رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية


لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغرب.
ادريس أقبوش*

الحوار المتمدن
العدد: 5888
2018 / 5 / 30

مع تنامي الوعي بالهوية الأمازيغية وانتشار الكتابة والتأليف بالأمازيغية ، أصبح من الضروري بدل مجهود كبير للتعريف بالتراث الأمازيغي على اعتباره ملكا للأمازيغ بدون استثناء بل ويساهم في تحديد الهوية. ومن المعروف أن الإنسان لا يختار هويته ، لأن الذي يمنحه انتماءه الهوياتي هو الأرض التي عاش فيها أجداده وآباؤه ، وهذا ما يجعله مرتبطا بالأرض ومتشبثا بها ، بل ويعتبرها ذاكرة جماعية تختزن تاريخ ذلك الشعب بأحداثه وقيمه وعاداته وأساطيره وطموحاته … والشعب الذي لا يعرف تاريخه فهو كالشخص اللقيط الذي لا يعرف من أنجبه ، فمن جهل تاريخه جهل بالضرورة أصوله ، لهذا فإن أول ما يقوم به المستعمر لإحكام السيطرة الفكرية والثقافية على شعب ما ، بعد الانتهاء من عملية السيطرة العسكرية ، هو السيطرة على تاريخ ذلك الشعب للتحكم فيه وتوجيهه حسب ما يخدم مصالح وإيديولوجية المستعمر ، وذلك بقطع الخيط الرابط بين الحاضر والماضي بالنسبة لسكان البلد الأصليين أصحاب الأرض ، لإخفاء وطمس كل ما له علاقة بالثراث. ولذلك وجب علينا حماية هذا التراث والدفاع عنه ، لكونه يختزن تجارب الإنسان الأمازيغي وعلاقته بمحيطه الطبيعي والاجتماعي.
من هذا يتضح أن التحكم في التاريخ ضروري للمحافظة على السيادة بالبلد المستعمر ، بل ومنه يتسرب المستعمر إلى القلب وتشتيت شرايينه.
انطلاق من هذا التقديم المختصر سنحاول في هذه الدراسة استحضار التقويم الأمازيغي وتجلياته الانتربولوجية ، باعتباره ( التقويم الأمازيغي ) مصدر أساسي لفهم نمط حياة شعب معين بل وثيقة ضرورية لكتابة الماضي وتدوين الاحداث التاريخية (1).
إن الحديث عن التقويم الأمازيغي أو رأس السنة الأمازيغية يصطدم بصعوبات وعوائق كثيرة ، من بينها ندرة الكتابات التاريخية التي عالجت هذا الحدث سواء من الباحثين الغربيين أو غيرهم ، بالإضافة إلى عامل الطمس والتهميش، ليس فقط على التقويم الأمازيغي فحسب ، ولكن على الإنسان الأمازيغي وتاريخه بصفة عامة ، لذلك قال المؤرخ علي صدقي أزايكو ” إن تاريخنا لم يكتب بعد ” (2) ، لأن الطريقة التي كتب بها غير سليمة ، ولأن الظروف التي أحاطت بكتاباته ظروف خاصة حتمت كتابته بالشكل الذي هو عليه الآن . إذا فالتاريخ الأمازيغي لا زال في حاجة إلى دراسات وأبحاث تكشف عن الحقائق في جل المراحل التاريخية ، نظرا لجملة القضايا التي لا زال هذا التاريخ يضمها بين ثناياه ، كما أن هذا الحدث التاريخي تتداخل فيه مجموعة من العلوم، أهمها التاريخ والأنتربولوجية والإيكولوجية ، حيث أن هذا الحدث التاريخي أكتسب دلالات أنتربولوجية أثناء تخليده، وهذه هي العادة في جميع الاحداث التاريخية الهامة إذ تصبغ بعادات أنتروبولوجية غالبا ما تعبر عن ماضي هذه الحضارة . كما اكتسب هذا الحدث التاريخي أيضا أثناء التخليد تسميات مختلفة ، فهناك من يسميه ” إيض يناير” أو ” اسكاس اماينو ” أو ” حاكوزا ” وهي منطوقات إسمية عديدة لمناسبة واحدة هي حلول السنة الأمازيغية.
التقويم التاريخي سواء كان ميلاديا أو هجريا أو أمازيغيا ليس أمرا بسيطا على اعتبار أنه ينطلق من حدث بارز يتم استبطانه ويحضر في وعي ولاوعي الجماهير . فإذا كان التقويم الميلادي اعتمد على ولادة عيسى كبداية للتقويم ، والتقويم الهجري اتخذ هجرة الرسول (ص) من مكة إلى المدينة كمرجعية لحساب الزمان لدى المسلمين ، فإن التقويم الأمازيغي يرتبط بأسطورة ورمزيتين :
الأسطورة : فحسب المعتقدات الميتولوجية الامازيغية استهانت العنزة بقوى الطبيعة ، فاغترت بنفسها وخرجت تتراقص وتتشفى في شهر يناير الذي انتهى وذهبت معه ثلوجه وعواصفه وبرده عوض أن تشكر السماء .كانت تتحدى الطبيعة ، فغضب يناير وطلب من فورار ( فبراير) أن يقرضه يوما حتى يعاقب المعزة على جحودها وجرأتها . ومن هنا تناقص أيام فورار وإضافة يوم إلى يناير (31) ، وهذذ المعزة قائلا لها ” نسلف نهار من فورار ونخلي قرونك يلعبو بيهم الصغار في ساحة الدوار”. ففي يوم 31 قام يناير بإثارة عواصفه وزوابعه وثلوجه حيث لقيت المعزة مصرعها . وإلى يومنا هذا يستحضر بعض الأمازيغ يوم سلف المعزة ويعتبرونه يوم حيطة وحذر ، ويفضل عدم الخروج للرعي 12 يوم مخافة عاصفة شديدة .
كما يرتبط هذا الحدث برمزيتين : الأولى هي رأس السنة الفلاحية والثانية هي عام وصول الزعيم الأمازيغي شيشنق الأول إلى منصب فرعون مصر ، مما يجعل الاحتفالات بهذه المناسبة الخاصة تمزج بين الأرض والتاريخ. وتعيد التأكيد على التنوع الثقافي للموروث الأمازيغي.
ففيما يتعلق بالرمزية الأولى هو تاريخ سنوي يتم من خلاله الفصل بين مرحلتين مناخيتين هما البرد والإعتدال. وهذا لا يعد خاصا بالامازيغ وحدهم ، بل إرثا مشتركا احتفلت به شعوب البحر الأبيض المتوسط منذ القدم. إلا أن الأمازيغ هم من حافظوا على هذا التقويم وأدرجوه ضمن احتفالاتهم .ويتطابق هذا المعطى لدى مختلف القبائل الأمازيغية في شمال إفريقيا ، وهذا ما جاء به” ليفي بروفنسال إفاريست ” بقوله مثلا ” يدل اسم الليالي ( les nuits) في شمال إفريقيا على فترة أربعين يوما، من 10 دجنبر إلى 20 يناير، نقسم إلى فترتين من 20 يوما لكل واحدة منهما . وإذا سقطت الأمطار في النصف الأول من الليالي فإن المحمول سياتي ناقصا ، أما إذا سقطت الأمطار في النصف الثاني فإن المحصول سيأتي حسب المبتغى لأنها مرحلة اعتدال ” (3). بينما ترتبط الرمزية الثانية بوصول شيشنق الأول إلى الحكم بالإمبراطورية الفرعونية بمصر.رغم الاختلاف في طريقة الوصول إلى الحكم ، فهناك من يقول بأنه وصل عن طريق معركة قوية ، في حين يقول الآخرون بأن الفراعنة استنجدوا بالأمازيغ بعد تضعضع امبراطوريتهم . هذا الاختلاف لا يعني أن الأمازيغ لم يحكموا الامبراطورية الفرعونية ، بل يمثل وصول شيشنق إلى عرش مصر سنة 950 قبل الميلاد أقدم حدث تاريخي أمازيغي . واتخذه الأمازيغ كمرجعية للتقويم وتنظيم الزمان عند الفلاح ،إذ بدونه لا يمكن ضبط الدورات الفلاحية بسهولة . إذن كيف يتم الاحتفال بهذا الحدث عند المغاربة ، وكيف يتم الاستعداد له والطقوس المرافقة له ؟.
بحلول رأس السنة الأمازيغي ( الفلاحي ) يحتفل المغاربة بهذا العيد ذي الجذور الضاربة في عمق تاريخ الشمال الإفريقي ،هذا العيد يتم تخليده بمظاهر وطقوس متعددة بتعدد المناطق مما يبين وحدة الموروث الحضاري لوطننا وغناه.
ونظرا لما لهذا الموروث من أهمية في ترسيخ الوعي بالذات بهدف الاعتزاز بالخصوصية الثقافية فإنه بات من الضرورة الملحة إعادة الاعتبار لكل ما يعزز هذه الخصوصية ويمحو عنها غبار النسيان حتى تبدو ظاهرة للعيان ليتبين بجلاء أن هذا الموروث في حقيقته ماهو إلا تعبيرا عن وحدة التجربة الإنسانية والتكوين النفسي للشخصية المغربية ، والاحتفال برأس السنة الأمازيغية يدخل ضمن هذا الإطار الذي يعكس العمق التاريخي والأصالة الحضارية الواحدة ، ويقول عنه محمد البشير بن عبد الله الفاسي أثناء الحديث عن عادات بني زروال ” نعم توجد بها بعض عوائد لا مستند لها في الإسلام ولكنها قليلة ولعلها من اثار المسيحية التي كانت منتشرة في جبال غمارة زمن الفتح الإسلامي ، من ذلك الاحتفال برأس السنة الشمسية ( الحكوز) وهو المعروف عند الفرس بالنيروز فإنهم يحتفلون به احتفالا خاصا يعدون فيه الموائد ويعقدون الإجتماعات للتداول فيما بينهم ومبادلة التهاني ومن المأكولات المخصصة عندهم لذلك اليوم السفنج محشو بحوت السردين ” (4). بينما يصنف محمد العلمي ” حكوزة ” ضمن الأعياد الفلاحية ويسميها ينايرة ويردها إلى أصل روماني ، عندما يقول ” وهناك أيضا احتفال فلاحي يسمى النايرة ، ويقام في يوم الثالث عشر من شهر يناير وهو من أصل روماني عتيق ، ويعتبر هذا العيد في المغرب فلاحيا وخاصا بالأطفال في نفس الوقت “(5) . في حين يؤكد سعيد إفقيرن أنها طقوس ذات امتداد عريق ، أكثر قدما من الإسلام ومن روما وقرطاجة (6) ، ومن خلال مقارنتنا لهاتين الروايتين نرجح الرواية الثانية ، على اعتبار أن الإنسان حاول منذ القدم فهم ظواهر الطبيعية من مطر ورعد وتساءل عن ماهية الشمس والقمر وعن كنه وجوده هو نفسه ، فكان تفسيره خرافيا سحريا أسطوريا ، وهذا ما يوضح أن الاحتفال برأس السنة الأمازيغي ( الفلاحي) مترسخ في الوجدان واللاشعور الجماعي.
يخلد السكان عدة احتفالات ذات طابع طقوسي وذلك وفق التقويم الفلاحي (7) ، بالأساس ، والسنة الفلاحية كنظيرتها الميلادية الهجرية ، تشتمل على إثنى عشر شهرا مجزأة لأسابيع وأيام ، وتكمن خصوصيته في كونه الأساس لتنظيم الزمن عند الفلاح ، فبدونه لا يمكن ضبط الدورات الفلاحية بسهولة ، وعموما فالسنة هي مرحلة من التطور المستمر ، وتمتد من 1 يناير إلى 31 دجنبر والتقويم هو الطريقة التي أبدعها الإنسان لضبط تسلسلها (8).
حكوزة أو ليلة يناير أو يض وسكاس ، هي عدة مسميات لمسمى واحد ، إنها بداية السنة الفلاحية التي يفصلها عن السنة الميلادية 12 يوما ، ليكون اليوم الأول من يناير الفلاحي هو اليوم الثالث عشر من السنة الميلادية.
يجرى الإحتفاء بمقدم السنة الفلاحية الذي يوافق في الغالب 13 يناير الشمسي ، ويتم الإحتفال بها بطرق وطقوس مختلفة بحسب المناطق ، يتم بالمناسبة بإعداد أكلات ترمز إلى الأرض ، ومنها الكسكس بسبع خضر وتكون عادة من الكرعة ، واللفت الأبيض، والحمص ، والجزر ، والطماطم ، والخرشوف والبصل والحليب (9).
عندما نتحدث عن الفلاحة بمعنى أنتروبولوجي نتحدث عن الاستقرار ،حيث عرف الأمازيغ مرحلة استقرار منذ القدم ، وذلك لكون الأمازيغ عرفو ا الفلاحة والزراعة ، ففي هذا اليوم يتم تقديم كل ما لدى الأمازيغ من خيرات ، إذ لا مجال للشح في إيض يناير أو ليلة يناير أو إمنسي ن يناير، وهناك وجه آخر من الاحتفال إذ يتم وضع نواة من التمر في الكسكس، والشخص الذي يعثر على تلك النواة يعتبر مبارك وميمونا وتمنح له مفاتيح الخزين ( المخزن) طمعا في عام فلاحي زاهر ومثمر ، هناك اعتقاد شعبي يحث المحتفل بهذه المناسبة على الأكل حتى التخمة ، باعتبار أن الفرد إذا جاع ليلة رأس السنة ، سيظل كذلك طوال العام ، ولذلك تحرص الأم على أن يشبع كل أفراد الأسرة في هذه الليلة ، ولا تنسى الأم أن تضع لقمة من الكسكس في جانب الكانون لأهل المكان من الجن (10).
في هذه المناسبة تظهر على الشيوخ والأطفال والنساء عموما ملامح الفرحة فيتبادلون التهاني في اجتماعات حميمية بالدوار ويتم تفادي النزاعات الأسرية والقبلية نظرا لقداسة هذا اليوم الذي يسمى بإيض امبارك بما تحمله كلمة امبارك من حمولات ودلالات ، كما يلعب هذا اليوم دورا اقتصاديا، لأن الذبائح تخلق رواجا اقتصاديا ن وتعكس عدالة اجتماعية من خلال توفير اللحم لكل سكان الدوار مهما كان مستواهم الاجتماعي ، وهي طقس قديم جدا تستمد أصولها من عمق التراث التضامني.
تقوم النساء أثناء تهيئ صحفة الكسكس بوضع حبة من الثمر داخلها ، ولا يعلم بمكان وجودها أحد ، الأمر الذي يترك مجال المنافسة للبحث عن الثمرة ، والأم هي أول من يأخذ من هذه الوجبة ، اعتبارا لمكانتها داخل المجتمع الأمازيغي ، وبعد الانتهاء من أكل الكسكس تؤخذ لقمة واحدة وترمى فوق الخيمة ، وتبيت في العراء وفي الصباح الباكر قبل طلوع الشمس تؤخذ من طرف رئيس ألمسي الذي يتنبأ من خلالها بما تكون عليه السنة الفلاحية ، هل ستكون ماطرة أم جافة ، كما يمكن أن يتنبأ بحلول كارثة بالدوار (11).
ماذا يمكننا أن نستخلص من هذا الموضوع ؟ أولا ملاحظة يجب أن ندرجها في هذا الموضوع أننا إزاء موروث ثقافي يحمل حمولة رمزية ونفسية تعكس حياة الإنسان الأمازيغي ، كما يفصح عن مكونات ذهنية في حياة الإنسان الأمازيغي ، كما أن هذا المعطى يوضح لنا أن هناك ما يجمع شعوب شمال إفريقيا من ثقافة وحضارة في عمق التاريخ ، والاحتفال بالسنة الأمازيغية هو اعتراف بالبعد الأمازيغي وتأكيد على أن الأمازيغية تمتد جذورها في أعماق شمال إفريقيا.
الهوامـــــــــش
– 1-علال ركوك ، المقاومة وأحداث من التاريخ الاجتماعي في الأدب الشفوي المغربي (1890-1956) ، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ، مطبعة بني إزناسن ، سلا ، 2001، ص .21.
-2- علي صدقي أزايكو،” تاريخ المغرب بين ما هو عليه وما ينبغي أن يكون عليه ” ، مجلة ، الكلمة ، عدد فبراير 1972.
-3- Evariste Lévi-provancal, “Pratiques Agricoles et fêtes saisonnières des tribus Djebalah de la vallée Moyenne De L ouarghah ” les archives Berbèr vol III ,fascicule 1, année 1918, P. 92.
-4- الفهري الفاسي ( محمد البشير بن عبد الله ) ،قبيلة بني زروال مظاهر حياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، مطبوعات المركز الجامعي للبحث العلمي ،الرباط ، 1962 ، ص .14.
-5- محمد العلمي ، ” حاكوزة ” مجلة التراث الشعبي ، العدد 1 ، السنة 1978 ، ص.35.
-6- سعيد افقيرن ، ” هكذا يحتفل جبالة بالعيد الأمازيغي ” ، جريدة تاويزا ، العدد 2957 ، ص.11.
-7- التقويم الفلاحي هو تقويم شمسي ،أي مرتبط بالتعاقب المنتظم للفصول والتغيرات المستمرة التي تشهدها الطبيعة بفعل دوران الأرض حول الشمس الذي تنتج عنه تغيرات الطقس وأحوال الجو ، هذه التغيرات التي رصدها الانسان منذ القدم وقام بضبطها في رزنامات مختلفة ، يرجع ذلك بعد اكتشافه للزراعة والانتقال من مراحل القطف والصيف ، راجع ، سعيد إفقيرن ، م. س ،ص . 11.
-8- سعيد إفقيرن ، م . س ، ص .11.
-9- رواية شفهية من طرف السيد واعراب لحسن من قبيلة أيت شارظ بزيان.
-10- مصطفى عربوش ، من تاريخ منطقة إقليم تادلة وبني ملال ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، 1989 ، ص .237.
-11- رواية شفهية من طرف السيد واعراب لحسن من قبيلة أيت شارظ بزيان.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*