرير المصير

   إقامة دولة مستقلة ذات سيادة    الرغبة في حرية الانفصال عن الدولة أو الانضمام إلى دولة مستقلة    التحول إلى نظام سياسي بحريه، وفقا لرغبة الشعوب” مرجع وفي الوقت نفسه أجازت الفقرة السابعة من نفس المبدأ للدول الحق في الدفاع عن سيادتها ضد حركات التقسيم أو الانفصال، لذلك تطلب تطبيق قواعد حق تقرير المصير، التوفيق بين اعتبارين متناقضين.

الأول:_منع الحركات الانفصالية من الوحدات السياسية. الثانية:_حرية اختيار الشعوب ورغبتها في تكوين دولة مستقلة.

ويتنازع هذا الموضوع من الناحية القانونية قراران مهمان، الأول متمثل في قرارات الأمم المتحدة رقم     1514 “15” المعروف بقرار تصفية الاستعمار، الذي يهدف إلى تحقيق السلامة الإقليمية، إذ جاء في الفقرة” على أن أي محاولة تهدف إلي المساس بالوحدة القومية والكمال الإقليمي للدولة، تعتبر مخالفة لأهداف ومبادىء الأمم المتحدة”

ويؤيد هذا الاتجاة أيضا ما نص علية في المادة السابعة من قرار تعريف العدوان، من حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحقها في الكفاح من اجل تقرير المصير، كما أكدت على حق هذه الشعوب في تلقي المساعدات الازمه من دوله ثالثه لتحقيق هذا الغرض، على ألا تعتبر هذه المساعدات تهدف إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدولة ولا يجوز تقديم مساعدة عسكرية لها إلا بتفويض من الأمم المتحدة

وما بين حرص الدول على أمنها وسلامتها وسيادتها على إقليمها، وبين الرغبة في تأييد حق تقرير المصير، اختلفت الآراء وتباينت، فطالما أن حق تقرير المصير شمل أبعادا جدية في القانون الولي، كحق الشعب في العصيان والثورة، والمطالبة بتغيير نظام الحكم، وفي بعض الحالات الانفصال عن الدولة الأم خاصة عندما تتباعد المسافة، كحالات الجزر التابعة لبعض الدول، فيحق لها المطالبة بالحكم الذاتي

وهناك من الفقهاء مثال”alandis lands” يرى أن هذا النوع من الحق يؤدي إلي عدم الاستقرار في المجتمع الدولي، عندما تطالب كل جماعه أو اقليه بالاستقلال وحق تقرير المصير، ويؤكد على أهميه التضييق على مجال حق تقرير المصير، اقتصاره على محتواه الكلاسيكي في الازاله للاستعمار.

ويلاحظ أن التفرقة بين الحقين “حق الدول في السيادة من جهة، وحق الأقليات، والجماعات في الانفصال من جهة أخرى، لا تجد لها سندا قانونيا، في القانون الدولي المعاصر، فميثاق الأمم المتحدة والقرارات الصادرة عن المنظمة الدولية، لم تفرق بين حق تقرير المصير الداخلي، وحق تقرير المصير على المستوى الخارجي”

فتحقيق المصير على المستوى الداخلي لا يتحقق، إلا إذا حدث تدخلا في الشؤون الداخلية للدول، بينما يعني على المستوى الخارجي العكس من ذلك.

ولهذا يرى” koscnienme” إن آلية تطبيق حق تقرير المصير مسألة ليس بالسهلة” وعلينا تقبل الفكرة التي تقول إن وضع تقرير المصير من أقلية لأخرى يحمل معاني مختلفة، فحق تقرير المصير يتم توظيفه في اطر محددة، كحق الشعوب التي ترزح تحت الاحتلال، والشعوب المستعمرة، والجماعات العرقية التي تعاني من الاضطهاد والتفرقة العنصرية في بلد ما، خاصة إذا كانت على بقعة جغرافيه محددة، وحق تقرير المصير لشعب في دولة ما” مستعمر أو محتل” ويرى الكاتب إن آخر فئة، هي التي حازت على اهتمام الأمم المتحدة، والسبب إن هذه الشعوب لها ممثلين في الأمم المتحدة، ولها مكان وجودي موحد في بقعة جغرافية محدده”

وهذا في رأي الباحث يطرح سؤالا مهما، هل أصبح بامكان الأقليات المنتشرة في العالم أن تطالب بحق تقرير المصير وفق القانون الدولي؟ فمثلا يوجد في يوغسلافيا ستة أعراق” الصرب، المسلمين، السلوفينيين، كرتس، ماسيدوونياتز” فمختلف هذه الأقليات هل عليها الاندماج في الاغلبيه الصربية، أن يحق لها الانفصال والاستقلال؟ ومثلا في رومانيا، يوجد فيها أقليات متعددة الأعراق أيضا.

ويتضح مما سبق أن هذا الادعاء جائز في القانون الدولي، لطالما وجدت هذه الأقليات في معاناة من صور الاضطهاد والاستعباد والتفرقة العنصرية، بالإضافة إلى تمتع هذه الأقليات من دعم على المستوى السياسي، من قبل الدول التي تتمتع بنفوذ على الساحة الدولية.

حدود حق تقرير المصير:_ ويتضح مما سبق، اكتناف الجدل حول من يملك، وعلى أية أساس المطالبة بحق تقرير المصير، وترافق هذا الجدل بعدة مفاهيم، كالديمقراطية، والتي كانت مرتبطة بالثورة الفرنسية، والقومية، التي ارتبطت بأوروبا خلال القرن التاسع عشر، والاستقلال الذي ارتبط في آسيا وإفريقيا خلال القرن العشرين.

ومن جهة أخرى يرى بعض فقهاء القانون الدولي إن لحق تقرير المصير مظهرين المظهر الداخلي والمظهر الخارجي، فمن وجهة النظر الداخلية، ويعني حق الشعب في الاختيار بحرية مؤسساته الوطنية، وشكل  الحكم الذي يرغب به.

أما المظهر الخارجي فيتمثل في حصول الشعوب على استقلالها، وفي تمتعها في حقوق السيادة على إقليمها، وعلى مواردها الطبيعية، وفي تحديد مركزها السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية.

والجدل ما زال قائما حتى هذا الحين حول موضوع من يحق له التمتع بحق تقرير المصير أو على من يعود حق تقرير المصير، فهل يعود على الشعوب كلها، أو المستعمرة، أو الأقليات…الخ

إلا أن حسم هذا الجدل في معاهدة فينا في عام 1993 في مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي حسم الخلافات حول تفسيرات إعلان”1960″ و “1970” ومعاهدة حقوق الإنسان ومن بين القضايا التي تمحور فيها الخلاف، هو” حق الانفصال” الذي يعتبره الكثير وجها من وجوه حق تقرير المصير المتعددة، كما ذكر سابقا، ويرفض بالمقابل البعض اعتباره كذلك.

ومن الوجوه والأشكال المتعددة التي أبرزها مفهوم حق تقرير المصير فيما بعد فينا وهذه المسيرة الطويلة من التطور ما يلي: 1.   حق التحرر من الاستعمار الخارجي، مثل ما حدث في إفريقيا آسيا والكاريبي. 2.   بالعودة على ذات الحق، حق الحفاظ على الاستقلال إذا كان يمثل الاراده المستقلة لشعب يشغل إقليما محددا كما هو الحال، في جزيرة مايوتي في كوموروس أو في بورتوريكو. 3.   الحق في حل الدولة وتغيير شكلها وطبيعتها كما حصل في الاتحاد السوفييتي و تشيكوسلوفاكيا. 4.    الحق في الانسحاب أو الانفصال كما حدث في بنغلادش وارتيريا. 5.   الحق في توحيد البلاد المقسمة كما حدث في ألمانيا. 6.   الحق في حكم ذاتي لمجموعات محدده ومعرفه إقليميا كمان هو شائع في الاثنيات واللغة في إطار كنفدرالي. 7.   حقوق الأقليات والمجموعات التي لها وجود سياسي وقانوني كبير في الاعتراف كما نصت المادة”27″ من معاهدة الحقوق السياسية والمدنية لإعلان الجمعية العامة” 1992″ حول حقوق الأشخاص التابعين لقومية أو اقليه أو ديانة أو لغة. 8.   حق المصير الداخلي في حرية اختيار شكل الحكومة، وبشكل أكثر وضوحا الشكل الديمقراطي مثال “هاييتي”

وبعد كل ما تقدم من إعلان 1970م للجمعية العامة وإعلان فينا، يمكن القول إن درجة تقدير حق تقرير المصير مرتبطة بطبيعة النظام والدولة ومقدار شرعية تمثيلها لمواطنيها في حدوده الإقليمية، فإذا كان النظام دكتاتوريا يعتمد سياسة التمييز في التعامل مع مواطنية، ولا يعطي كل أفراد، وفئات المجتمع حقها في التمثيل السياسي، فذلك يعني انه نظام غير ديمقراطي وبالتالي يتم التعاطي مع مطالب أي من المجموعات والأقليات لحق تقرير المصير بعين التعاطف والاعتراف.

أي أن تقدير درجة التعامل مع حق تقرير المصير للأقليات وفي الدول المستقلة سيكون وفقا لتقدير درجة ديمقراطية هذا النظام وشرعية تمثيله من جهة، ومن جهة أخرى، إلى مدى اعتماد المجموعات والأقليات بالانفصال بحق تقرير المصير على مصداقية تاريخية لمطالبه هذه.

الفصل الرابع الأمم المتحدة وآلية ممارسة حق تقرير المصير مسؤولية تطوير أهلية الشعوب غير المستقلة في الفصول الحادي عشر والثالث عشر من الميثاق، يعطي حق تقرير المصير لشعوب الأقاليم غير المستقلة عن بلوغها درجة معينه من التقدم والتطور، وقد أثار هذا الافتراض الجدل حول مسؤولية تطبيق الوسائل الكفيلة بإيصال هذه الشعوب إلى المرحلة الأزمة لتقرير المصير، وتحديد الجهة ذات الصلاحية للحكم على بلوغ هذه المرحلة، والكيفية التي تمارس بواسطتها هذه الشعوب تقرير مصيرها.

وما أكد أو نص عليها المادة الثالثة والسبعون من الفصل الحادي من ميثاق الأمم المتحدة، وقد تبعتها المادة السابعة والسبعون من الفصل الثاني عشر من الميثاق بخصوص الأقاليم الخاضعة لنظام الوصاية.

وقد ادعت القوى الاستعمارية أن تحديد الوقت الملائم لاتخاذ الاجراءات للوصول لشعوب الأقاليم غير مستقلة لمرحلة النضج، إنما يدخل ضمن سلطتها الاختيارية.

بينما الدول المناهضة للاستعمار، رأت أن الوسيلة لتحقيق رفاه شعوب هذه الأقاليم، إنما يكمن في حصولها على استقلاله، وإلغاء حالة التبعية بالسرعة القصوى، وقد قامت الجمعية العامة بتحديد جداول زمنيه بعد التشاور مع سلطات الإدارة، تتقيد سلطات الإدارة أن تحقق بموجبها أهداف الوصاية وكما أوضحتها بالتفصيل اتفاقيات الوصاية.

أما الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، فقد أصدرت الجمعية العامة في 14كانون أول 1960م رقم 1514 الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، وتم التأكيد فيه أن عدم ملائمة المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، لا يمكن أن يعتبر سببا يبرر تأخير الاستقلال لشعوب الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

سلطة البث في أهلية الشعوب غير المستقلة لممارسة تقرير المصير عبر قرارات الجمعية العامة، الخاصة بمنح الاستقلال للشعوب غير المستقلة، فاعتبرت الحكم والقاضي بين شعوب هذه الأقاليم والدول التي تتولى إدارتها.

ورغم أن كثير من فقهاء القانون الدولي، يرون أن الجمعية العامة فشلت في كثير من المرات في وضع تحديد للأقاليم غير متمتعة بالحكم الذاتي، وإمكانية الحصول على معلومات حول أوضاعها السياسية، ربما أن هذا يوجد له ما يبرره من رفض الإدارات المستمر، بل أكثر من ذلك اعتبرت الإدارات أن ذلك يشكل انتهاكا وانتقاصا لسلطاتها الذي كفلها لها الميثاق.

إلا أن الآراء تقول أن الجمعية العامة استمرت في الإصرار على تلقي معلومات وتقارير للتأكد من أن شعوب هذه الأقاليم قد بلغت النضج التي يؤلها لممارسة تقرير المصير.

أساليب ممارسة حق تقرير المصير –   الوسائل السلمية والودية لممارسه تقرير المصير

ترتبت هذه الأساليب من خلال إجماع غالبية الأعضاء في الأمم المتحدة، على ممارسة حق تقرير المصير في الوسائل الودية والديمقراطية السلمية المعترف بها مثل الاقتراع العام والاستفتاء، أو أي وسيلة سلمية أخرى.

وهي تمحورت كما ذكرنا، حول الاقتراع العام والاستفتاء باعتبارهما من الوسائل الدستورية الطبيعية للتشريع الداخلي من جهة ومتفق عليها في القانون الدولي من جهة أخرى، وتتضمن استشارة الشعب عن طريق التصويت المباشر حول رغبة الشعب في تقرير المصير،  وهذا ما أكدت عليه الجمعية العامة في قرارها رقم 637 الصادر في تقرير المصير في كانون أول 1952 م ونص على( رغبات الشعوب تؤكد من خلال الاقتراع العام أو أية وسائل ديمقراطية أخرى و معترف بها، و يفضل أن تمارس تحت إشراف الأمم المتحدة، وقد كررت لجنة حقوق الإنسان النص ذاته في فقرة(2) من المادة الأولى و المادة الثامنة والأربعين من مشروع اتفاق حقوق الإنسان.

وهذا ما طبق على حالة السودان، وموريتانيا، وغينيا، والهند و نيجيريا. والسؤال المهم يبقى هو ماذا يكون عليه الأمر إذا رفضت سلطات الإدارة المهيمنة أو المحتلة تطبيق و تشريع هذه الوسائل الودية، و انكرت على الشعب حقه في تقرير مصيره؟ هل يتوجب عليه في هذه الحالة الخضوع، أن يلجأ إلى القوة والعنف من اجل الوصول إلى غاية في تقرير المصير وكيف سيكون موقفه في هذه الحالة في القانون الدولي.

بين الإرهاب وللجوء إلى حق تقرير المصير بالقوة المسلحة: مفهوم تقرير المصير قد دخل الفكر السياسي، قبل دخوله الفقه القانوني، عبر الثورات والحروب الكبرى وحركات التحرر في العديد من مناطق العالم، إنما قامت بهدف تقرير المصير، وما كان لها أن تفعل ذلك منذ أن كانت هذه الوسائل سابقة وجودها وجود الأمم المتحدة ذاتها ما زالت معاصرة لها.

وفي هذا السياق يتضح أن إنكار الإدارة المحتلة أو المهيمنة على الشعب حقه في تقرير مصيره، لا يسوغ أن تنكر أيضا حقه في اللجوء اليه أو المقاومة المسلحة.

وإذا تعرض الشعب لإنكار حقه من قبل الشعوب المحتلة والمهيمنة عليه يعتبر ذلك عدوانا عليه، انتهاكا لمبادئ القانون الدولي، وهذا بالتالي يفرض على الأمم المتحدة ومجلس الأمم اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإنهاء هذا العدوان، وإذا تقاعست في ذلك نشأ عن ذلك وضع منافي للميثاق ومبادئ القانون الدولي، ربما هذا يبرر للشعب صاحب العلاقة اللجوء إلى القوة والعنف ممارسة لحقه الطبيعي، وان لم يرد عن ذلك نص.

ومع نشوء وتطور القانون الدولي المعاصر على الساحة الدولية، والقوانين المتعلقة بحقوق الإنسان يأخذ تقرير المصير، تأييدا أوسع في شرعية استخدام القوة للمطالبة بحق تقرير المصير.

وفي تطور آخر على القانون الدولي المعاصر، صدور هذا القرار عن مجلس الأمن في 28 أيلول عام 2001 م، على اثر أحداث نيويورك وواشنطن، وقد صدر هذا القرار عن مجلس الأمن دون إدخال تعديلات أساسية عليه، إلا أن ما يهمنا في هذا القرار، هو أن بعض نصوصه جاءت تجاوزا لميثاق الأمم المتحدة و الاتفاقيات الدولية وقرارات الجمعية العامة، ومبادئ أساسية في القانون الدولي فيما يخص حق تقرير المصير.

فعلى الرغم من أن القرار أكد على مقاومة الإرهاب، الذي يعتبر بمثابة تهديد للسلم والأمن الدوليين، وتأكيده على الحق الراسخ للفرد والجماعة للدفاع عن النفس إلا انه اغفل من ناحيته حق تقرير المصير، وحق مقاومة الاحتلال، فحق تقرير المصير بمثابة الحق الثابت كما ذكر سابقا، بمعنى انه لا يرتبط بفكرة زمنية دون أخرى، كما تبين في المادة الأولى من الميثاق، وفي المادة الخامسة والخمسين، في قرارات الجمعية العامة، والعهدين الدوليين.

ولم تؤكد قرارات الجمعية العامة على حق تقرير المصير وحسب إنما أكدت على الحق في النضال من اجل بلوغ هذا الهدف، كما جاء في القرار “3314” الصادر في 1949 م وملحقين المضافين إليها عام 1977م، بشأن النزاعات المسلحة، وتناولت الاتفاقية الأولى ضمن قائمة النزاعات المسلحة التي يقاتل فيه الشعب ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال بالاتفاقية الأولى ضمن لها وضعا مساويا لأي طرف من أطراف النزاع الدولي المسلح، فلم يميز القرار بين الإرهاب وحركات التحرر ومقاومة الاحتلال، ولم يحدد مفهوم الإرهاب الدولي، ولا مفهوم الإرهاب على العموم.

وقد جاء في المادة “40” من الميثاق أن “لمجلس الأمن قبل أن يقدم توصياته أم يتخذ التدابير المنصوص عليها بالمادة (39) في الفصل السابع، أن يدعو المتنازعين لأخذ ما يراه ضروريا أو مستحسنا من تدابير مؤقتة، لا تخل هذه التدابير المؤقتة بحقوق المتنازعين ومطالبهم أو مركزهم، وعلى مجلس الأمن أن يحسب لعدم أخذ المتنازعين بهذه التدابير المؤقتة حسابه”

ويتضح من هذا النص أن المقصود بالفصل السابع هو بالتحديد النزاعات بين الدول التي تهدد السلام والأمن الدوليين، وقد سبق لمجلس الأمن أن اتخذ قرارات بموجب هذا النص، عند اجتياح العراق_الكويت، وفي نزاعات دولية أخرى، أما الموضوع الذي يتخذ مجلس الأمن قراراته بشأنه في القرار رقم 1373 فهو ليس بمثابة نزاع بين دولتين إنما هو نزاع مع ظاهرة الإرهاب الدولي، غير المحددة المعالم، فكلٌ يفسرها ويعطيها المفهوم الذي يتلاءم مع تطلعاته وايدولوجيته ومصالحه، حتى أن بعض المفكرين وفقهاء القانون الدولي راحوا ابعد من ذلك، في القول أن الأمم المتحدة بتأييدها حق حركات التحرر الوطني بالكفاح المسلح تنفيذا لحق الشعوب في تقرير مصيرها قد شجعت الإرهاب.

والسؤال المهم هنا، هل باستطاعة القانون الدولي، أن يميز بين الإرهاب الذي يمثل الاستخدام غبر الشرعي للقوة أو العنف بقصد الحصول على أهداف معينة- سياسة كانت أو غير ذلك، والذي اقتصر تحديده في القانون الدولي على تحديده في إطار خطف الرهان، واختطاف الطيارين، وبين المقاومة الوطنية، بما هي أداة، شرعية لنيل حق تقرير المصير، أو في التحرر من قوة الاحتلال، التي لا تراعي القانون الإنساني الدولي.

فهذا القرار من ناحيته تخطى الحد الفاصل بين ما هو شأن دولي وبين ما هو شأن داخلي، حتى أن بعض النصوص الموجودة في هذا القرار خاضعة للاستنساب، بحيث من الممكن أن تستخدم للضغط على بعض الدول من اجل فرض سياسات عليها، تتعارض مع مصالح الدول الداخلية، ومع الحقوق المعترف بها للدول والشعوب في القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، وربما تكون النتيجة لهذا إغراق العالم بالفوضى بحيث لا يصبح للقانون الدولي قيمة فعلية.

قائمة بالكتب والمنشورات بالعربية

1.   الراوي. إبراهيم جابر. القانون الدولي الخاص في الجنسية، بغداد، مطبعة دار السلام، 1977 من 22_26/  من صفحة 90_ 143

2.   القراعين. يوسف محمد. حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، عمان، دار الجليل للنشر 1983. من 1_4/  من صفحة 75_170.

3.   عكاوي. ديب. حق الشعوب في تقرير المصير، توجهات قانونية جديدة في القانون الدولي، عكا، مؤسسة السوار 1997. من 5_8/       من صفحة 34_36.

4.   غازي. حسن. حقوق الإنسان في القانون الوصفي، 1983 من 9_12/  من صفحة 49_63

5.   كامل. ممدوح شوقي مصطفى. الأمن القومي والأمن الجماعي، القاهرة، دار النهضة العربية، طبعة أولى 1985. من 32_34/       من صفحة 175_183.

6.   إبراهيم خريشة وراضي الجراعي. حق تقرير المصير وأنظمة الحكم الذاتي، رام الله، جامعة بيرزيت، كلية الدراسات العليا، برنامج الدراسات الدولية، 1998. 14_20_21/ من صفحة 3_7.

1FORSTER. CAROLINE, EARTICULATING SELF_ DETERMIMATION IN THE DRAFT DECLARATION ON THE RIGHT OF INDIGENOUS, PEOPLE. (2001) VOL 12.NO. One, P, 141_157/ 41_46

2KOSKENNIEMI. MARTH, NATIONAL SELF_ DETERMINATION TODAY: PROBLEM LEGAL THEORY AND PRACTICE, INTERNATIONAL AND COMPARATION LAW, 1994. VOL. 43P 240_267/ 35_40

3IAN. BRAWNLIE_ PRINCIPLE OF PUBLIC INTERNATIONAL LAW, CLARENDON PRESS OXFORD, 1966 P, 453_483/ (15_19

المواقع الالكترونية 1.   المصري. شفيق، شرعية المقاومة الوطينة بموجب القانون الدولي. www.moqawama/org/arabic/rt_resis/char.htm p(2_7)/53_54.

2.   سليمان. عصام، القرار 1373 في منطلقاته وأبعاده. /articles/doc2002/1373.htm p(1_5)/50_52.

الحقوق الاشورية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*