الوجود الآشوري وتحديات المرحلة -2 –


سامي هاويل
سدني / أستراليا
الوجود الآشوري وتحديات المرحلة – 2-

18 / 02 / 2012
www.nala4u.com

عنـدما نتحـدث عـن مصيـر أمـة والتحديـات التـي تواجههـا فلابـد أن تكـون هنـاك عوامـل موضـوعية وأخـرى ذاتـية أثـرت ولازالـت تلعـب دورهـا فـي هـذا الشـأن. ففـي الجزء الأول حـاولت الوقوف عــلى دور الظـروف الموضوعـية وان لـم تكـن كلـها ولكـن علـى الأقـل تلـك المحيطـة بوجـودنـا علـى أرضـنا التأريخيـة. واليــوم سأحـاول القـاء نظـرة علــى جـزء مهـم مـن العوامـل الذاتيـة التـي لعبـت دورا سلبـيا هـي الأخـرى. لـن أخـوض فـي تفاصيـل التاريـخ المعاصـر للآشورييـن والملـيء بالمآسـي لكـي لا أطيـل المقـال , فبعـد مذابـح سميـل تحديـدا دخلـت المسالـة الآشوريـة مرحلـة الركـود بسبب حجـم المآسي التـي لحقـت بهـا  والأسبـاب عديـدة لعـل أهمهـا التشتـت مـن جـراء الممـارسات العنصريـة لحكـام العـراق وتشويـه صـورة الآشورييـن فـي نظـر أطيـاف الشعـب العراقـي من خلال تحريف الحقائـق والصاق التهـم, بالأضافـة الـى الضغوطـات المفروضـة علـى أبنـاء الأمـة الآشوريـة مـن خـلال تأجيـج الصـراع الطائفـي المحتقـن ومحاولـة صهرهـم فـي بوتقـة الأمـم المجـاورة كمـا كـان عليـه الحـال فـي عمليـات الأحصـاء وفـرض التعـريب والتكريـد علـى أبنائـها. ومـع كـل ذلـك ولكونـنا أمـة حيـة فكـان مـن الطبيعي جـدا ان تتحرك النخـب الشبابية لتفعيـل القضيـة الآشوريـة وكسـر حاجـز الصمـت الـذي راودهـا بالـرغم مـن كـل الظـروف الصعبـة والغـير مؤهلـة لبـدء العمـل القومـي الآشـوري فـي الوطـن . وقـد أستطاعـت نخـبة مـن الشـباب الآشـوري المؤمـن فـي العراق أن يتحرك فـي هذا المسار لتكون الأنطـلاقة الأولـى فـي الأتجـاه الصحيـح, ومـا الرعـيل الأول مـن شهـداء الأمـة الآشوريـة  أعضـاء الحركة الديمقراطية الآشورية الا دليـل علـى الأيمـان المطلـق بسمـو القضيـة الآشوريـة وشرعيتها, فسقـط جميـل وشيبـا شهـداء فـي نهايـة عـام 1984 فـي قريـة هجيركـي فـي محـاولة لأنقـاذ مجموعـة مـن الشباب الهـارب مـن قمع النظـام البعثي البائـد, يليهم كوكبة الشهداء يـوسب و يـوبرت ويـوخنا رمـوز الأيمـان القومـي الآشوري والنضـال الحقيقي فـي بدايـة شهـر شباط مـن عـام 1985 معمـديـن بدمائهـم الزكيـة المسيـرة القومية فـي الوطـن فـي تلـك المرحلـة التـي كانـت تفتقـر الـى الشجاعـة والـروح النضاليـة والأيمـان المطلـق بالآشوريـة كهويـة وقضيـة وأستحقـاق تاريخي. فـي ربيع عام 1991 ولأول مـرة فـي التاريـخ الحديـث أختلقـت الفرصـة للعمـل القومـي السياسـي علـى أرض الوطـن وعلـى العلـن بعـد فـرض الحضـر علـى المنطقـة الشماليـة مـن العـراق مـن قبـل قـوات التحالـف الدولــية, فأحتضنت الجماهـير الآشورية العمل القومـي المتمثـل حينها بالحركة الديمقراطية الآشورية التي تلقـت الـدعـم والمسانـدة مـن لـدن أبنـاء الأمـة الآشوريـة بكـل تلاوينها الطائفيـة فـي الوطـن والمهجـر وسرعـان مـا أتسعـت قاعـدتها خـلال فتـرة قصيـرة بشكل ملـحوض , فـلم تخلـو قصبـة أو قريـة أشوريـة مـن المكـاتـب والمقـرات التابعـة لهـا. وتلتها فعـاليـات سيــاسيـة آشوريـة أخـرى فـي محاولـة لأرسـاء تعـددية الفـكر والأداء السياسي, ولكـن قلــة عامـل الخبـرة ونضـوج الفكـر القـومي والأفتقار الـى الأدراك المتكـامـل للعمـل الجبهـوي فـي سبيـل بلـوغ الهـدف المشترك حـال دون أن يتحـقق ذلـك. هـذه التعـدديـة خلقـت حالـة مـن الصـراع الغيـر نزيـه ومضيـعة للوقت فـي مرحلـة كـنا الأحـوج فيهـا لتأجيـل الخلافـات الشخصيـة والمصـالـح الحزبيـة أمـلا فـي تحقيـق الممكـن وأستغـلال هـذه  الفرصـة الثمينـة التـي خلقتها الظروف لنا. بالـرغـم مـن كـل ذلـك وكمـا ذكـرنا أعـلاه ولكوننـا ولأول مـرة نمـارس العمـل السياسـي العلنـي علـى الأرض وفـي الوطـن فمـن المتوقـع أن تحـدث هـذه الأمور, ولكـن خـلال السنوات القليلـة الماضيـة وتحديـدا بعـد سقـوط النظـام البعـثي  فـي نيسان مـن عـام 2003 دخلـت  ( أو بالأحـرى اّدخلـت ) القضيـة الآشـوريـة فـي منعطـف أعتبـره الأخطـر فـي تاريخـنا الحـديـث. ففـي الوقـت الـذي عانـت وتعـانـي منـه الأمـة الآشوريـة مـن جـراء الصـراعـات الطائفيـة, تلـك الحالـة المزمنـة التـي لـم يستطـع الأكلـيروس فـي مختلـف طـوائفـنا معالجتـها لتعـود كنيسـة المشرق الـى مركـزها المـرمـوق وتـؤدي رسـالتها الـروحـية فـي نشـر تعالـيم المسيـح ورسالتـه الخالـدة. أصطـدم العمـل القومـي السياسي بهـذه العقبـة وكلـنا علـى درايـة بـأن التعامـل معـها  سيكـون صعـب للغـايـة كمـا هـو معـروف نتيجـة شحـة الـوعـي القـومـي فـي أوسـاط الأمـة الآشـوريـة وقلـة الأدراك فـي تحمــل المسؤولـية التـاريخيـة فـي هـذه المـرحلـة, وكـان مـن الطبيعـي ان يلـعب بعـض المتـربصيـن دورهـم فـي تصعيـد المـوقـف وتـأجيـج الصـراع الطائـفـي لتحقيـق مصالـح شخصيـة وولاءات ومـواقـف تكـاد تكـون مبهمـة ومـوضـع شـك فـي الكثيـر مـن الأحيـان والـزمـن كفيـل فـي فضـح هـذه الممـارسـات . هـذا المنعطـف يكمـن فـي المسـاس بالثـوابـت القـوميـة وأقحـام الآشـوريـة المعمـدة بـدمـاء الآلاف مـن الشهـداء فـي صراع التسمـيات المـذهبيـة ممـا أفقـدها خصوصيتها كهويـة قوميـة شاملـة فتلاشـت وتشـوهـت المسيـرة بشكـل كبيـر ومعطيات اليـوم خـير دليـل علـى خطـورة تلـك العمليـة, فقـد غابـت قضيتـنا تمـاما مـن المشهـد السياسـي العـراقـي لتصبـح جـزء مـن أنتمائنـا المسيحـي ورضخـت فعـاليـاتـنا السياسيـة لهـذا الـواقـع الـذي كـان لهــم دورا فـي خلقـه ودخلـوا الأنتخابـات ضمـن (الكوتـا المسيحيـة), هـذه العمليـة تمـت بأتفـاقـات مسبقـة بيـن الحـركـة الـديمقراطيـة الآشـوريـة والمنظمـة الآثـوريـة الـديمقراطيـة وبعـض الشخصـيات والأكليـروس من كنيستنا الكلـدانيـة فـي الوطـن تمهيـدا لأضفـاء الطابـع الرسمـي لتلك الأتفـاقيات فـي المـؤتمـر الكـلداني السريـاني الآشـوري العـام الـذي أنعقـد فـي الفتـرة مـا بيـن 20-23/10/2003 دعـت اليه الحـركة الديمقراطيـة الآشـوريـة والمنظمـة الآثـوريـة الديمقـراطيـة كطرفيـن أسـاسيين فـي هيئتـه التحضيريـة وبمبـاركـة كافـة الأحـزاب السياسيـة الآشوريـة العاملـة فـي الوطـن. لقـد روج لهـذا المؤتمـر بأعتباره سيحـقق الوحـدة القوميـة. فيمـا يخـص التسميـة المـركبـة ( الكلـدو آشوريـة , ولغـة وثقافـة سريانية ) التـي كانـت فـي صـدارة الأمـور التي تحـتاج الـى شرعنـة بحسـب أجنـدة اللجنـة التحضيريـة, وبحسـب البيـان الختامـي فقـد ذكـر بأنهـا ستكـون لتلك المـرحلـة وستزاول فـي الوطـن فقـط , ولكـن فـي غضـون شهـر اعلـن رؤسـاء الكنيسـة الكلـدانيـة أنسحابهـم مـن الأتفـاق وتلتـها رسالـة أخـرى مـن كنيسـة المشـرق الآشوريـة, فذهبـت أمـال القائميـن علـى المؤتمـر أدراج الريـاح ممـا يـدل علـى هشاشة الأعـداد لذلـك المؤتمـر وقصـور فـي الرؤيـة السياسـية وقراءة خاطئة للحاضر وتأثير هذه العملــية على المستقبل وعـدم الأخـذ بـآراء الغـالبيـة مـن أبـناء الأمـة الآشوريـة كونها مسألـة حساسة تخـص كـل فـرد ينتمـي الـى هـذه الأمـة وليست ورقـة يلعبهـا السياسيين متى مـا رغـبوا بذلـك. وسـرعان مـا تحـولـت الوحـدة المـزعومـة الـى تشتت وصـراعـات وأعـلان قومـيات متعـددة داخـل الأمـة الواحـدة. هـذه الأزمـة سرعـان مـا أخـذت تلعـب دورا سلبـيا بيـن أوسـاط أمتـنا الآشـوريـة فـي المهجـر فأصبحـت محـل نقـاش بيـزنطـي لتشكـل عقبـة جديـدة نعانـي منهـا حيـث تحولـت الـى عبـأ أضـافـيا  ومـن ثـم أزمـة يصعـب الوصـول الـى حلـول مناسـبة لهـا فـي الوقـت الحاضـر. الـيوم وبعـد أن أعتبـرتـه فعالياتـنا السياسية واقعـا يجـب قبولـه ورضخـت لـه, يقـع علـى عاتـق كـل النشطـاء القومييـن الآشورييـن مسؤوليـة مضاعفـة لتوحيـد الخطـاب القـومـي والسـياسي والتحـرك بشكـل مـوزون ومنسـق لخلـق البديـل القومـي الحقيقـي والتحـرك فـي المسـار الصحيـح لأنقـاذ الموقـف والحفـاظ على هويتـنا القوميـة والعمـل علـى تعريـف المحـافـل الدوليـة بهـذه القضيـة, ومـن الجانـب الآخـر يتـرتـب عـلى المثقفيـن والملميـن بالشـأن القومـي والتأريخـي عقـد النـدوات والتفاعـل بشكـل مباشـر مـع الشـارع الآشـوري بغيـة نشـر الوعـي القومـي الـذي سيكـون كفـيل لحـل كـل أزماتنـا الــداخلــية والتعريـف بحجـم الخطـورة التـي تواجههـا قضيتـنا القومـية الآشوريـة, لتجنـب الأنـزلاق فـي صـراع طائفـي يحـاول البعـض تفعيـله فـي زمـن يغيـب فيـه المنطـق ويفتقـر الـى المواقـف القوميـة الصـادقـة والجريئـة لأعـادة المسألـة الآشوريـة الـى مكانتـها التـي اّقصيـت منـها.

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*