علم الآشوريات وتزييف الحقائق التاريخية (11)


بقلم الدكتور جميل حنا
علم الآشوريات وتزييف الحقائق التاريخية (11)

20 تموز يوليو 2018 م
www.nala4u.com

(آشورالوطن حقيقة تاريخية وأزلية في الكون,كما الشعب الآشوري حقيقة تاريخية وأزلية.بلاد آشور والشعب الآشوري عنوان ورمز أرقى حضارة وثقافة عرفها تاريخ الإنسانية.التي بنت أعظم حضارة مزدهرة على أرض بلاد ما بين النهرين.والحقائق التاريخية تنطق بها الحجارة والآثار وفن العمران والكتابات المكتشفة على أرضه.والمكتشفات العلمية والأدبية والفلكية والفلسفية وكافة العلوم الأخرى,التي منحت للبشرية جمعاء أعظم الخدمات الجبارة في سلم الرقي الثقافي والحضاري للإنسانية.والعلوم المزدهرة بكافة مجالاتها الأجتماعية والعسكرية وبناء الدولة والسلطة والقوانين والتعليم والفلسفة والآداب والفنون والعمران والعادات والتقاليد والأعياد والعائلة وعلوم البيئة والزراعة وأمورأخرى كثيرة كل هذه الأسس الحضارية فخر للإنسانية.وهذا الموروث الحضاري والثقافي لبلاد آشور فخروكنز وزينة مملوء به أشهر المتاحف ومعاهد الأبحاث التاريخية والجامعات العالمية العريقة)

الزراعة

الأمن الغذائي كان وما زال أحدى أهم التحديات التي تواجه البشرية منذ القدم,وخاصة بعد مرحلة التحضر و قيام التجمعات السكنية الكبيرة ونشأت الدول والأمبرطوريات الكبرى في أنحاء مختلفة من العالم. تأمين السلة الغذائية للسكان لم تكن من القضايا السهلة لأن التحكم بها تواجه تحديات طبيعية خارقة تتجاوز المقدرات البشرية من السيطرة عليها.ولكن بالرغم من كل الصعوبات الطبيعية المتنوعة أهتم ملوك الأمبراطورية الآشورية للسيطرة او الحد من تأثير العوامل الطبيعية لتأمين السلة الغذائية لسكان الأمبراطورية.وكان الأهتمام بالنشاط الزراعي وتربية المواشي من القضايا الأساسية لدى الكثير من الملوك لأنها تشكل أحدى المصادر الهامة للأستقرار والتقدم وتحقيق متطلبات الحياة اليومية وتأمين االغذاء اللازم للناس وتجنيب السكان من المجاعة والأمراض والحفاظ على الوضع الصحي .حيث نجد في عالمنا الحاضر موت ملايين الناس بالأمراض في أنحاء مختلفة من العالم بسبب نقص التغذية وتوفير المياه الصالحة للشرب بالرغم من التقدم العلمي التكنولوجي الهائل التي توصلت إليه البشرية في عصرنا الحالي.هذا البحث يتناول الوضع الزراعي في الأمبراطورية الآشورية وأهم المشاريع والنشاطات التي أنجزها الملوك والعاملين في هذا القطاع.

الأحوال الطبيعية والمناخ الجوي حدد نمط حياة البشر,وتركت العناصر الأرضية والسماوية تأثيراً كبيراً على فكر وسلوكية إنسان العصور القديمة وما زال هذا النمط من التفكير قائم في العالم.ومن أهم العوامل الطبيعية التي تأثر في الأنتاج الزراعي هي العوامل البيئية التضاريس (طبيعة الأرض – أرض خصبة – صحراء – هضاب جبال وديان..الخ)، والمناخ الجوي (الشمس – الحرارة – الأمطار والرياح – دورة الفلك ,فصول السنة… الخ) هذه العوامل مجتمعتاً حفرت بصماتها عميقاً في حياة البشر وكانت مصدر الخير والشر – المنافع والمضار.

الإنسان القديم منذ البدء عمل لتسخير عناصر الطبيعة، وتوظيفها في خدمته، لتفي بحاجاته الغذائية والكساء والمسكن. ويختار أرضاً صالحة للعيش وتلبي متطلباته الحياتية. نجد أن إحدى أولى الحضارات السومرية ازدهرت في الجزء الأسفل من حوض دجلة والفرات وحول الشواطئ العليا للخليج منذ مطلع الألف 4ق.م.

فمنذ الازل كان الماء العنصر الأساسي للحياة ومنها أنبثقت الحياة نحو اليابسة حسب نظريات التطور العلمي للكائنات الحية. ومازال دور الماء حاسم في الوجود لتأمين استمرارية الحياة والتقدم والازدهارفي العالم.

المناطق الزراعية الأولى أنشأت في شرق بلاد ما بين النهرين حيث كانت كمية الأمطار الهاطلة مساعدة لزراعة الحبوب وأنواع الأعلاف إذ بلغت نسبتها بين 500 – 700مم سنوياً. وهذه النسبة كانت كافية لازدهار الزراعة. وفي العصور اللاحقة تدرج السكان نحو وديان الأنهر والذي برر هذا الانتقال هي التغيرات الطارئة على الأحوال الجوية وبسبب هذه التحولات وخاصة أثناء فصل الشتاء والصيف أدى إلى هجرة السكان ولم تكن الهجرة بسبب زيادة السكان فحسب وإنما نقصان كمية الأمطار وارتفاع درجات الحرارة حيث كان الجو حار وجاف في الجنوب وتصل درجات الحرارة صيفاً إلى 50% وكمية هطول الأمطار يقل عن 25مم. كانت المستوطنات السكنية الأولى في بلاد ما بين النهرين أقيمت في البدء في المناطق الجنوبية ومن هنا انتشرت إلى جميع بلاد ما بين النهرين، على امتداد النهرين العظيمين دجلة والفرات حيث الأراضي الخصبة ابتداء من (كركيش) شمالاً حتى بلدة (كيش) في جوار بابل جنوباً على مسافة 1400كم لتوافر العناصر الأساسية للحياة فيه.الأرض الخصبة (الطمي)الذي تجرفه الأنهر أثناء الفيضانات, الماء حرارة الشمس.

فالعواصم والمدن العظيمة للإمبراطورية الآشورية شيدت على ضفاف نهر الفرات ودجلة، كما ازدهرت على ضفاف نهري البليخ والخابور حضارة (تل حلف)

من الجلي أن الأنهار لعبت دوراً بارزاً على ازدهار حضارات بلاد ما بين النهرين، ولكن هذا الازدهار ما كان تحقق لولا التخطيط والعمل والجهد المتواصل، لما وصلت المياه إلى الأراضي الزراعية، إلا بنسبة ضئيلة جداً فبناء نظام الري وحفر القنوات وفر الكميات اللازمة من المياه لنمو المحاصيل الزراعية,أضف إلى ذلك مشكلة تملح (قلوية) التربة كما سنرى فيما بعد.

لم يكن من الممكن الاعتماد على الأمطار فقط في بابل، حيث كانت كمية الأمطار الهاطلة قليلة، وفصل الأمطار يبدأ في نهاية ت1 أوائل ت2. وأثناء فصل الشتاء كانت كمية الأمطار الهاطلة أيضاً غير كافية. ودرجة الحرارة تنخفض ليلاً إلى صفر مئوية ودرجات الحرارة تبدأ بالأرتفاع في شهر شباط. لذلك احتاجت النباتات النامية إلى كميات ضرورية من المياه لنموها.ولكن نسبة هطول الأمطاركان غير كافياً

نهري الفرات ودجلة كانا يفيضان بفعل ذوبان الثلوج في فصل الربيع، وكان تخزين المياه ضرورة حياتية وخاصة في الجنوب للبابليين.وتؤكد إحدى الكتابات البابلية (المكان الذي لا يُسقى، لا يوجد بركة في الزرع)

نظام الري الأصطناعي

أدرك سكان بلاد ما بين النهرين منذ أقدم العصورالأهمية الكبرى للزراعة والتجارة.وكانت نشاطات الحياة الزراعية والمشاريع الحيوية المتنوعة تضمن مسيرة تقدم الحضارة. وللأهمية القصوى للإنتاج الزراعي نجد البلاط الملكي يوجه جهوداً كبيرة لإنماء الموارد الزراعية إحدى الدعائم الرئيسية المحافظة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

إن أول الشرائع التي ظهرت في تاريخ الإنسانية(حمورابي) تبحث في المسائل الزراعية بكل فروعها، وتضع القوانين الكفيلة بتنظيم الشؤون المتعلقة بهذا الخصوص بدءاً من ملكية الأرض والعمل والإنتاج وكافة الأمور المتعلقة بهذا الشأن.إن التمايز الواضح في الأحوال الجوية والتضاريس بين الشمال والجنوب حدد نوعية انتشار النباتات في بلاد ما بين النهرين وإن كانت زراعة النباتات سائدة في كافة المناطق. إلا أنها كانت خاضعة كلياً للعوامل الطبيعية. ومن هنا تكمن الأهمية الفائقة لبناء نظام ري شامل يغطي مساحات الأراضي في أجزاء الإمبراطورية.

أقدم نظام للري عرفه التاريخ على الإطلاق كان في بلاد ما بين النهرين حيث كانت شبكة القنوات والجداول التي تم حفرها تخزن كمية المياه الناتجة من الذوبان في فصل الربيع، لفترات الجفاف، وإيصال المياه إلى الأراضي الزراعية وربط التجمعات السكنية ببعضها بواسطة المواصلات المائية. لم تستطع الأنهر على استيعاب كمية المياه المتدفقة بفعل ذوبان الثلوج والفيضان الحاصل في الربيع. كثير من الملوك تباهوا من خلال كتابة الألواح الطينية المكتشفة بحفر الأقنية التي تمت في عهدهم، وغالباً ما تحدد أسماء السنوات بأسماء الفترة الزمنية التي تم فيها إنهاء حفر القناة مثال على ذلك سميت السنة التاسعة من حكم حمورابي بـ (قناة الثراء حمورابي). لذا نجد أن عمليات حفر القنوات وصيانتها وتأمين النظافة المنتظمة والعناية الدائمة من أهم المشاريع التي عني بها الملوك منذ القديم وهذا العمل لم يكن سهلاً وكما يؤكد على ذلك التقرير الذي أرسله كيبري – داغان إلى سيدة المالك ماري زيمريلم أوضح في تقريره بأن المشرفين على صيانة القنوات أكدوا في تقريرين منفصلين بأن الأمور تسير على حسن ما يرام، ولكنه عندما ذهب شخصياً إلى موقع العمل ليتأكد من صحة ما كتبوه ويراقب سير العمل على أرض الواقع تبين بأن (القناة انسدت، أصبح تنظيف القناة يحتاج إلى عمل كثير من الناس، لذلك لم استطع الذهاب إلى تيرقا والعمل الذي بدأته صعب جداً للغاية.توجد بعض الأماكن حيث رفعت مقدار ذراعين من الطين وغيره و منذ أن بدأت العمل ليس لدي الوقت لأريح ذراعي، أرسلت هذه اللوحة إلى

سيدي في الثاني عشر من شهر إجي-كور وفي اليوم الرابع سأوجه المياه من عند منطقة جا –إيل وبتغيير مسارها إلى منطقة دور– جحدونليم وحواضرها لسقيها.

مما ذكر كان من المحتم صيانة الأقنية والجداول،لأن الأراضي التي كانت تجري فيها رخوة في كثير من المواقع وجوانبها هشة وتتساقط كتل التراب في الساقية وتسدها لذلك تطلب الوضع بذل جهود متواصلة وكبيرة للمحافظة على جودة الأقنية، وقد نصت القوانين على مجازات كل من يهمل أعمال الصيانة ويسبب أضراراً لغيره.كما وجب الاعتناء بالسدود أيضاً ومقاطع المياه وبخصوص هذه المسألة توجد وثيقة مكتوبة من رئيس ديوان حمورابي موجه إلى سين – إدينام حاكم لارسا:

(إذا أصبحت كمية المياه كافية لسد حاجة مدينة لارسا- وأور لا تضع الحواجز المائية قيد العمل أما إذا لم تكن كمية الماء كافية لمدينة لارسا وأور أفتح أجهزة الحواجز المائية كما أشرت لتكون كمية الماء اللازمة متوفرة في لارسا و- أور)

كانت الأراضي بمحاذاة الأنهر والقنوات أغلى من غيرها من الأراضي وكان الملك يمنحها للأفراد الذين يقدمون خدمات مميزة للدولة تقديراً لأعمالهم. تأكد إحدى الوثائق المكتشفة وفيها يصدر حمورابي أوامره إلى حاكم مدينة لارسا يقول فيها (امنح ثلاثة بورومات” بوروم = 63510.5م²” من أراضي ملكية البلاط الواقعة أمام مدخل بوابة مدينة لارسا من تلك الأراضي الجيدة بجانب الماء للنحات سين – انجورانيم).

لم تكن الحاجة ماسة إلى هذا الحد لأجهزة السقي في آشور لان كمية الأمطار الهاطلة في نينوى كان يعادل أربعة أضعاف الكمية الهاطلة في بابل،هنا وجدت صعوبات من نوع آخر.أن هندسة قنوات الري حول عواصم ملوك الآشوريين من المشاريع التنموية الهامة مثل التي أقامها ناصر بال في “كالح” وسرغون الثاني في “دور شاروكين” وسنحاريب في نينوى وبفضل هذه المشاريع دشنت الحدائق والبساتين وزراعة النباتات الغريبة مثل القطن التي زرعها في حديقته حول نينوى ويسميه ” الأشجار المثمرة للصوف” ويبين الهدف من زراعتها”يقطفون الأشجار المثمرة للصوف ويحيكون منه ثياباً” .

عوضاً عن شق القنوات كان بناء السدود التخزينية وحفر النفق وبناء الأحواض لجر المياه وتوجيهها بالشكل الملائم من الأعمال والمشاريع المهمة وتطلب تنفيذ هذه المشاريع قدرة عالية من التقنية والخبرة اللازمة لنقل المياه ورفعها عبر الجبال والوديان.حيث نجد الكثير من حوليات الملوك الآشوريين يتباهون بإنجازاتهم في مجال تطوير الثروة الزراعية النباتية والحيوانية.لقد ذكر تغلات بلاصر الثالث (1115-1077) ” لقد أدخلتُ المحاريث إلى حيز العمل على الأرض في كل بلاد آشور,وبذلك جمعتُ بيادر من الحبوب أكثر من كل أسلافي.لقد أسستُ قطعاناً من الخيل والدواب والحمير بفضل الغنائم التي أخذتها, بمعونة سيدي الإله آشور,من البلاد التي كسبت السيطرة عليها”

وكما نشاهد أحدى الكتابات للملك سرغون الثاني (722-705) يطري على نفسه بضمير الغائب قائلاً:

” لقد حزم أمره…وأعدَ الأراضي المراحة وزرع البساتين. لقد صمم أن يجني محاصيلاً على المنحدرات الحجرية المائلة التي لم تكن في السابق قد أنتجت زرعاً.لقد قرر من كل قلبه أن يجعل الأخاديد في الأراضي البور التي لم تعرف المحراث قط, على زمن الملوك السابقين,وذلك لكي يغنَي الناس فرحين” ومن الكتابة التالية نستنتج الأهمية الإجتماعية والإقتصادية والسياسية القصوى للإنتاج الزراعي حيث يقول: “فلأجل انقاذ البشر من الجوع والعوز…يجب أن لا يكون الزيت –وهو راحة للإنسان يهدئ عضلاته – غالياً في بلادي, ويجب أن يكون من الممكن شراء بذور الكتان في السوق بسعر رخيص كسعر الشعير”.كان المحصول الأساسي هو الشعير ويتلوه القمح في المرتبة الثانية,والدخن, والرز,الشوفان والشيلم والكرسنة والحميضة ( والسمسم “شماشامو”سماسامو”) العدس والحمص والخيار العنب والتين الرمان والزيتون والتمروالبصل والثوم والكراث واللفت وبهار الكمون وغيرها من النباتات. وكان يتم حراثة وبذار الأرض بواسطة المحراث كانت تجره ثيران او حمير وأحياناً الخيول.

في عام 1933 اكتشف توركيلد جاكوبس الأمريكي المختص في علم الأشوريات بقايا سد تخزيني بالقرب من جير- وان وعلى صخرة منحوتة في الموقع ذاته يشير إلى المكان الذي تم جر المياه منه في عهد الملك سنحاريب. بناء قناة بطول 80 كم وجر المياه من الجبال إلى نينوى.وهذا المضخ المائي الوحيد المتبقي من عصور ما قبل الرومان. كان على ارتفاع ثلاثمائة متر متقوساً فوق الوديان، واستخدم لبنائه مليونا كتلة حجرية وبجدارة وفخر يستحقه كتب الملك سنحاريب يطري على نفسه (هذا الصرح العظيم الذي أنجزته لم يسبقني أحداً من قبل من بين أسلافي الملوك)

كما يشاهد على إحدى منحوتات آشور بانيبال في نينوى مضخ مائي آخر لقناة جر الماء يذكر أشور- أحدينا في إحدى كتاباته إلى الانتهاء من بناء النفق المائي الذي بدء بتشييده سلفه آشور – ناصر بال الثاني، وهذا النفق المائي اكتشفه لايارد بالقرب من نيحوب على بعد أربعين كم من نينوى والأماكن التي لم تكن مستقيمة نحتت الصخور وأنشأ هذا المشروع لربط الزاب الأعلى بمدينة كالحو.

صيانة شبكة الأقنية والاعتناء بها كان من مصلحة البلاط الملكي والشعب سوياً.وكان توفير كمية المياه اللازمة للزراعة والناس من المهام الأساسية. مجموعات العمل المشرفة على صيانة الأقنية كانت ملزمة بالقيام بواجباتها بشكل صادق، وكل من تقاعس بتنفيذ عمله هدد بمواجهة العقوبات الحازمة.

ما دام الاعتناء وصيانة قنوات الري كان جارياً بشكل جيد لم تتعرض الزراعة إلى مخاطر.كانت القنوات والجداول تتعرض للخراب بفعل العوامل الطبيعية ونوعية التربة والعامل المدمرالأخر هي الحروب التي كانت تدمر تلك القنوات لضرب الاقتصاد الوطني وإعاقة المواصلات بين أجزاء البلد.كانت أخر التدميرات القاضية النهائية أتى على يد التتر بقيادة جنكيز خان، حينما غزى المنطقة، حطمت أنظمة الري، وردمت الأقنية، ونتيجة ذلك تم القضاء على تقاليد بناء شبكة الري، وبدأت عملية التصحر في بلاد ما بين النهرين.إلا أن الإنتاج الزراعي كان يواجه مخاطر جمة ومنها كمية الأمطار التي تهطل في فصل الشتاء والربيع وكذلك الجراد الذي يغزو المحاصيل الحقلية. ولمواجهة هذه الصعوبات كان يلجأ إلى زراعة الشعير على مرحلتين زمنيتين مختلفتين مبكر ومتأخر لضمان الحصول على الإنتاج اللازم إذا تعرض أحدهما لأضرار الطبيعة.

تملح الأرض

الزراعة في كل العصوركانت وما زالت تتعرض للظروف المناخية الضارة بالإنتاج الزراعي ولمجابهة العوامل البيئية وعناصر الطبيعة يحتاج إلى بذل عناية فائقة وأستخدام أساليب وطرق ملائمة لمكافحة العوامل المؤذية قد يكون الكلام سهلاً ولكن التطبيق صعباً للغايةومثال على ذلك التغيير المناخي الحاصل في الكون ومخاطره الشديدة على مستقبل البشرية.

البحث عن إيجاد الحلول الناجعة لمعالجة المشاكل التي تعترض الفلاح يحتاج إلى معرفة وتجربة طويلة من الزمن، ولكنها تكون مدمرة لحياة الكثيرين من البشر إلى غاية اكتشاف الدواء الناجح. ولكن ليست كل العوامل الضارة يمكن كشفها في الوقت المناسب، ومن هذه العوامل غير الظاهرة للعيان تلك الظاهرة التي تعرضت إليها الأراضي في بلاد ما بين النهرين وخاصة في الجنوب.هذا الخطر المخفي لم يلاحظ بسهولة ولكنه كان أكثر تدميراً إلا وهي تسرب الأملاح القلوية التي كانت تتم ببطء وتدريجياً إلى المياه العذبة وأحواض الأنهار وإلى مجرى القنوات بدون ملاحظته.

كانت الأراضي الزراعية الخصبة تقسم بواسطة السدود إلى قطع ومساحات محددة من الأراضي التي لم يتمكنوا من تجفيفها بواسطة صرف المياه الزائدة عنها، أن جذور النباتات تمتص رطوبة التربة، ويتكون على سطح التربة طبقة ملحية تدعى التزهر تتحول في فصل الجفاف إلى قشرة أرضية قاسية، إذا احتوت التربة على نسبة لا تتجاوز0.5%ملح كانت الأرض صالحة لزراعة القمح، أما إذا كانت النسبة 1% تكون صالحة لزراعة الشعير و2% صالحة لأشجار النخيل وأكثر من ذلك لا تصلح للنخيل أيضاً.

الأراضي في بلاد ما بين النهرين بدأت بالتزهر بدءاً من الجنوب وعرف هذا المصطلح مبكراً في اللغة السومرية جانا- مون (الأراضي القلوية).)

عثر على إحدى الوثائق الصادرة بين بقايا مكتبة الآلهة بابا في عهد أورو- أنيم- جينا وفيها الكهنة يشكون بمرارة بأن الأرض الزراعية التابعة للمعبد قد تملح جزء منها، وتحولت إلى أرض غير قابلة للزراعة.

ويشاهد في التقويم الفلاحي، من أوائل الألف الثاني قبل الميلاد بعض الإرشادات لتجنب تزهر التربة، واستخدام أساليب ري خاصة للمحافظة على خصوبة التربة، وذلك بمنع تملح الأرض: (احصد مرة واحدة في السنة واترك الأرض لتستريح، استخدم طرق ري معينة).

نعلم من ملحمة اترحاسيس البابلية الشهيرة عندما أيقظ الناس الأوائل بتصرفاتهم المزعجة وضجيجهم العالي الإله انليل من نومه العميق غضب منهم وعاقبهم على فعلهم هذا ورش أراضيهم بالملح.

ونقرأ شيء مشابه على إحدى أحجار علامات الحدود (حداد السيد الأكبر للري في السماء وعلى الأرض، صب الماء المالح على أرض المجرم (العدو) لتتحول إلى ارض قاحلة لتهلك شعيرة ونباتات الأعلاف الخضراء لكي لا تنمو).

تملح التربة جلبت تحولات كبيرة في حياة الفلاحين ولذلك لجأوا إلى استخدام تقنيات زراعية مغايرة. في عام 2400ق.م بلغ نسبة غلة القمح 16% بالنسبة إلى إجمالي محصول الحبوب، بينما تناقصت هذه النسبة بعد 300عام إلى 2%، ومن بعض تقارير الكتابة المسمارية من عام 1700ق.م ومن نفس المصادر يمكننا تتبع إنتاج محصول الشعير، في عام 2400ق.م بلغ إنتاج الشعير في الهكتار الواحد 25هـ.ل وفي عام 100ق.م تناقص الإنتاج إلى 14.5 هـ.ل وفي عام 1700ق.م 9هـ.ل/هكتار فقط على أساس تناقص كمية المحاصيل المذكورة نستنتج بأن الأراضي بدأت بالتملح. وكان هذا سبب ضعف المحاصيل الزراعية ومن ثم بدأت هجرة السكان من الجنوب إلى حواضر المراكز الرئيسية ونحو الشمال وهذا يدل على حدوث نشاط الحياة الاجتماعية للسكان في الشمال حيث نوعية التربة جيدة وخلوها من الأملاح أو احتوائها على نسبة ضئيلة. في هذه المنطقة بلغ نسبة محصول القمح 25% من إجمالي إنتاج الحبوب في حوالي عام 1300ق.م وبعد ثمانية قرون حافظت هذه النسبة على كمية ما مقداره 18% من إنتاج الحبوب وإنتاج الشعير 20هـ.ل في /هـ. وأن دل هذا على شيء إنما يدل على استخدام أساليب زراعية متطورة وأسفرت طرق المكافحة الناجحة بمواجهة مشكلة التملح ولذلك كانت الزراعة مزدهرة. وليس غريباً كما ذكر في الكتاب المقدس بأن يصف تلك المنطقة باللجنة أو ما يسمى (جنة عدن))

الرياح

الرياح والرمال عوامل ضارة إضافية مدمرة للحياة الزراعية وسبب الكثيرمن الكوارث الإنسانية في تاريخ البشرية وما زال كثير من دول العالم تعاني من هذه المشكلة الكارثة الضخمة حيث بدأ التصحر يغطي مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت بالأمس أراض زراعية خصبة حقولها خضراء تعطي إنتاجاً غزيراً.

إن الرياح والرمال تركت تأثيراً قوياً على مجمل الأحوال الجوية في بلاد ما بين النهرين، وكانت سبباً رئيسياً في تدمير البنية الزراعية في أجزاء واسعة من الإمبراطورية الآشورية في بلاد ما بين النهرين. حيث كانت الرياح القوية القادمة من اتجاه الصحراء محملة بالرمال تقذف بها على الأراضي الزراعية الخصبة وتغطي مساحات شاسعة منها، وتملئ قنوات وجداول الري بالرمال وتشكل كثبان رملية مرتفعة متناثرة في كل مكان.العوامل الطبيعية القاسية أثرت سلباً بدرجة كبيرة في الوضع الزراعي في بلاد ما بين النهرين، وألحقت به أضراراً بالغة.

والملحمة السومرية تخبرنا عن قصة الآلهة انانا والبستاني شوكالي- تودا. وغضب الآلهة وانتقامها من البستاني ويتبين الجهود المبذولة الذي يقوم بها شوكالي- تودا للوقوف في وجه قوى الطبيعة شوكالي- تودا الذي أضناه تعب السقي تحت حرارة الشمس في البستان:

تعصف رياح قوية

العاصفة تقذف غبار الجبل بوجهه..

ألقت الرياح الغبار بوجهه ويده…

في هذه الأثناء خطر على باله فكرة زراعة نوع مميز من الشجر ذات الأوراق العريضة تحميه من الرياح القوية وتمنحه الظل الوافر:

في بستانه خمسة عشرة موضع يصعب الوصول إليه،

في كل مكان زرع شجر ذو ظل وافر,

خضار الشجرة كثيف، ظلها في الصباح

وفي قيظ الظهيرة

وعند المغيب

لا يزول أبداً

إن الصراع الدائم بين الطبيعة والإنسان، يدفع بالإنسان إلى التفكير بإيجاد السبل الصحيحة بإيقاف عوامل الطبيعة المدمرة. مما ذكر أعلاه يؤكد بأن الفلاح المجتهد قد اكتشف طريقة إيقاف عملية التصحر بزرع الموانع الشجرية التي تعيق تقدم الرمال نحو الأراضي الزراعية, وهذه العملية ما زالت تستخدم في كثير من بلدان العالم لإيقاف تنقل الرمال ووضع حد لعملية التصحر.

هذا من ناحية ومن الناحية الأخرى أن ظلال الأشجار الوافرة تخلق مناخاً ملائماً لزراعة أنواع مختلفة من النباتات والاستفادة بأكبر قدر ممكن من الأرض الزراعية.

الفلاح

كان الدخل الوطني يتكون من فرعين أساسيين هما الزراعة والتجارة نجد حتى أيامنا هذه أن غالبية دول العالم ما يزالون يعتمدون على هذين المصدرين وهما العماد الأساسي للاقتصاد الوطني.

توفير المواد الغذائية،أعد من المهام الرئيسية في سياسة البلاط لأنه إحدى أهم القضايا الحساسة التي حافظت على استقرار الأوضاع الداخلية, ومنع قيام التمرد ضد السلطة القائمة، وتوفير المواد الغذائية اللازمة. وسد حاجات الناس كان من المهام الاجتماعية والسياسية التي تأثر بدرجة كبيرة في شعور الناس وتحدد مواقفهم من الوضع السائد سلباً وإيجاباً. أدرك أبناء حضارة بلاد ما بين النهرين وفي المقدمة منهم الملوك الأهمية القصوى للإنتاج الزراعي وكان مزاولة العمل الزراعي مبعث فخر، ودعم القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني وزيادة الثروة إجمالاً كان موضع تباهي به كثير من الملوك من الكتابات المكتشفة على الألواح الطينية هناك كتابه لـ تغلات بلاصر الثالث (1115- 1077

يذكر فيه:

(لقد أدخلت المحاريث إلى حيز العمل على امتداد الأرض في كل بلاد آشور، وبذلك جمعت بيادر من الحبوب أكثر من كل أسلافي. لقد أسست قطعاناً من الخيل والدواب والحمير بفضل الغنائم التي أخذتها، بمعونة سيدي الإله آشور، من البلاد التي كسبت السيطرة عليها )

كان الفلاح والعاملون في القطاع الزراعي في بلاد ما بين النهرين لهم دورهام في المجتمع. منذ العهد السومري حيث سمي إنجار (الفلاح) والأكاديون سموه إيكارو ورمز إليه بعلامة المحراث ويقرأ باللغة السومرية أبين والأكادية إبينو. وكلمة الفلاح من أقدم الكلمات التي أخذها السومريون عن الناس الذين سبقوهم بالعيش في بلاد ما بين النهرين.

إذاً كلمة إنجار (الفلاح) دل على الشخص الذي يعمل بالمحراث، أي الفلاح الحارث. بما أن هذا الرمز عرف منذ نهاية الألف الرابع ق.م بدأ من ذلك التاريخ يمكن التحدث عن نشاط الفلاح الحارث. إضافة لذلك كان نفس الرمز يشير للمحراث ومن خلال علاقة الربط بين الفلاح والمحراث وبهذا المفهوم استخدم السومريون الكلمة المشتركة المقرؤة بـ أورو والأكاديون إيشو وهذا المفهوم لم يدل على الحراثة فقط بل شمل على مفهوم أوسع لأن المحاريث المستخدمة تجرها الثيران وهي شبيهة بالمحاريث الحالية وبعضها كان يزود بقمع مثبت فوق المحراث وتوضع فيه البذار وبهذه الطريقة تتم عملية البزارأي يمكننا الحديث عن اختراع البذارة الآلية وتعد بداية الثورة الزراعية في مجرى التطور الحضاري.

لقد استخدمت أنواع عديدة من المحاريث، وفي الشمال استخدمت المغزقة بدل المحراث لفلاحة الأرض. كان الفلاح يقوم بكافة الأعمال الزراعية بدءاً من الحراثة، البذار حتى الحصاد، والأرض كانت ملكة أو مستأجراو أنه كان يعمل في خدمة البلاط الملكي. وقد نظمت القوانين العلاقة بين أصحاب الأرض والمستأجرين لها، وكانت القوانين في أغلب الأحيان تحمي صغار المزارعين إذا تعرضوا لمظالم المالك. لأن السلطات كانت تراقب كمية البذار المزروع بواسطة المحراث القمعي. أثناء بدء فصل البذار كان قسماً من الفلاحين يعاني من نقص كمية البذار، لذلك يلجأ لقرض الكمية اللازمة من البذار وكان يسدها بعد موسم الحصاد مضافاً إليها نسبة الفائدة,لان قيمة المحاصيل كانت تنخفض في ذلك الوقت.

كما ذكر أن الزراعة كانت من الأنشطة الاقتصادية للبلاط الملكي وكان الفلاح- وفي هذه الحالة الخبير الزراعي- أو المزارع له دور بارز في العملية الإنتاجية، وكان يساعده في تنفيذ هذه الأعمال الشاقة مساعدين له في العمل الزراعي. وكانت قائمة العمال الزراعيون والخدم تضم أسماء أشغال مهن مختلفة مثل- الحارث- البذار- الحصاد- البيدري- منظف الحبوب- الحمال- المستودعي- مربي الماشية- الراعي- مساعد الراعي- نقال الماء- الغراف…الخ

الفنلندي أرماس صالونين الأخصائي في علم الأشوريات يذكر في كتابه الزراعة المزوبوتامية يذكر ثمانين نوعاً مختلفاة من الأعمال الزراعية التي كانوا ينجزونها.

كان البلاط الملكي يقدم الدعم اللازم للفلاحين ويشرف على مراحل الإنتاج الزراعي ليضمن حسن سير العملية الإنتاجية وتأمين الكميات اللازمة من المحاصيل, بل إنتاج كميات أكثر للتصدير وجلب مواد أخرى من الخارج غير متوفرة.وكانت توزع الأراضي على المزارعين الجدد حيث تمنح الأراضي البور لتحويلها إلى أرضاً زراعية تنتج محاصيل إضافية تقوي الوضع الاقتصادي.

وبهذا الصدد نجد نصاً من سرغون الثاني (722-705) يطري فيه على نفسه بضمير الغائب، قائلاً:

(لقد حزم أمره…واعد الأراضي المراحة وزرع البساتين. لقد صمم أن يجني محاصيلاً على المنحدرات الحجرية المائلة التي لم تكن في السابق قد أنتجت زرعا. لقد قرر من كل قلبه أن يجعل الأخاديد في الأراضي البور التي لم تعرف المحراث قط، على زمن الملوك السابقين، وذلك لكي يغني الناس من الفرح).

التقويم الزراعي

الإرشادات الزراعية كانت في غاية الأهمية بالنسبة للفلاح حيث تقدم النصائح المفيدة لإنجاز أعماله في المواعيد المحددة وبالشكل المناسب وطرق مكافحة العوامل الضارة، وإعطاء كافة المعلومات المتعلقة بالعملية الإنتاجية لاختيار أفضل السبل.لأن الأعمال الزراعية ذو علاقة وثيقة بخصوبة التربة وقدرتها الإنتاجية وبظروف الأحوال الطبيعية، في الجنوب حيث المستنقعات لم يكن من الممكن القيام بالأعمال الزراعية التقليدية السائدة في بقية المناطق. لذلك وجهة العناية للاستفادة من الواقع القائم، نتيجة التغير الحاصل لمجرى الأنهار الكبيرة خلال آلاف السنين بلغت مساحة الأراضي الزراعية بين أريدو وسيبار 30.000كم² في آشور كانت مساحة الأراضي الزراعية أقل من ذلك، وتقدر مجموع الأراضي الزراعية في بلاد ما بين النهرين بحوالي 50.000كم2 .بسبب اختلاف أنواع التربة والأحوال الطبيعية لم تكن كميات البذار ونوعيتها دائما متشابها في كل المناطق.

والمختصين في علم الأشوريات بناءً على أساس دراسة مئات المعطيات المتوفرة من خلال الكتابات المسمارية على الألواح الطينية، أجروا حسابات كثيرة وتوصلوا إلى التقديرات التالية بأنه في بوروم واحد=63510.5م²، كانت كمية البذار التي تبذر في الأرض بمعدل 180ل. وفي أيكوم الواحد (18=1بوروم) قدره كمية البذار اللازم بـ10ل. وفي عهد الكاشيين لكل 1.8 ايكوم استخدم 30ل. بذار. وفي العهد البابلي الجديد كثفت البذار أكثر إذا بلغت الكمية المزروعة في بلاد ما بين النهرين، ولذلك الأرقام المقدمة تقريبية.

بدء الأعمال الحقلية توقف على ذوبان الثلوج في فصل الربيع كانت الثلوج تتساقط أثناء فصل الشتاء وخاصة في شهر ك² البارد، والصقيع يعم مناطق الشمال، ونادراً ما كان الثلج يسقط في المناطق الجنوبية في قمم جبال أرمينيا ولذلك كان منسوب مياه نهر دجلة يرتفع، ومنسوب مياه الفرات يبدأ بالارتفاع في شهر آذار نيسان بسبب بطيء جريان الماء فيه وطوله كان موسم الحصاد يبدأ في نهاية نيسان في الجنوب بينما في الشمال يبدأ الحصاد في حزيران.

في بابل كان الحصاد ينتهي في حزيران ويجمع الحبوب ويتم درسها وتخزينها، ومن ثم يبدأ الصيف الحار والجاف جداً ينعدم سقوط المطر وفي الخريف في شهر أيلول تبدأ حراثة الأرض وتجهيزها للزراع,وفي هذا الفصل تهب رياح ساخنة تساعد على نضج البلح.

البذار الخريفي كان ينجز في شهر ت¹، والبذار الشتوي في ك¹، الأرض كانت في طور الراحة في شهر ك². ومن ثم تبدأ المحاصيل المزروعة في الخريف تنمو.المحاصيل الصيفية كانت تبذر في شهر آذار.

الملحمة السومرية تتحدث حول الجدال أو المحاكاة الدائرة بين (الصيف والشتاء) (إميس- إنتن) وفي نهاية المسابقة يعلن الإله عن النتيجة لصالح الشتاء، لأنه كان بالنسبة للسومريين مرغوب أكثر لأنه أهداهم الماء اللازم وبذلك أمن لهم وفرة الغلال.

(الشتاء محقق الحياة…هو فلاح الآلهة…إنتن (الشتاء)يجلب الماء…ينتج كل شيء

ابني إميس (الصيف)، كيف تقارن نفسك بأخيك إنتن الشتاء؟… كلمة إنليل الساطعة لا تطعن.

قراراته لا تتبدل،… من يتجرأ برفع يده عليه ؟.

التقويم الفلاحي

أثناء الحفريات التي كانت تجريها البعثة الأمريكية في نيبورعام 1949- 1950 عثر على ألواح سومرية وكسرأخرى كانت إحدى الألواح بمقياس 7.5*11.5سم. يعود تاريخه إلى نحو 1700ق.م، احتوى هذا الكتاب الإرشادات الخاصة بمبادئ الزراعة، يقدم التعليمات الضرورية على مدار السنة بخصوص الأعمال الزراعية، والمختصون بعلم الأشوريات أطلقوا عليه مجازاً التقويم الفلاحي يتضمن الكتاب مجموعة نصائح يوجهها فلاح إلى ابنه بهدف إرشاده في الأعمال الزراعية في كافة فصول السنة.ولكن تبين في نهاية الكتاب أن هذه النصائح ليست من أقوال الفلاح نفسه بل هي إرشادات نينورتا الابن (والفلاح الحقيقي) للاله انليل. تبدأ إرشادات التقويم الفلاحي بالري وكيفية الاستخدام الأمثل لمياه فيضان الربيع، كما يتضح بمراقبة الحواجز المائية لكي لا ترتفع نسبة الماء في الحقول أكثر من اللازم.

أما إذا أشبعت الأرض بالماء الكافي عليه أن يمنع البقر والحيوانات الأخرى أن تدخل الأراضي المروية، لكي لا تدوس الزرع .وينبغي إحاطة الحقل بالسياج وأن تعجف وتزيل الأعشاب الضارة وجذور النباتات من موسم الحصاد السابق. بعد ذلك يجب عليه أن يعزق الأرض مرتين ويكسرها بالمعزقة (الفأس) ومرة ترفش بالرفش. وعلى نوعية هذه الأعمال التحضيرية الهامة يتوقف كمية الإنتاج إذا سارت الأمور بشكلها الصحيح.ولذلك كان ينصح الفلاحين أن ينجزوا هذه الأعمال التحضيرية الهامة وعليها يتوقف كمية الإنتاج إذا سارت الأمور بشكلها الصحيح، ولذلك كان ينصح الفلاحين أن ينجزوا هذه الأعمال بعناية فائقة.وبعد ذلك يشارك جميع أفراد العائلة والمساعدين بأعمال البذار، وكانوا يبذرون بواسطة المحراث القمعي (المحراث المزود بالقمع الموضوع فوق المحراث) المذكور سابقا.ً

التقويم يقدم إرشادات بأن تغرس البذارعلى أعماق متساوية في الأثلام. وكان يتم مراقبة البذار لئلا تسقط البذور إلى أعماق غير متساوية وأكثر من اللازم وكانت هذه بالنسبة للشعير بعمق أصبعين. القطعة الأرضية كانت تحرث طولا وعرضاً (في البدء أحرث الخطوط المستقيمة فاحرث بعدئذ خطوطا مائلة، وإذا أتممت حرث هذه الخطوط المائلة فاحرث خطوطا مستقيمة).

أزالوا الكتل الطينية، لكي لا تعيق نمو براعم الحبوب التي تشق الأرض.اعتبرت لحظات نمو براعم الحبوب، وظهورها على سطح التراب لحظات مقدسة بالنسبة للفلاح.عندها كان ينصح الأب ابنه بان يقدم الصلاة إلى الآلهة نين كيليما آلهة فئران وديدان الحقل كي لا يضروا الزرع النامي، وأن يطرد الطيور عن الحقول.

الخطوة التالية في العمل الزراعي كان الري إذ بلغ ثلاث مرات:

المرة الأولى عندما تملئ النباتات الثلم. وإذا غطت مساحة الأرض بشكل كثيف يرويه ثانية والمرة الثالثة عندما تنمو السنابل، وإذ لاحظ احمرار في الزرع المروي فأنها آفة (السمانا) (الخميرة الفطرية) الخطرة على الموسم. وإذا تحسن حال الزرع فعليه أن يرويه مرة رابعة وبذلك يضمن زيادة المحصول بمقدار العشر. وجب البدء بحصاد المحصول في الموعد الملائم وألا ينتظر الفلاح بل عندما ما تزال النباتات قوية القوام قبل أن تبدأ بالإغناء والسقوط تحت ثقل السنابل.

يحضر الحصادون إلى الحقول وتبدأ عملية الحصاد ومن ورائهم الحزامون والمساعدون، بعد حصد المحصول كان يتم تجميعه في حزم لتسهيل رفعه بالمذراة ونقله إلى أرض البيدر.ومن ثم يأتي الدراسون لدرسها بعد جمعها في البيادر بواسطة النورج التي كانت تجره الثيران وكان عبارة عن لوحة خشبية ثبتت فيه أسنان من حجر الصوان، ويدور فوق المحصول، حتى يتم فصل الحبوب عن السنابل.بعد ذلك كانت تأتي عملية التذرية وكان يتم بواسطة جاروفات خشبية يقذف بالمحصول مع الريح فيحمل الريح معه التبن الخفيف بينما تسقط الحبوب في أرضها.ولكن إنجاز هذه العملية لم يكن وارداً في كل الأوقات لان تنقية الحبوب عن التبن احتاج الأمر إلى رياح مناسبة، وأحد الوثائق المكتشفة تخبرنا بهذا الأمر

(تم تنقية أربعة كوروم في أرض مونها، وفي الأراضي الباقية نظفت 2 كوروم فقط، لم تكن الأحوال ملائمة وأعاقتني بذلك، لو كانت الريح مناسبة لقمت بتذرية جميعها، ولكن خلال أربعة أيام سأنهي كل العمل ,من تقرير مدير الأملاك الملكية)

الحبوب والمحاصيل الحقلية

لقد ذكر سابقاً بان الزراعة والتجارة كانا المصدرين الرئيسيين المكونين للاقتصاد الوطني، وفي القطاع الزراعي كانت محاصيل الحبوب تشكل الجزء الأساسي من الإنتاج الزراعي، واحتل مكانه متقدمة من بين المواد الغذائية.

وكان الشعير من أهم أنواع الحبوب الرئيسية في بلاد ما بين النهرين وكان الأكاديون يسمون الشعير بـ إسنان، في الشمال كانوا ينتجون الشعير (ثنائي البذرة)، وفي الجنوب كانت السنبلة (سداسية البذرة) إضافة للشعير كان القمح البري (العلس) (ثنائي البذرة) وسمي باللغة الأكادية (بوتوتو) ومن أصل هذه الكلمة جاءت الكلمة المصرية القديمة (بوتى) إضافة للقمح البري كان إنتاج القمح العادي (قبتو) أيضاً يتم في كثير من المناطق.

وكان إنتاج الدخن “دحنو ” معروفاً. وما زال ينتج في المنطقة هناك مجموعة من الحبوب التي عثر على بقايا لها، ولكنها لم تكن تنتج كمحصول زراعي هام وإنما تنمو في البراري أو بين أنواع المحاصيل الحبوب الأخرى مثل الشوفان الجودار والشيلم والكرسنة والحميضة وغيرهما من النباتات.

الرز يعتقد أنه دخل بابل من بلاد فارس قادماً من الهند نبات السمسم يعطي الزيت اللازم للغذاء والإضاءة وتحضير المراهم الطبية واستخدم في الطقوس الدينية. كان السمسم ينمو بارتفاع الذرة وكمية الزيت المستخلص من النبات يعادل ربع- ثلث وزن النبات في عصور ما قبل التاريخ نمى الكتان في البراري.

أما في المناطق الشمالية كانت نسبة هطول الأمطار كافية لإنتاج الكتان كمحصول زراعي هام وكانوا ينسجون من أليافه الأقمشة واستعملوا بذوره كدواء. أنتجوا في الأراضي المحروثة كميات كبيرة من البازلاء، الفول، بذورالخردل.وكان انتشار زراعة الزعتر في الأراضي المحروثة منذ عهد سلالة أور الثالثة وكان يطلق عليه باللغة السومرية (زعميلي) وبالأكادية (صاحلو) كانوا يتبلون الخبزبه(مناقيش الزعتر). واستخدم الزعتر كدواء أيضاً بعد تحضيره بالشكل المناسب.

كما يذكر أب التاريخ في كتابه (الحرب الإغريقية- الفارسية) عن إعجابه ووقوعه في سحر ما وجده وربما بالغ في وصف ما شاهده من شدة تأثره في القرن 4 .
وعلى اغلب الظن كانت كمية الغلة المنتوجة تعادل 1 إلى 6- . ق.م، وأنه شاهد كتابات لآشور بانيبال يذكر محاصيل حبوب بطول مترين وسنابل بطول 30سم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*