بابل الاثرية والحق في دخول لأحة التراث العالمي (١)


حيدر محمود
بابل الاثرية والحق في دخول لأحة التراث العالمي١

الحوار المتمدن
العدد: 6018
2018 / 10 / 9

في بلاد ما بين النهرين ارض انبثق منها فجر التاريخ والمعرفة ارض كانت مهد للأنسانية ومنار للعالم فمنها خرجت الكتابة وفيها بدأت الزراعة واسست اوأل المدن وتعلم الانسان ان يعيش وفق حكم سياسي وقوانين تنظم حياته اليومية فكل شبر من هذاه البلاد فيه قصة وحكاية تاريخية تشهد على حضارة بلاد الرافدين والامبراطوريات والممالك التي مرت فيها وثبتت اساس التحظر للعالم.

لكن بالرغم من هذاه الخلفية التاريخية والحضارية الكبيرة الا ان لأحة التراث العالمي لاتضم الا خمس معالم من العراق وهيه مملكة الحضر في محافظة نينوى ومدينة اشور في صلاح الدين ومدينة سامراء في صلاح الدين ايضا وقلعة اربيل في محافظة اربيل اما اخر المنضمين الى الأحة فهيه الاهوار الممتدة في اربع محافظات وهيه البصرة وميسان والمثنى و ذي قار ولكن اليوم هنالك مطالبات جدية بإضافة مدينة بابل الاثرية الى لأحة التراث العالمية كونها معلم يستحق ان يكون على رأس الأحة.

فمدينة بابل آوكما كانت تسمى بالأكادية (بوابة الإله) مستوفية لأغلب المعاير العشرة للأحة التراث العالمي وهذا ما يحتم ضرورة اضافتها فالقانون يقول انه يجب ان يستوفي المعلم واحدا من المعاير الطبيعية او الثقافية ليتم اضافته اما مدينة بابل فقد استوفت معظم المعاير ومنها أولاً ان تمثل تحفة عبقرية خلاقة من صُنع الإنسان. ثانياً: تمثل إحدى القيم الإنسانية الهامة والمشتركة، لفترة من الزمن أو في المجال الثقافي للعالم، سواء في تطور الهندسة المعمارية أو التقنية، أو الفنون الأثرية، أو تخطيط المدن، أو تصميم المناظر الطبيعية. ثالثاً: تمثل شهادة فريدة من نوعها أو على الأقل استثنائية لتقليد ثقافي لحضارة قائمة أو مندثرة. رابعاً: أن تكون مثالاً بارزاً على نوعية من البناء، أو المعمار أو مثال تقني أو مخطط يوضح مرحلة هامة في تاريخ البشرية. خامساً: أن يكون مثالا رائعاً لممارسات الإنسان التقليدية، في استخدام الأراضي، أو مياه البحر بما يمثل ثقافة أو (ثقافات)، أو تفاعل إنساني مع البيئة وخصوصا عندما تُصبح عُرضة لتأثيرات لا رجعة فيها. سادساً: أن تكون مرتبطة بشكل مباشرة أو ملموس بالأحداث أو التقاليد المعيشية، أو الأفكار، أو المعتقدات، أو الأعمال الفنية والأدبية ذات الأهمية العالمية الفائقة. وهنا بابل تستوفي المعاير الثقافية الست بامتياز.

وللتعمق اكثر في هذاه المدينة سأعرض لمحة تاريخية عن تاريخ مدينة بابل الاثرية التي يعود تاريخ بنائها إلى ما قبل حُكم الملك سرجون الأكدي، والذي حكم بين عامَي (2334-2279) قبل الميلاد ، وادّعى بأنّه بنى معابد في المدينة، وكانت بابل في ذلك الوقت مُجرّد مدينة صغيرة، لا تتعدى كونها ميناء على نهر الفرات، ونتيجة لارتفاع منسوب مياه النهر غمرت المياه جميع الآثار القديمة للمدينة، وما يظهر اليوم من آثار في مدينة بابل تعود إلى ألف سنة بعد بناء المدينة، وبذلك فإن التاريخ المعروف للمدينة يعود إلى الملك حمورابي الذي حكم بابل بين عامَي (1792-1750) قبل الميلاد بعد وراثته للعرش عن أبيه الملك سين موباليت. استطاع الملك حمورابي ان يجعل مدينة بابل من أكثر المدن قوةً وتأثيراً في بلاد ما بين النهرين، فوضع شريعة حمورابي التي حفظت الأمن والسلام في المدينة، ووسّع جدرانها، وأشرف على أعمال ضخمة شملت المعابد والقنوات، وكان رجلاً دبلوماسيّاً من الطراز الأول، حتى إنّه استطاع توحيد حضارة ما بين النهرين تحت حكم مدينة بابل، حيث احتلّت مكانة كبيرة في هذا الوقت، وسّماها حمورابي بلاد بابل بعد موت الملك حمورابي تفككت إمبراطورية بابل، وضعُفَت مدينة بابل، واحتّلها الحيثيون في عام 1595 قبل الميلاد، ثم احتلّها الكيشيون “، ثم سيطر الآشوريون على المنطقة وحكمها الملك سنحاريب بين عامَي (705-681) قبل الميلاد، وقام سنحاريب بإجراءات مُتطرّفة في المدينة؛ حيث اقتحمها بقوة ودمّر الآثار، مما دفع أبناءه إلى اغتياله بعد فترة وجيزة من حكمه، ووصل بعده ابنه آسرحدون إلى الحُكم، وبنى المدينة مرة أُخرى، وأعاد لها مجدها، بعد ذلك قامت ثورة في المدينة ضد آشوربانيبال ملك نينوى الذي حاصر المدينة وهزمها، ولكن لم يضرّها إلى حد كبير، فقد كان هدفه تخليص بابل من الأرواح الشريرة التي كان يعتقد أنها سببت الكثير من المتاعب .بعد سقوط الدولة الآشورية وصل إلى الحُكم ملك كلداني يُدعى نبوبولاسر، واستطاع بحكمته أن يبني الإمبراطورية البابليّة الجديدة، وتبِعَهُ ابنه الملك نبوخذ نصّر الثاني الذي حكم بين عامي (604-561) قبل الميلاد، وقام بترميم المدينة ووسّعها لتصل مساحتها إلى 900 هكتار، وبنى أجمل التماثيل والهياكل في حضارة ما بين النهرين. وذُكِرَت المدينة في كتابات القُدَماء بلهجة من التبجيل والرهبة، وكان من أبرزهم هيرودوت، كما بنى الملك نبوخذ نصّر حدائق بابل المُعلّقة الشهيرة، وبوابة عشتار، وفي الفترة نفسها شَهِدت المدينة السَبي البابلي لليهود، وكُتِبَ فيها التلمود البابلي، وتوسّعت المدينة بشكل كبير حتى قسّمها نهر الفرات إلى جُزأين؛ قديم وحديث، وكان في الوسط معبد الإله مردوخ، والزقورة الشاهقة الكبيرة، وتوسّعت الشوارع لتتسِع لمرور موكب تمثال الإله مردوخ في رحلته السنويّة من معبده في المدينة إلى معبد السنة الجديدة خارج بوابة عشتار.

اما اثار المدينة فمنها حدائق بابل المعلقة التي شيّدت في القرن السابع ق.م، على يد نبوخذ نصّر، إذ بناها تعبيراً منه لزوجته سيمراميس عن حبه ومشاعره تجاهها، والتي كانت تشعر بالحنين لأزهار وغابات موطنها، ويعود السبب في تسميتها بهذا الاسم، هو نمو نباتات الزينة على شرفات القصور بها، والتي كانت تروى بطرق فنيّة. تعدّ الحدائق المعلقة من عجائب الدنيا السبعة، حيث تعتبر من أعظم الفنون المعماريّة الّتي بنيت قديماً، فقد استخدم في بنائها حجارة نادرة، كانت تصل كهدايا للملك، كما أنّها احتوت على العديد من النباتات والأشجار التي كانت تروى بماء كان يخزّن في صهاريج تقع في طبقات القصر العليا. ظهرت روعة الحدائق المعلقة في فصلي الربيع والصيف، فكانت تفوح الرّوائح والعطور الزكيّة من ازهار الحديقة وورودها، وأصبحت هذه الحدائق أو الجنان المعلّقة فيما بعد شاهداً على قدرة نبوخذ نصّر على صنع واحة نباتيّة رائعة الجمال، وسط كآبة المنظر الصحراوي آنذاك ومن المعالم الاثرية الاخرة أسد بابل هو تمثال مصنوع من الحجر، يبلغ ارتفاعه 1195سم، وطوله 260سم، وهو تمثال لأسد يظهر بأنّه يفترس شخصاً ويمثل هذا الشخص العدو. وهناك ايضا بوابة عشتار التي سميت بهذا الاسم لأن كلمة عشتار تعني باللغة العبرية ضوء الصباح، وعشتار هي إله الحب والحرب عند البابليين، أمّا بوابة عشتار فهي عبارة عن قلعة تاريخيّة، تتميّز بطرازٍ خاصّ وفخامة عالية ورقي في البناء، كما تتميّز بالعديد من الأشكال الفنيّة والأطراف، والسطوح الّتي تتزيّن بالتماثيل المنحوتة على أشكال حيوانات، ونباتات، وهي مصمّمة من السيراميك، بشكل يتميّز بالدقة والحرفة، كما ويزيّنها الخزف الملوّن، والعديد من الرسمات المنقوشة على جدرانها السود، والتي ترمز بدورها للآلهة عشتار، وعجول ترمز للآلهة أدد، والتنين موش خوش، والذي يرمز للآلهة مردوخ.

وفي ضل وجود كل هذاه المميزات نأمل ان تنصف مدينة بابل وتتم اضافتها الى لأحة التراث العالمي ليعرف كل العالم بهاذه الحضارة العظيمة فضلا عن ان المدينة ستكون تحت المراقبة الدولية وتصبح منطقة محرمة دوليا لا يجوز الحرب فيها او تعريضها للتخريب والتدمير او تغير معالمها الاثرية والتراثية اضافة الى زيادة اعداد السواح فيها لمشاهدة هذا المعلم العالمي ان ما تمت الموافقة على الاضافة فنتمنى ان تتضافر الجهود الحكومية والشعبية لمحاولة اضافة هذاه المدينة الاثرية الى لأحة التراث العالمي حتى تصبح الموقع السادس من العراق في الأحة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*