حضارة وادي الرافدين اختراع بشري نقض نظرية الكائنات الفضائية

26
عبد الجبار خضير عباس*

حضارة وادي الرافدين اختراع بشري نقض نظرية الكائنات الفضائية (الأنوناكي) بوصفها قد شيدت الحضارة السومرية.

رافق الاكتشافات الحديثة للحضارة السومرية، ظهور سلسلة من النظريات، والآراء والأفكار التي تسعى إلى إحالة ما موجود من رقي، وتطور، واختراعات، واكتشافات، أنتجها عقل الحضارة الرافدينية إلى مخلوقات فضائية، وهذا ما دأبت عليه مؤسسات دينية، وسياسية، وثقافية عالمية، ومنظمات سرية وعلى الرغم من الإمكانات المعرفية، والتكنولوجية، والعلمية، والثورة المعلوماتية، لكنها لم تستطع توفير القناعة بصحة تلك النظريات. فضلاً عن أن علماء الآثار كانوا قد نفوا تلك النظريات، وعدوها تخيلات لا تقترب من الحقيقة والواقع.
وعلى هذا المنحنى ظهرت الكثير من الكتابات، والمؤلفات الرقمية، والأفلام، والمواد، والصور التي تملأ المواقع الالكترونية غالبيتها ملفقة، إذ تصطدم بالعقل ولا تحتاج لذكاء شديد لتؤشر زيفها وضعفها، فضلاً عن أن أهدافها السياسية، والآيديولوجية والدينية، واضحة.

فرضيات الأنوناكي
أثار انتباهنا مادة مرفقة مع رابط مصور يؤكد معقولية ما يطرح في فلم فيديو يتحدث عن (الأنوناكي) بوصفهم مخلوقات فضائية بَنَتْ الحضارة في بلاد الرافدين، يظهر في الفلم خبراء أو علماء لا نعرف عنهم سوى أنهم أشخاص، تجاوزوا العقد السادس من عمرهم، تبدوا عليهم سيماء العلماء مقنعين بادائهم، وكأنهم يتحدثون عن مسلمات وحقائق علمية لا يرقى إليها الشك، فيقول الأول: “قبل الحضارة السومرية ظهرت أول حضارة في ما يسمى الآن العراق قبل السومريين بـ 5أو6 آلاف سنة، وماصنعوه لم يصل إليه مجتمعنا المعاصر من نظام سياسي برلماني، وأول نظام تعليمي. وهؤلاء كما يدعي (زكريا سيتشن) -عالم في السومريات والكتابة المسمارية، من أصل روسي، ولد في باكو1920- كائنات نزلت من الفضاء يدعون الأنوناكي، أخذوا (مَني) أحد الأنوناكي، وخصبوه في بويضة إنسان بدائي بسبب حاجتهم للعمال، وحرقوا المراحل باستخدامهم ما نسميه اليوم بالهندسة الوراثية. وانتجوا كائناً هجيناً هو رجل الكروماتيون أو الرجل الحديث. وإن غاية نزولهم من السماء إلى الأرض هو البحث عن الذهب، لذلك خلقوا هؤلاء لمساعدتهم في استخراجه، من ثم اصبحوا مدمرين ما اضطرهم لتصفيتهم.
أما الشخص الثاني في الفلم، فمهمته أظهار الأسباب، وتوفير القناعة للمتلقي، عبر الحديث عن منحوتة اسطوانية سومرية الشكل (1) من متحف برلين تظهر المجموعة الشمسية التي لم يكتشفها العالم الأوروبي إلا قبل 300عام، ثم يبدأ هذا الشخص وبيده وحدة قياس، (ليقيس المسافة بين الركبة والورك للجالس في المنحوتة)، وبوساطة برنامج في الحاسوب، ينهض الجالس فيصبح طوله ثلاث أمتار أكبر من الذين جاءوا إليه من البشر بالطول العادي. هذا ملخص لفكرة المادة المصورة فيديوياً.”

الشكل رقم 1

نظرية الكائنات الفضائية
يبدي سليم مطر (الباحث والمتخصص بالهوية العراقية والمدافع عن حضارة وادي الرافدين (العراق القديم) (ميزوبوتاميا) قناعته بهذه الفكرة في كتابه (المنظمات السرية التي تحكم العالم) إذ يقول: ” اعتمد سيتشن على حجج علمية مقنعة لدعم نظريته، منها:(1)

– إن معرفة السومريين الفلكية متفوقة إلى حد بعيد عن الإمكانيات التقنية الموجودة في ذلك العصر. فهم قد عرفوا نظام المجموعة الشمسية، وشكل الأرض، وتقسيم الدائرة إلى 360 درجة، كما قسموا السماء إلى 12 برجاً، وكانوا أول من قسم اليوم إلى 24 ساعة بما يعادل 86400 ثانية. وعرفوا مواقع الكواكب السيارة، وأوقات دورانها المرئية منها بالعين المجردة وغير المرئية، مثلاً كوكب (أوروان) الذي لم يكتشف إلاّ في عام 1782 وكذلك كوكب نبتون الذي أكتشف عام 1846، ثم كوكب بلوتو الذي أكتشف عام 1930.

ـ منذ العام 2008 توصل الفلكيون إلى قناعة بأن النظام الشمسي يتألف من 12 كوكباً وليس 9 تسعاً، بينما السومريون قد اثبتوا ذلك، حيث كشفت ذلك رسومهم الجدارية والأختام الأسطوانية. وهذا يفسر تقديس العراقيين القدماء لرقم 12 وهم الذين أبدعوا الابراج الـ (12) التي تتحكم بمصير الإنسان.

ـ كذلك اكتشف سيتشن في المتحف البريطاني رقماً مسمارياً مدوراً هو أستنساخ لنص سومري وجد في مكتبة أشوربانيبال، كان لغزاً كبيراً عجز العلم عن فك سره ومضمونه. إذ يتحدث عن رحلة فضائية للإله أنليل، وتحوي تعليمات للملاح الكوني بشأن الأقلاع عن الأرض والهبوط عليها!

– عرف السومريون بدقة المسافة الفاصلة بين الأرض عن القمر. ونحن لانعرفه الا اليوم وبمعونة أجهزة دقيقة. كذلك لديهم وحدة قياس مسماة -بيرو- وتعادل 10692 متر، لم يبتكرها الإنسان، بل جاءت من الفضاء الكوني (الآلهة) فهي تعادل الجزء الثلاثين ألف من المسافة بين الأرض والقمر. كذلك هم قاسوا الزمن على الأرض بوحدة مسماة (سوس) وهي تعادل ستين سنة، وكل واحدة منها تتألف من 360 يوم. ولديهم وحدة أخرى أسمها (نير) تعادل ستمائة سنة، وثالثة أسمها (سار) تتألف من 3600 سنة، أي الزمن الذي يستغرقه دوران كوكب (مردوخ) حول الشمس! ”

ثم يشير الكتاب ذاته إلى “دافيد آيك David Icke (2) وهو كاتب وسياسي بريطاني “ولد في العام 1952” وقد تبنَّى نظرية سيتشن عن الأصل الفضائي للسومريين، ولكنه طورها وأعطاها بعداً سياسياً ، حيث أثار ضجة عالمية في العام 1991 بعد نشر كتابه الذي يدَّعي فيه بأن العالم يتحكم به عرق الزواحف الفضائي الذين أسسوا سومر، ولم يعودوا إلى كوكبهم، بل تنكروا بزي البشر وأسسوا رابطة خاصة بهم تحت اسم: (الأخوية البابلية) ورفض (آيك) وبشدة اتهامه بأنه معاد للسامية (اليهودية)، وأكد أنه لا يدين اليهود الحقيقيين، بل عرق الزواحف الفضائي المتخفي باليهودية!
اللافت في كتاب دافيد آيك David Icke الذي يدَّعي فيه بأن العالم يتحكم به عرق الزواحف الفضائي ….أنه يرفض وبشدة اتهامه بأنه معاد للسامية (اليهودية)، أنه لا يدين اليهود الحقيقيين، بل عرق الزواحف الفضائي المتخفي باليهودية! المغالطة هنا لا تحتاج إلى توضيح سوى أن الكاتب حريص على إرضاء النص التوراتي على حساب نظريته الهشة التي يحاول إلباسها ثوب العلمية الضيق جداً على مقاساتها في حين يرى الباحث صباح حاتم أحد المتخصصين بالحضارة السومرية، إن النظرية التي تشير إلى أن حضارة سومر شيدتها كائنات فضائية هي أقرب النظريات إلى أصل السومرية وهذا جزء من لقائه لوكالة كردستان للأنباء(آكانيوز)(3) إذ قال: إن “الأسئلة المحيرة في الحضارة السومرية تجيب عنها هذه النظرية بدقة كبيرة، وإنها أقرب النظريات إلى واقع نشأة وتطور الحضارة السومرية في جنوب العراق.” وأوضح الباحث الذي قضى 15 عاماً في البحث عن أصل حضارة سومر. إن “العلاقة بين الحضارة السومرية والسماء تكاد تكون ماثلة للعيان، حيث إن جميع التماثيل السومرية، تتسم بعيون كبيرة شاخصة إلى السماء.

مداخل في تفكيك الأطروحات
في هذا المجال، أكتفي بهذه الإشارات، إذ أحاول حصرها بالجانب الجمالي والفني لمعطيات المنحوتات السومرية، حيث إن الخوض في جميع الطروحات والرد عليها، يأخذ وقتاً طويلاً، وتخصصات متعددة. كما هناك الكثير منها لا يستحق الرد، إذا ما عرفنا أن ثمة اعداداً كثيرة من المطبوعات بهذا الشأن، وبمختلف القراءات، فضلاً عن تنوعها، وتعددها، لكنها في الجانب العلمي لا تحظى بأية قيمة لدى علماء الآثار.
السؤال هنا إذا كانت هذه الطروحات لا تحظى باعتراف علماء الآثار، لِمَ إذاً الخوض في هذا الموضوع؟
للإجابة على هذا السؤال، هو تزايد سيل تلك الكتابات، والأفلام عبر الانترنت والمقبولية من قبل بعض المثقفين العراقيين لتلك النظريات، والاستمرار في ذلك سيسهم بترسيخ تلك المفاهيم، والنظريات، والرؤى، لذلك أعتقد من الضرورة بمكان الانتباه لهذا الأمر، والكتابة عنه لمعرفة هذا التوجه الذي يهدف إلى تشتيت ذهنية المتلقي وازاحته نحو مساحة تبعد العراقي عن عمقه الحضاري. وتحاصر ذهنية المتلقي في دائرة مغلقة، هي نظرية أن من بنى الحضارة في العراق مخلوقات فضائية، وعبر كتابات تطرح وكأنها مسلمات لا يرقى إليها الشك. ما يعني قطع ما تبقى من خيوط تربط العراقي بحضارته، بعد أن اسهم الفقه الجزري بعزل العراقي عن حضارته وجرت عملية قطع بينه وبين عمقه الحضاري، عمرها1400 عام وما زالت مستمرة، حيث وضعوا له ذاكرة يثربية مصنعة، دُونت في الكوفة بعد أكثر من مئة عام على الهجرة، لتحيله إلى داحس والغبراء، وحرب البسوس بدلاً عن ذاكرته الرافدينية التي تتحدث عن ملحمة كلكامش، وقانون أورنمو، ومسلة حمورابي ومكتبة آشوربانيبال، والزقورة بوصفها وثنية (كافرة) ويجب محوها أو تجميدها… ولولا أن تضاريسه المعرفية والآثارية الهائلة، والراسخة، والمؤثرة في المشهد المعرفي والتاريخي العالمي لانتهت تماماً.

تحليل محتويات الفليم
– تحتل النجمة السداسية في الشكل رقم (1) مساحة واسعة من المنحوتة، لكن الفلم لم يشر إليها في حين أنها بنية رئيسة في المشهد البصري للمنحوتة، كما أنها رمزاً لإله الشمس، فتجاهلها الفلم، لأنها سوف تحيلنا إلى زمن هذه المنحوتة الذي يسبق زمنها النبي داود ربما بآلاف السنين، لأن وجود هذه النجمة من المؤكد يعود رسمها إلى زمن أسبق بكثير في الفضاء الاجتماعي والفكري الرافديني من زمن عمل المنحوتة. والحديث عن هذه النظرية، سينسف صدقية ما ورد في التوراة…. ربما التجاهل جاء خوفاً من الاتهام بمعاداة السامية، لذا تجنبها السرد في الفلم.
– في الشكل رقم (1) المنحوتة الأسطوانية من متحف برلين التي يتحدث عنها الفلم بعد الحديث عن العماليق واستخدام الهندسة الوراثية في انتاجهم ومجيئهم من السماء عبر مركبات فضائية. وبعد فيض من هذا السرد لا توجد أية قرينة علمية تؤكد هذه الأطروحة سوى أن أحد العلماء أو المتخصصين، يقيس المسافة بين الورك والركبة للشخص الجالس بوصفه أحد العماليق ثم بوساطة برنامج في الحاسوب، يظهر الفارق بين الشخص الجالس (من العماليق) والآخرين. هذا المشهد فقط هو من يعتمده الفلم ليدعم هذه النظرية.
رابط الفلم http://www.youtube.com/watch?v=SJrPAPUhNww#t=12
هذه القرينة لا تعني أنها صورة حقيقية لمخلوق كما يحاولون إيهامنا، فإنها صورة لإله الشمس في الغالب أو لملك، فالصورة متخيلة لشخصية غير مرئية حاول الفنان الرافديني اعطاءها نوع من الفخامة والعظمة والسمو والرفعة ليميزها عن بقية الناس، وهذا أمر يمكن أن نتلمسه في صورة الملك الآشوري أيضاً.
– في الشكل (2) الملك الآشوري أسرحدون مع ملوك مصر حيث إن منحوتة الملك الآشوري تظهر أضخم وأكبر أضعاف ما ظهر عليه ملوك مصر في المنحوتة. لكن الفارق هنا الملك اسرحدون شخصية معروفة بشرية، وليس هناك أدنى شك بأنها ليست متخيلة، بل شخصية حقيقية أكدتها الدراسات الآركولوجية، وليست لها أية علاقة مع العماليق.

الشكل رقم 2 الملك الآشوري أسرحدون مع ملوك مصر المأسورين
– في الشكل (3) حيث إن امرأة تظهر اثداؤها بحجم كبير جداً، وبطنها منتفخة في إشارة إلى دورها كرمز للخصب، والتمثال من العصر الأمومي (الميترياركي) إذ كانت المرأة المنتج الأول، فهي تنتج الأولاد وتسهم في الصيد، وجمع الفواكه، وتحاكي خصوبة الأرض، وجمعت البذار، ودجنت الحيوانات في العصر الحجري القديم، وكانت المرأة تتزوج من عدة رجال إلى أن انتهى هذا العصر، وحل المجتمع الأبوي البطرياركي، بعد أن أحدثت الزراعة انقلاباً هائلاً في حياة الإنسان في هذه المرحلة، وحتى بداية المرحلة الأولى للزراعة، كانت السيادة الاجتماعية للمرأة بوصفها رمزاً للخصوبة لهذا، عمد النحات إلى تضخيم اثدائها، وعَبر بوساطة هذه الرمزية عن أهميتها في الخصوبة، وهيمنتها الطاغية في المشهد النحتي.

شكل رقم 3 تمثال لامرأة كرمز للخصب
– في الشكل (4) يظهر الكاهن الأعلى والآلهة الذين يرافقون الملك إلى الإله الشمس الجالس في هيكله خلف قرص الشمس، وهنا الإله الشمس نُحت بطول وبحجم وبنسبة أكبر بالمقارنة مع الآلهة والملك والفارق مع الشكل رقم (1) أكبر.
الشكل رقم 4 الكاهن الأعلى والآلهة ترافق الملك إلى الإله الشمس الجالس في هيكله خلف قرص الشمس

– في الشكل(5) مسلة حمورابي بالجزء العلوي منها، يظهر حمورابي أمام عرش إله الشمس الجالس الذي يساويه في الارتفاع وهو واقف مع أن إله الشمس، يبدو أضخم حجماً، وأكثر أناقة في ملبسه، ويمكن ملاحظة الفارق بين يدي إله الشمس الضخمة، ويدي حمورابي الأنحف والأقصر.

الشكل رقم 5 في الجزء العلوي من العمود ظهر حمورابي أمام عرش إله الشمس
– في الشكل رقم(6) يظهر في المنحوته جيش الملك السومري (إين أنا توم) في مسلة النسور إذ تخلد المسلة انتصار جيش لكش على مدينة (أوما) القريبة منها. وما يهمنا هنا هو (اتساع عيون الجنود) بحيث تحتل نحو مساحة ثلث الوجه للجندي، الفنان الرافديني يرمز في الدال النحتي عن فكرة الانتباه، واليقظة، والاستعداد، أي أنهم يتمتعون برؤية استباقية للعدو، وأنهم لا يؤخذون على حين غرة، وفي المفهوم السياسي والعسكري القديم، يطلقون على جواسيسهم تسمية (العيون). وعلى وفق هذا المشهد الفني البصري لعيون الجنود، نرى أن العيون تنظر بمستوى أفقي أي أن سعة العين لا ترتبط بدلالة الارتباط بالسماء، لكنها كما اسلفنا تكنيك فني يمنحها هذا الحضور والهيمنة لتعبير عن الأهمية، وليس الارتباط بالسماء بوصفه المنشأ لتصدير الإنسان كما يشير إلى ذلك الاستاذ صباح حاتم المشار إليه آنفاً، ويفسر د.زهير صاحب في كتابه الفنون السومرية تلك المسألة (4)”إن السومريين اعتبروا العينين أهم الحواس، ففي معظم تماثيلهم، احتلتا أهمية قصوى في دلالتهما التعبيرية، إنهما الجزء المشفر عن أهمية الشخصية، وعن جدل الحوار مع الماورائي، وعن بنية التعبير العميقة أيضاً، والكامنة في اعماق مناطق التمثال. فهما البصر والبصيرة في الوقت نفسه،(5) شهدت هيمنة الفنان الذاتية على حساب الموضوعي وذلك بالمبالغة بحجم العينين، وتطعيم جوفيهما باحجار ملونة وفي ذلك قصدية واعية ومستندة إلى الخيال والإرادة والوجدان، سعت إلى تحطيم المنظومة الواقعية لنظام التماثيل الشكلي، بغية كشف مشكلات الذات الانسانية. ومن هنا يفصح الخطاب التقني عن أصالة الحضارة السومرية.” الدكتور زهير له رؤية أخرى، ليس لها علاقة بالذي ذهب إليه صباح حاتم. ولنا رؤية أخرى بشأن انشداده نحو السماء أشرنا إليه بالتفصيل في بحثنا المنشور في الحوار المتمدن (تناصات توراتية..ملحمة كلكامش).
الشكل رقم 6 جيش الملك السومري انا توم في مسلة النسور

– أما بشأن العماليق لا توجد ثمة نصوص تاريخية أو علمية بشأنهم سوى ما ورد في التوراة ومبثوثة هنا وهناك في الأسفار. وننقل هنا تعريف لهم مأخوذ من قاموس الكتاب المقدس: اسم عماليقي وربما معناه ((متأجج أو عنيف)) ويظن البعض أن اسم ((أجاج)) كان لقباً لملوك العماليق كما كان يطلق اسم فرعون على كل ملك في مصر، ويشير الكتاب إلى شخصين بهذا الاسم وهما: (1) أجاج ملك العماليق ذكره بلعام في بركته لاسرائيل، انظر سفر العدد 24: 7. (2) أجاج ملك العماليق الذي قتله صموئيل بعد أن عفى عنه شاول 1 صموئيل 15: 8-33. وثمة العديد من الاشارات لهم بوصفهم مجموعة بشرية تسكن جنوب سوريا ولهم حروب مع العبرانيين وانتصر فيها العبرانيون على العماليق كذلك فعل الفراعنة وجميع ما كتب عنهم جاء في العهد القديم (التوراة) وهو يصنف ضمن الكتابات الميثولوجية لا يوجد أي سند تاريخي أو آركولوجي له….وورد في كتاب أصول العرب البابلية (6)”ويزعم مؤرخو العرب أن بني قحطان لما نزلوا اليمن كان فيها بقية من العرب العاربة والدولة فيهم والقحطانيون يومئذ بعيدون عن رتبة الملك والترفه الذي كان لأولئك فاصبحوا بمنجاة من الهرم الذي يسوق إليه الترف والنضارة فتشعبت في أرض الفضاء فصائلهم وتعددت أفخاذهم وعشائرهم حتى زاحموا من كان هناك من العمالقة فأبادوهم” ولو كان هؤلاء مخلوقات خرافية، لكانوا قد انتصروا في حرب من حروبهم التي وردت في التوراة أو التي ذكرها مؤرخوا العرب أو لبقى منهم هيكلاً عظمياً كما هو الحال مع الديناصورات، لذلك نرى أن جميع هذه المنحوتات، تعود لإله الشمس أو لملك، وليس لعملاق من العماليق، كما يحاول الفلم إيهامنا بحقيقته، فضلاً عن أنها تقدم صور سلبية لعبقرية النحات والفنان الرافديني الذي استخدم هذا التكنيك العالي والمتقدم بعبقريته للتعبير عن رؤاه وعكس قناعات وفلسفة المجتمع، وصور عبر المنحوتة عن المخيال الجمعي، وصورة إله الشمس والآلهة في ذهنيته، وتصوراته والمناخ الروحي والديني الذي يشكل حقيقة في تلك اللحظة التي جمدها الفنان، وانفتحت على الزمن.
الفلم يحاول تغييب المعطى الجمالي والفني للمنحوته، ومن دون أية إشارة لإبداع الفنان الرافديني الذي يرقى عمله إلى أفضل الأعمال الفنية التي انتجها الفن العالمي المعاصر، وكأنه يحاول اقناعنا بأن هذا الفعل الجمالي هو أيضاً يندرج ضمن رؤيته عن العماليق، وإن شخصيات فضائية هي من نحتته. لذا ما أُريد قوله أن الحجم الكبير للاشخاص في المنحوتة لا يشير إلى أنهم من العماليق، بل هو تكنيك يندرج ضمن هذا النسق الذي درج عليه الفنان الرافديني.

طرق احتساب أبعاد النجوم
(6)” إن المسافة بين النجوم التي تكون مواقعها (بالنظر للنص موضوع البحث بثلاثة أنظمة للقياسات حسب النسبة التالية:
1- الطالين أو 60 مينا = 12 دانا Dana (أي بيرو أكدي)، أو 360 كش Ges على الأرض (اينا ككوري) = 648000 دانو في السماء (اينا شامي).
ففي النظام الأول تكون المقاسات بمقدار الوقت: ذلك أن وزن الماء الذي يسقط من ساعة مائية يقيس الوقت بين مرور نجمين عند الاوج (طالين واحد من الماء = يوماً نجمياً واحداً).
وفي كتاب (حضارة وادي الرافدين الاسس المادية) تأليف د. دانيال تي بوتس ترجمة كاظم سعد الدين جمهورية العراق الهيئة العامة للآثار والتراث ص130
الأوزان (7)
1- شه/Se / سومري / اوطيتو uttetu = “حبة شعير”= 0,04- 0,05غم وهناك أوزان أخر نكتفي بهذا.

وفي مجال مقايسس الحجوم
1-سيلا سومري = 10،800 شه أو حبات شعير = 1لتر ، وثمة مقاييس للمساحات….
لاشك أن التطور في وسائل الإنتاج وتناميه الواسع انعكس بدوره على الواقع التجاري ما أدى إلى تقدم في المعرفة الحسابية. في كتاب ما قبل الفلسفة ص290(8) ” وفي (طيماوس) لأفلاطون نجد هذه السطور:”…لو كنا لم نر النجوم والشمس والسماء، لما نطقنا بكلمة واحدة مما قلناه عن الكون. أما الآن، فإن مرأى الليل والنهار، وتعاقب الأشهر، ودورات السنين، قد خلقت الأعداد ومنحتنا فكرة الزمن، وقدرة البحث في طبيعة الكون…”
وثمة اشارات عديدة لتفسير القضية الحسابية عموماً هذه الاساليب والمبتكرات والاختراعات التي تطورت وعبر آلات وأدوات بسيطة مكنتهم من التوصل لنتائج هائلة احتاجت إلى أجهزة معقدة في زمننا المعاصر، فهم كانوا يراكمون الخبرة عبر آلاف السنين ليحدثوا تغييراً ما، لكن يومنا الحضاري الآن مختلف، فلو قسنا مثلاً الاختراعات والاكتشافات في السبعينيات من القرن الماضي، كانت نحو 7 آلاف اختراع واكتشاف بالسنة في روسيا وأميركا، لكن الآن ثمة آلاف الاكتشافات والاختراعات في العالم. بعد هذا الذي سقناه نرى أنه لا تبدو الحسابات المعقدة التي طرحت تشير لمخلوقات فضائية، بل أنها أتت عبر تجارب طويلة وتراكم خبرات فضلاً عن استخدام آلات علمية بسيطة أملتها الحاجة، يمكننا تشبيهها بأدوات المهندس الذي بنى السدود والقصور في العراق القديم، وحتى في العصر العباسي، أوأيام حكم العثمانيين والعمارة في بلاد فارس، مثلاً في إيران ثمة جامع صمم بحيث يرتفع فيه صوت المؤذن إلى سبع مرات. وهو لا يملك من التكنولوجيا وأدواتها المتطورة والمعقدة في الوقت الحاضر، ولاسيما الحواسيب والثورة المعلوماتية. فهل يحال ذلك إلى مخلوقات فضائية، أو مساعدة ما ورائية، أو غيبية؟!

التطور الحسابي
كما أشرنا بأن مراقبة الهلال مذ كان الإنسان يعيش في الغابة هي هم يومي وعلاقة وجودية ومصيرية، هذا الارتباط وضغط الحاجة، اسهم في تعلمه الحساب عبر محاولات مراقبة امتدت لعشرات الآلاف من السنين، وبالتراكم تطورت علومه الحسابية، لاسيما تناميها المضطرد في العصر الحجري الحديث الذي يبدأ من نحو 8500-4500 عام قبل الميلاد، إذ حدث انقلاب أو لنقل انعطافة كبيرة في حياة الإنسان، وتطوره، حين تعلم الإنسان الزراعة. فحدثت الكثير من المتغيرات. فبعد أن تعمقت تجربته الزراعية، تراكم لديه خزين من الحنطة، والشعير، مما دفعه لمعرفة أوزان الكميات المخزونة، وبالضرورة حسابها، وكذلك تطور التبادل التجاري، ما دعت الحاجة لعمليات حسابية تضبط سير العملية التجارية وحساب الضرائب، ثم شكلوا الجيوش لحماية منتجاتهم وتجارتهم وأمن مدنهم، إذاً فلابد من سجلات حسابية تضبط عددهم و عدد اسلحتهم، فضلاً عن حساب ممتلكات المعبد من أراض، وعبيد وأموال عموماً، مع تطور وسائل الإنتاج، تطورت الرياضيات، إذاً لا غرابة بتطوره في الحساب، ولم يأت ذلك فجأة، بل عبر تطور تدريجي… ورد في كتاب (الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور) تأليف جورج كونتينو ص379 (9)”لقد ميّز سكان العراق القدماء بين الكواكب السيارة وبين النجوم الثابتة. وقد قارنوا الكواكب السيارة بالمعزى الضالة، بينما قارنوا النجوم الثابتة بالمعزى الأليفة. وتمكن العراقيون القدماء، عن طريق الرصد والحساب، من أن يؤلفوا جداول بالنجوم الثابتة مع سجل للمسافات بوساطة وحدات زمنية ترتبط نسبتها الحسابية بوزن الماء الساقط من (الساعة المائية) –وهي أداة عرفها البابليون واستعملوها لهذا الغرض- على الممر الكائن بين نجمين وقت الزوال. وهكذا كان من الممكن أن تقرأ في الجداول: المسافة من غامتو camtu إلى برج الجوزاء هي اثنان ونصف مينا (من وزن الماء). ص 380 من الكتاب نفسه (10) وكانت هناك طريقة ثانية لقياس الموقع النسبي، وهي بشكل صيغة تتضمن تقسيم الخط المتوازي الذي يعتقد أن النجم يقع عليه، ويعبر عن هذا التقسيم بالدرجات ….كانت هذه النتائج المعول عليها في بلاد النهرين ذلك لأن الآلات الوحيدة التي استعملت لمراقبة الأجرام السماوية، كانت عبارة عن أنابيب تعمل عمل المراقب، ومنها الساعة المائية والمزولة الشمسية، والبولو- وهي نصف كرة جوفاء فيها أبرة مثبتة في مركزها، وتلقي بظلها على الجدران فتضبط المدد عن طريق تأشير الظل…كانوا يحيطون الملك علماً بظواهر النجوم والشمس والقمر…واوقات الخسوف والكسوف.”إذاً من الطبيعي أن متابعة البدر كانت قد سبقت اكتشاف الكواكب، ربما قبل آلاف السنيين حتى تمكن من الاهتداء إليها، ومتابعة حركة دوران الشمس والكواكب، فإنه حين بدأ يكتشف حركتها، تمكن في البدء من تحديد الأسبوع بوساطة مراقبة الهلال ثم الشهر ومن ثم السنة (12) شهراً بعد مراقبة حركة الكواكب حول الشمس، فلو لاحظنا في ملحمة كلكامش يظهر الرقم (12) من اللوح السابع في الملحمة، وكذلك عدد الألواح 12 أي أنه يظهر بشكل متأخر إذا ما علمنا أن الملحمة السومرية كانت قد سبقت تاريخياً بزمن قبل تدوينها… إذاً مراقبته للسماء لا يعني أنه يعد نفسه جاء من السماء، بل لحاجته الملحة لمتابعة تحولات الهلال حتى يصبح بدراً، ورافق ذلك رصد النجوم، ووضع الاسماء لها فضلاً عن جعلها مقياس لتحديد الشمال حيث حدد النجم القطبي شبه الثابت في السماء، وبذلك كان بمقدوره السير ليلاً، إن الصابئة المندائيون وهم من الديانات العراقية القديمة، جعلوا النجم القطبي قبلتهم في الصلاة، وكذلك حدد الآيزيديون ثبات النجم القطبي قبل ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وثمة دعاء لهم باسم النجم القطبي، يقرأ في أثناء السفر، هل هذا يعني أنهم أتوا من النجم القطبي أم توصلوا لذلك عبر خبرات متراكمة لآلاف من السنين، الإشارة المتكرر للرقم 7 في السرد اللاهوتي السومري ينتمي للمناخ الفكري والمعرفي والسايكولوجي المتراكم من آلاف السنين، والممتد حتى إلى زمن المجموعات البشرية حينما كانت تعيش في الغابة. وهذا يعني أن التطور الفكري والمعرفي الرافديني، ينمو مع تطور وسائل الإنتاج، وهو نتاج بشري أرضي، لا كما يحاولون ايهامنا عبر اساليب مضللة تحاول عزل العراقي عن أرثه الحضاري ومن ثم يجعلوه نهباً لذاكرة صحراوية.

الحكماء السومريون
نظرية لاهوتية ونظرية كونية
في كتاب السومريون تاريخهم حضارتهم وخصائصهم/ صموئيل نوح كريمر ترجمة الدكتورفيصل الوائلي ص 149مكتبة الحضارات الطبعة الأولى
(11) يبين أن السومريين طوروا عبر الألف الثالث قبل الميلاد أفكاراً دينية ومفاهيم روحية تركت في العالم الحديث أثراً لا يمكن محوه، وخاصة ما وصل منها عن طريق الديانات اليهودية والمسحية والإسلام. فعلى المستوى العقلي استنبط المفكرون والحكماء السومريون، كنتيجة لتأملاتهم في أصل الكون وطبيعة عمله، نظرية كونية وأخرى لاهوتية كانتا تنطويان على إيمان راسخ قوي بحيث إنهما اصبحتا العقيدة والمبدأ الأساسيين في غالب عالم الشرق الأدنى القديم. وعلى المستوى العملي والوظيفي طور الكهنة ورجال الدين السومريون مجموعة من الطقوس والشعائر والاحتفالات الغنية بالألوان والتنوع التي كانت تؤدي لغرض إرضاء الآلهة وتهدئتهم بالإضافة إلى ما فيها من إشباع عاطفي لحب الإنسان للمهرجانات والمشاهد الضخمة. وعلى المستوى الجمالي خلق الموسيقيون والمنشدون الأميون وورثهم المتأخرون وشعراء وكتاب ((الايدوبا)) (أي المدرسة) ما يعتبر من جميع الوجوه أغنى مجموعة أساطير (ميثولوجية) في الشرق الأدنى القديم، نزلت بالآلهة إلى مستوى الحجم البشري، إلا أنهم فعلوا ذلك بتفهم واحترام، فوق كل شيء، بأصالة وخيال، على الرغم من أنه لم يكن تحت تصرف الفلاسفة والمفكرين السومريين، إذا تحدثنا من الناحية العلمية سواء مجموعة من الأفكار البدائية عن الطبيعة والكون وطريقة عمله. ففي نظر المعلمين والحكماء السومريين كانت عناصر الكون الرئيسة (في اضيق معنى للكلمة) السماء والأرض. ففي الواقع كان تعبيرهم عن الكون ((آن – كي )) , وهي كلمة مركبه تعني ((السماء – الأرض)) وكانت الأرض قرصاً منبسطاً يعلوه فضاء شاسع مجوف، محاط من كل جهاته بسطح صلب على شكل قبة. أما ماذا كان يعتقد أن تكون هذه الكتله السماوية بالضبط، فإنه أمر ما زال غير مؤكد، ومن المحتمل أنها كانت قصديراً وذلك استنتاجاً من حقيقة أن التعبير السومري عن القصدير هو ((معدن السماء)).
وص150من الكتاب نفسه (12) كانوا يقرون بوجود مادة بين السماء والأرض اطلقوا عليها ((ليل)) ((lil)) وهي كلمة معناها التقريبي، ريح، هواء، نفس، روح، ويبدو أن أكثر خصائصها أهمية هي الحركة والامتداد ولذلك يضاهي بوجه التقريب كلمتنا ((الجو)). وكان يعتقد أن الشمس والقمر والكواكب والنجوم مكونة من نفس مادة ((الجو)) إلا أنها علاوة على ذلك وهبت قدرة على الإشراق. ويحيط بالــ ((سماء – أرض)) من جميع الجوانب، بما في ذلك من الأعلى والأسفل، البحر اللا متناهي الذي يظل في الكون، بطريقة ما، ثابتاً وبلا حركة.
ومن هذه الحقائق الأساسية المتعلقة بتركيب الكون– وهي أفكار كانت تبدو للمفكرين السومريين جلية لا جدال فيها– طوروا نظرية في أصل الكون تتلاءم معها. فقد استنتجوا بأن هنالك أولا ((البحر الاول)). وتشير الدلائل إلى أنهم كانوا ينظرون إلى ذلك البحر على أنه أول سبب وأهم محرك، ولم يسألوا أنفسهم قط عما قد سبق البحر في الزمان والمكان. وفي هذا (البحر الأول) ولد بطريقة ما الكون (أي ((السماء – الارض)) )، المكون من قبة السماء التي وضعت فوق أرض منبسطة ومتصل بها. إلا أنه حل بينهما (( الجو )) المتحرك المتمدد الذي فصل السماء عن الأرض، وتولدت من هذا ((الجو)) المجوعة النيره من الاجرام وهي، القمر والشمس والكواكب والنجوم. وبعد فصل السماء عن الأرض وخلق المجموعة النجمية المضيئة ظهرت إلى الوجود الحياة النباتية والحيوانية والبشرية. وكان رجال الدين السومريون يفترضون أن تشغيل وإدارة الكون ومراقبته يقوم بها مجمع آلهة يتالف من مجموعة من الكائنات الحية، تشبه الإنسان شكلا ولكنها فوق البشر وخالدة، وهي، على الرغم من أنها لا ترى بعين الإنسان الفاني، كانت تسير الكون وتسيطر عليه “ويكمن وراء فرضية العالم اللاهوتي السومري البديهية هذه، بلا شك استنتاج منطقي، وإن لم يكن قد وضع بوضوح، لأن ذلك اللاهوتي لم ير أيا من الكائنات الشبيهة بالبشر. ولعل عالمنا اللاهوتي أخذ دلالته من المجتمع البشري كما كان يعرفه وسار في استنتاجه من المعلوم إلى المجهول، فقد لاحظ أن البلدان والمدن والقصور والمعابد والحقول والمزارع- وباختصار، جميع ما يمكن تصوره من المؤسسات والمشاريع، إنما تراعي شؤونها وتشرف عليها وتسيرها وتسيطر عليها كائنات حية من البشر،وعلى هذا كان من المؤكد بالنسبة لهم أن يكون للكون ومظاهره المتعددة كائنات حية على هيئة البشر تسيرها وتسيطر عليها. ولكن لما كان الكون أكبر جداً من جميع مواطن البشر، وتنظيمه أكثر تعقيداً فانه يجب كما هو واضح أن تكون هذه الكائنات الحية أقوى كثيراً من البشر العاديين وأكثر فعالية منهم، ويجب فوق كل شيء، أن تكون خالدة، وإلا فأن الكون سيؤول إلى فوضى عند وفاتها وتحل عندئذ نهاية العالم، وهذان بديلان لا يستسيغهما لأسباب واضحة عالم ما و راء الطبيعة السومري.” هذا تفسير منطقي وواضح لا يحتاج إلى عناء لمعرفة، لماذا لجأ الفنان الرافديني إلى تضخيم الإله لينسجم مع الرؤية الفلسفية الرافدينية، وقناعاتها وتفسيراتها الكونية ونشأته وأصل الانسان…. “كانت الأرض قرصاً منبسطاً يعلوه فضاء شاسع مجوف، محاط من كل جهاته بسطح صلب على شكل قبة.” هنا هذا الاعتقاد الذي يشير إلى أن الأرض قرص منبسط. يعبر ومن دون أي شك، بأن هذه الرؤية بشرية تنطلق من الأرض باتجاه السماء، ولما كانت الشمس والقمر تبدوان كقرص لسكان الأرض عُكس هذا التصور على الأرض، ما يعني لا وجود لتفسير مخلوقات فضائية تدخلت في هذه الرؤية. إذ إن الإنسان الرافديني البدائي كما ورد في كتاب (ما قبل الفلسفة) لـ هـ. فرانكفورت و جون. أ.ولسن ..توركيد جاكوبسن يبينان “إن الإنسان البدائي لا يعرف عالم الجماد ابداً. ولهذا السبب عينه، لا (يشخص) ظواهر الجماد، ولا يملأ عالماً فارغاً بأشباح الموتى، كما تريدنا (الروحانية) أن نعتقد، ففي عالم كهذا خير للمرء أن يتحدث عن العلاقات بين ظواهر الطبيعة كأنها علاقات اجتماعية، وعن نظامها في اداء وظائفها، كأنها نظام من الإرادات، أي كدولة.

الخلاصة

إن ما تحدث عنه الفلم عبارة عن عملية تضليل وخداع بصري عبر تقنيات تكنولوجية، لا تستند إلى أية حجة مقنعة، عموماً هذه النظريات تتحرك بدوافع آيديولوجية، أو دينية، أو استشراقية، تحاول تشتيت الرؤى أو التفكير بشأن مركزية وادي الرافدين في المشهد الحضاري العالمي عبر اضافته بصفته الإسلامية أو بالإحالة على القومية العربية ومن ثم يسهل ادراجه ضمن هذه الصفة إذ يسهل تفريغه من محتواه وإرثه في سلم الحضارة العالمية. نشير هنا إلى ما جاء في كتاب أدورد سعيد مفارقة الهوية، تأليف بيل أشكروفت وبال أهلواليا ” ص 71 تأليف بيل أشكروفت وبال أهلواليا ترجمة سهيل نجم دار نينوى/سورية دمشق (13)”وضعت الاختبارات التفصيلية والمتقنة عن اللغات الشرقية والتواريخ والثقافات في سياق كان فيه تفوق أهمية الحضارة الأوروبية لا يطاله أي تساؤل. هكذا كانت قوة الخطاب حتى أن الأسطورة والرأي والإشاعة والميل تتولد من قبل باحثين متحمسين سرعان ما افترضوا حالة التوصل إلى الحقيقة. مثال ذلك العالم اللغوي والمؤرخ المتحمس الفرنسي أرنست رينان (1823-92) الذي أعلن بثقة أن “كل إنسان، مهما كانت معرفته ضئيلة بشؤون وقتنا الراهن، يرى بوضوح الدونية الحقيقية للبلدان الإسلامية” كل أولئك الذين زاروا الشرق، أو أفريقيا صدموا من محدودية عقل المؤمن الحقيقي إلى حد مروع، فنوع الحديد المدور الذي يحيط رأسه يجعله منغلق عن المعرفة تماماً” و” كتب اللورد مرومر، الذي اعتمد كثيراً على كاتب مثل رينان، في 1908 بينما “يعمل الذكاء الأوروبي المتمرس مثل جهاز ميكانيكي، فإن العقل الشرقي، مثل صور شوارعه، فاقد للتناسق إلى حد كبير”(سعيد 38: 1978). فـ (النظام) المتفوق و((العقلانية) و(التناسق) هي لأوروبا و(اللانظام) المتدني و(اللاعقلانية) و(البدائية) هي لغير الأوروبين”
ما يعني أن هناك من يعمل على عزل العراق عن إرثه الحضاري لأسباب عديدة السؤال هنا إذا كان ثمة من لا يقتنع من أن حضارة وادي الرافدين هي نتاج الإنسان العراقي. وهنا أشير إلى بعض الغربيين الذين ينطلقون من أسباب دينية أو عنصرية…كذلك لبعض القوميين العرب الشوفينيين الذين يعزون نسب الأقوام التي بنت الحضارة في العراق إلى مهاجرين جاءوا عبر الجزيرة العربية. للإجابة على هذا السؤال هو لماذا لم يستطع إنسان الجزيرة من بناء حضارته في الصحراء؟ ثم لو كانت هذه الهجرات خارجية، لماذا لم تبن حضارتها في مواطنها الأصلية؟
وإذا كنا ننتمي إلى الحضارة السومرية و البابلية…. ماذا يعني ذلك بالنسبة لنا؟ هل يقدم لنا هذا الإنتماء الآن شيئاً يذكر في مفهوم الهوية، وفي الحيز السياسي، والتحضر….؟ للإجابة على هذا السؤال علينا أن نعرف أننا نعيش حالة من إزدواج الشخصية ليس بمفهوم عالمنا على الوردي، بل ما أعنيه هو الفصل السايكولوجي والسوسيولوجي الذي حدث لهوية الفرد العراقي منذ 1400 عام فضلاً عن ذاته الجمعية بمخزونها الأسطوري والفلكلوري والثقافي والمعرفي، حيث جرت عملية تغيير قسرية، خلخلت ارتكاز الفرد في بناه وانساقه السوسيولوجية. فتشكلت له منذ ذلك الوقت ذاكرة مشوهة يثربية رملية، حلت بدلاً عن ذاكرته التي ظلت تنزاح عن نقطة ارتكازها….فاصبحت الجزيرة هي المركز المعرفي والجذر (الجيني الافتراضي) في آن، فابن المدينة التي عمرها أكثر من 6 آلاف سنة يدعي أنه جاء من اليمن أو من القبيلة الفلانية….! أي قبل تشكل القومية العربية بمفهومها الحديث بآلاف السنين….وانقلبت الكثير من المفاهيم إذ غُيب تاريخ (الحيرة) عاصمة ومركزية النعمان بن المنذر بوصفه سيداً على العرب إلى أن نكون طرفاً، وإن الأقوام التي بنت الحضارة هي قادمة من الجزيرة، وكذلك اللغة العربية! فالغزو الصحراوي لوادي الرافدين احدث زلزالاً في نسيجه الإثني، والعرقي، والديني، واللغوي، والثقافي…. فضلاً عن تمثلاته، وانساقه، ورموزه، وتقاليده وعقائده، التي جُرفت، أو تنحت، أو ظلت تعيش في تجاويف العتمة الاجتماعية …يقول يونغ” “ليس صحيحاً أن لا وعي الكائن الإنسانى الفردى هو فقط جماع تجربته كفرد، بل فيه أيضاً خبرات النوع الإنسانى ككل، بكامل مخزونه من الأساطير والعقائد والتقاليد والعوائد المعرفية والسلوكية التى تبلورت طيلة آلاف السنين.” فأختلت مركزية الذات العراقية، وكذلك الذات الجمعية التي تشكلت عبر آلاف السنين من علوم ودين وأساطير وتلفيقات وفلكلور…. لذا تتنازعه هويتان هوية الغالب المنتصر التي ارتدت قناع الدين والقومية، وهويته الحقيقة ذات العمق الحضاري العظيم وتضاريسه المعرفية التي تشكل نقطة ارتكاز كونية، لا خلاص منها.
إذاً نحن الآن نعيش حالة قلقة، أصبح فيها المركز طرفاً والطرف مركزاً عبر الانتماء الطائفي الذي ابتلع الهوية الوطنية بانساقها ورموزها وتمثلاتها. فمثلاً السنّي هو سنّي قبل أن يكون عراقياً رافضاً آلاف السنين من رصيده الحضاري وكذلك الشيعي شيعياً قبل أن يكون عراقياً، والمثير للغرابة أنهما يلتقيان في مقابر قريش عند البحث عن حلول لهم في اللحظة الراهنة، حلولاً صحراوية لحضارة مائية طينية! وما زالت مهيمنات المعنى للفقه الصحراوي، ومعايير يثرب تشتغل كمفاتيح لقراءة شفرات اللحظة الراهنة على الرغم من الثورة المعلوماتية والتكنولوجية في زمن الألفية الثالثة! عموماً هذا البحث هو جزء من محاولات تسعى إلى استرداد الذاكرة والذات والسردية العراقية. فلو اطلعنا على سر الانسجام السوسيولوجي وحيوية الشعب الإيراني نجده ظل مرتبطاً بعمقه الحضاري ومتصالحاً مع ذاته كذلك هو الحال في تركيا إذ إن الأتراك هم حكموا الآخرين بالإسلام، وليس العكس كما حدث عندنا، إذ تحكمنا تفاسير الفقه الصحراوي للقرآن.
المصادر
1- المنظمات السرية التي تحكم العالم/ تأليف سليم مطر الطبعة الأولى 2011 الصفحة 83 المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت
2- المصدر نفسه ص85
3- الرابط http://www.airssforum.com/showthread.php?t=77793
4- الفنون السومرية تأليف د.زهير صاحب ص82 سلسلة عشتار الثقافية اصدار جمعية الفنانين التشكيلين العراقيين/ بغداد 2005
5- المصدر نفسه ص89
6- أصول العرب البابلية ص112 تأليف محمد آل يوسف حسين دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع لبنان – بيروت
7- من مقالة لشوريو دايخان في مجلة (الاشوريات والآثار الشرقية) المجلد27 سنة1930 العدد2 يبين دايخان
8- وفي كتاب (حضارة وادي الرافدين الاسس المادية) تأليف د. دانيال تي بوتس ترجمة كاظم سعد الدين جمهورية العراق الهيئة العامة للآثار والتراث ص130
9- في كتاب ما قبل الفلسفة ص290 تأليف بيل أشكروفت وبال أهلواليا ترجمة سهيل نجم دار نينوى/سورية دمشق
10- ورد في كتاب (الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور) تأليف جورج كونتينو ص379
11- ص 380 من الكتاب نفسه
12- في كتاب السومريون تاريخهم حضارتهم وخصائصهم/ صموئيل نوح كريمر ترجمة الدكتورفيصل الوائلي ص 149مكتبة الحضارات الطبعة الأولى
13- ص150من الكتاب نفسه
14- ص 71 تأليف بيل أشكروفت وبال أهلواليا ترجمة سهيل نجم دار نينوى/سورية دمشق

الحوار المتمدن

4 تعليقات على “حضارة وادي الرافدين اختراع بشري نقض نظرية الكائنات الفضائية”

  1. نسيت اذكر لكم بان هذا المدعو زكاري سيتشين ليس عالنا باللغه السومرية و انما تخرج من جامعة لندن للاقتصاد و رد عليه دكتور مايكل هيسر الحاصل علي ماجستير و دكتوراه في العهد القديم و اللغات السامية القديمة اذ قال ان ادعاءات سيتشن التي ادعي ان السومريون يؤمنون بها لا وجود لها في اي نص مسماري و احيلكم للموقع الذي نقلت عنه:
    https://chaukeedaar.wordpress.com/2011/08/15/zecharia-sitchin-inventing-the-nibiru-and-annunaki-lie-on-behalf-of-the-illuminati/

  2. تحية طيبة : ما يكتب الان عن السومريين هو امر يثير الانتباه ومن ثم يدعو الى التدقيق والتمحيص ، وما تفضل به الكاتب المحترم من شكوك حول الكثير مما قيل مقبول من الناحية العلمية لكونه قول من دون دليل وتفسير يعكس ثقافة الكاتب ، ومع تواصلي والمقال تمنيت ان اجد منهجا علميا حياديا مع شديد احترامي للسيد عبد الجبار خضير ، وما وجدته هو ايضا انعكاسا لثقافة الكاتب وتأويلا من دون دليل ، مثال ذلك حجم الشخصيات المهمة : ما هو الدليل على ان ضخامة الحجم يراد منه الاهمية المعنوية للشخص ؟ ثانيا : الا تُعد الفترة الاسلامية انتقالا حضاريا ايجابيا في حياة الفرد اليثربي؟ لماذا لم يكتف اليثربي بما ورثه من تعاقب الحضارات ونحن نعلم انه تعاقب تسلسلي من دون انقطاع . اما الفرد الرافديني فنظرته الى ارثه الحضاري مكلل بالاحترام والاعتزاز وربما الى المغالاة لدى البعض ، ولم نعرف تخريبا لحضارته الا في فترات حروب الهيمنة والتسلط منذ تلك العصور والى يومنا هذا ، سُرقت الاثار العراقية منذ الاحتلال الانكليزي للعراق والمنطقة وتوالت السرقات عن طريق تجار الاثار والامر لا يحتاج الى دليل ولندن وبرلين وباريس تشهد على ذلك . تحياتي واحترامي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*