من معنا؟ من علينا؟


من معنا؟ من علينا؟
د. ايمن سرور

لينغا
الجمعة، 11 أيار 2018

المسيح الراعي تنتشر في مجتمعنا ظاهرة الانقسام والتحزب، فنرى داخل القرية او المدينة الواحدة، التي اعتادت في الماضي على وجود علاقة حميمة وطيبة بين ابنائها، نرى الاختلاف بل والانشقاق، الذي ما يؤدي عادة الى البغضة حتى العداء التام، واحيانًا حتى درجة العنف بل والقتل ايضًا! هذا الانشقاق وفقدان الشركة الحميمة، بدأ بين آدم وحواء بعد السقوط في العصيان والخطية، وكان سببا في تفشي الخطية لاحقا كالزنا، البغضة، السرقة وقتل، وكل هذا نراه حتى يومنا هذا، بسبب الخلاف السياسي بين اطياف المجتمع الواحد، خلاف اجتماعي، وأصعب وأخطر هذه الخلافات هو الديني وباسم الله! ولكن هل الله يرضى بهذه الانشقاقات والخلافات؟! هنالك من يعتقد ان الله اوصاه ان يُكَفِّر ويرفض من شاء، وكأنه يملك الحق المطلق لذلك، كأنها دعوة من الله لهم، ولكن الله بريء من كل تلك الافكار والدعوات!

دعونا يا اخوتي نترك هذه الافكار، والتي لا نجهل مصدرها ومدبرها، ونركز ونتأمل بكلمة الرب، التي تدعو الجميع الى معرفة الحق الالهي، الذي اظهره الله في الكتاب المقدس، وبالأخص لنا نحن المؤمنين باسم ابن الله الحي، الرب يسوع المسيح، الذي تكلم عن هذه الامور في انجيل متى الاصحاح 12، الاعداد 30-37، عندما اعلن للجموع بعد شفاء الاعمى الاخرس، عندما كان خلاف وانشقاق بالمواقف، بين الجموع والفريسيون، الذين هم رمز التدين والدين القاتل المُمِل، حتى انهم قالوا عن رب المجد يسوع، انه يُخرج الشياطين برئيس الشياطين! بعد ذلك أعلن يسوع: ” من ليس معي فهو علي، ومن لا يجمع معي فهو يفرق”. نرى هنا التركيز والدعوة من الرب، انه من ليس معه هو فهو عليه، وهذه الدعوة لنا جميعًا ان نجتهد كل يوم، لكي نكون في مركز مشيئة وفكر الرب، وان نكون معه ليس فقط بالأقوال بل بالأعمال قبل كل شيء، لان الذي ليس مع يسوع فهو عليه اي ضده، ومن لا يجمع مع يسوع فهو يفرق، وليس هنالك موقف وسط، اما معه او عليه، اما نجمع او نفرق!!! فمن اي فريق نحن اليوم، من الذين مع يسوع بفكر المحبة، التواضع والاخلاء، فكر اكرام الاخوة وتشجيعهم؟ هل نحن اليوم من الذين يجمعون مع يسوع، نذهب باسمه كارزين للأمم من كل قبيلة ولسان وشعب وأُمَّة، ان يعرفوا الرب والمخلص يسوع المسيح؟ هل نحن من الذين يجمعون باسم المسيح، هل نجتهد ان نحفظ وحدانية الروح برباط السلام؟ هل أدركنا مع جميع القديسين ان جسد المسيح هو واحد، والكنيسة واحدة؟ ام ما زلنا نركز على افكارنا الشخصية بل وشهواتنا احيانًا، غير مبالين بدعوة الرب يسوع بان نكون معه، بان نتغير الى صورته ومثاله، لكي نستطيع بعدها بمعونة الروح القدس ان نجمع معه؟ اخوتي نقرأ كثيرًا عن الانشقاقات والتحزبات التي كانت في كنيسة كورنثوس بالأخص، وهم لا يبالون بذلك بل حتى كانوا يكسرون الخبز معًا رغم الانقسامات والخلافات، حتى جاء رسول الامم بولس ووبخ هذا التصرف غير اللائق وغير الروحاني، ودعاهم للتوبة عن ذلك الشر، (كورنثوس الاولى30:11) لكي لا يكون في الكنيسة مرضى كثيرين بل وراقدين ايضًا، لان الانشقاق يؤدي الى مرض روحي حتى الرقاد (الرقاد الروحي وعدم المبالاة بدعوة الله للوحدة والمحبة في الجسد الواحد اي الكنيسة). في الاصحاح 12 من الرسالة نفسها، يؤكد بولس ان الجسد واحد، مع انه يوجد اعضاء كثيرة، ولكن الجسد واحد، العروس والكنيسة واحدة، مع انه من الممكن ان يكون بعض الخلاف بين اعضاء الكنيسة الواحدة، او حتى الخلاف بين كنيسة واخرى، ولكن علينا ان نجتهد جميعًا لحسم كل خلاف بيننا، بمحبة المسيح وحكمته، لأننا علينا ان ندرك ان المسيح مات على الصليب ليس فقط من اجل العالم، بل ايضًا من اجل اخي الذي يجلس بجانبي في الكنيسة الواحدة، كذلك من اجل الاخوة واعضاء الكنيسة التي لا أنتمي اليها كعضو وخادم فيها. فهل نتعلم من بولس الذي كان مستعدًا ان لا يأكل لحمًا ان كان يعثر أحد المؤمنين؟ هل نتعلم منه انه كان يود لو كان محرومًا من المسيح لأجل اخوته وانسبائه حسب الجسد (رومية 3:9)، مع انهم لم يكونوا له اخوة بالأيمان بالرب يسوع المسيح، كما نحن اليوم اخوة، لأنه كان له حزنًا عظيمًا ووجعًا في قلبه من أجلهم. هل نحن اليوم نتألم على كل من هو ليس معنا بل يفرق، هل نصلي من اجله بان يرحمه الرب؟ لأنه كما يتابع الرب بقوله ان كل خطية وتجديف يُغفر للناس، واما التجديف على الروح فلن يغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الانسان (يسوع المسيح) يُغفر له، واما من جدّف على الروح القدس فلن يُغفر له، لا في هذا العالم ولا في الآتي. اخوتي هناك الكثيرين ممن يجدفون على الاسم القدوس البار، اسم الرب يسوع المسيح. ادخلوا فقط على صفحة التواصل الاجتماعي الفيسبوك لموقع لينغا، وانظروا التجديف بل وللأسف الشديد الشتم والرفض الشديد لاسم المسيح يسوع ولخدامه!!! ولكن الرب يُحب هؤلاء المجدّفين والرافضين، لانهم بجهل يفعلون ذلك، ولم يعرفوا الرب المخلص، وحتى الآن الدعوة قائمة لهم وكل من يجدف على اسم المسيح ابن الانسان، حتى يوم رجوعه طبعًا واغلاق باب النعمة، وقبول دينونة رهيبة لكل من رفض نعمة المسيح. ولكن نحن اخوتي، الذين نلنا الروح القدس، واختبرنا قوته ومجده العامل في حياة كل منا وفي الكنيسة، هل نجدف على الروح القدس؟! هل نحن اليوم وبإرادتنا الكاملة ما زلنا نفرق ونسبب الاذى في جسد المسيح الواحد؟! هل نتوب على كل مرة لم نكن فيها سبب للوحدة والمحبة والشركة الطيبة في جسد المسيح، ان كان في كنيستنا التي ننتمي اليها، ام الكنيسة بشكل عام في بلادنا؟! لأنه من الثمر تعرف الشجرة! لأنه من فضلة القلب يتكلم الفم، والانسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يُخرج الصالحات، والانسان الشرير من الكنز الشرير يُخرج الشرور. ولكن الرب يسوع يقول: “ان كل كلمة بطَّالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابًا يوم الدين، لأنك بكلامك تتبَّرر وبكلامك تدان”. ما هو كلامنا اليوم، وما هي افعالنا بعد كلامنا؟ كلام يتلوه اعمال تدعو للوحدة والمحبة لجسد المسيح في بلادنا، رغم الضّعفات والخلافات التي من الممكن ان تكون، ام كلام واعمال تعزز الانشقاق في جسد المسيح؟ والذي في النهاية سوف يقدم كل منا حسابًا للرب الاله على كل ما قال وعمل! هناك اخوة كثيرين ومباركين، ومن الممكن انهم لا “يتبعوننا” نحن كما قال التلاميذ للرب (مرقس 38:9)، اخوة يخرجون شياطين باسم يسوع، ولكننا نريد احيانًا ان نمنعهم لانهم لا يتبعوننا، لا يتبعون بشكل مطلق طريقة تفكيرنا وعبادتنا، لا يتبعون بل ولا “يفهمون” عمق معرفتنا الروحية، لأننا نحن نعرف كل شيء وهم يعرفون القليل، نحن كنيسة الرب المباركة التي تملك مواهب روحية عديدة، ولكنها بالفعل من الممكن انها قد فقدت المحبة الاولى! دعونا لا نرتبك كما ارتبك يشوع عندما كان في اريحا، ورأى رجل واقف قبالته، وسيفه مسلول بيده، وسأله: “هل لنا انت او لأعدائنا؟ ( يشوع 13:5 )، فقال له: كلا، بل انا رئيس جند الرب”. دعونا لا نرتبك ونظن ان خدام الرب واحبائه ليسوا علينا بل معنا باسم يسوع، وان لا نظن ان اخي الحبيب في كنيستي علي بل معي، وان كان عندنا اي شَك كما كان ليشوع، لنتوجه بروح المحبة والصلاة الى ذلك الاخ او الشخص، ونسأله بكل محبة وشجاعة الروح: “هل لنا انت او لأعدائنا؟” فان كان الاخ صادقًا مع نفسه ومع الله فقد ربحنا هذا الاخ، وان لم يكن صادقًا فالذي يمتحن القلوب والكلى هو الله وحده، والدينونة هي له وحده. يسوع قال كما ذكرنا انه “من ليس معي”، اي التركيز عليه هو وحده، التبعية له وحده، نجمع معه هو وحده، وليس كما قال التلاميذ ليس يتبعنا، اي ان التركيز كان على انفسهم هم وليس على الرب، حتى جاء التوبيخ من الرب قائلاً: ” لا تمنعوهم، لأنه ليس احد يصنع قوة باسمي ويستطيع سريعًا ان يقول علي شرًا، لان من ليس علينا فهو معنا، لان من سقاكم كأس ماء باسمي لأنكم للمسيح، فالحق اقول لكم، انه لا يضيع اجره.” (مرقس 39:9). لا تمنعوهم، وهذه الدعوة هي لنا اليوم، لا تمنعوهم، انهم اخوة لنا، لا يهم اي عضو هم في جسد المسيح، عضو بارز او في الخفاء، لا يهم ما “اسم” كنيسته ولأي “طائفة” ينتمي، هل هو مؤمن باسم يسوع، هل قَبِلَهُ ربًا ومخلصًا على حياته واعتمد للجسد الواحد، هل يحب الرب ويخدمه؟ فهو اذًا اخي وحبيبي في الرب، ونحن ننتمي الى الجسد الواحد اي الكنيسة، لان من ليس علينا فهو معنا، وعلينا ان لا نمنعه من الشركة معنا، بل نجتهد من كل القلب ان نعطيه كأس ماء بارد باسم يسوع، لكي نروي عطشه الروحي، ولكي نكون سبب بركة ونعمة أحدنا للآخر، لان المسيح واحد وكنيسته واحدة. وقبل كل اي اعتبار واي تفكير وتحليل بالروح كان ام بالجسد، علينا جميعًا ان نسأل أنفسنا: ” ان كان الله معنا، فمن علينا؟ ” (رومية 31:8)، ان كان الله معنا فلا أحد علينا، لا أحد يفرقنا ويزرع النميمة والحسد والخصام بيننا، ان كان الله معنا وساكن فينا، فسوف نبني جسور لا جدران بين اعضاء الكنيسة الواحدة، ومع كل من يدعوا الرب بقلب صادق. ان كان الله معنا فلا أحد يغلبنا، لا الشيطان ولا اتباعه الذين يريدون دَس البدع والخصام. ان كان الله معنا فمن علينا، من نحسبه عدوًا لنا؟ لا أحد عدو لنا لان الله معنا، لان الله بمحبته معنا، حتى من رَفضنا واضطهدنا، نقول له نحبك باسم الرب يسوع الهنا، وندعوه ان يكون في شركة مقدسة معنا باسم المسيح، وحتى لو رفض، نصلي له ان يرحمه الله ويفتقده. وان كان أحد يُدعى اخًا لنا، وما زال يمنع الشركة المقدسة بيننا، نقول له ان من ليس علينا فهو معنا، كما علمنا ربنا المبارك، وان لم تلمس هذه الدعوة قلبه، نصلي له ان يفتح الرب قلبه، ويسمع نداء يسوع المسيح بقوة وعمل الروح القدس في القلوب: من ليس معي فهو عليَّ… ومن لا يجمع معي فهو يفرق…

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*