كيف تتغلب على الآثار السلبية لإدمان العمل؟


كيف تتغلب على الآثار السلبية لإدمان العمل؟
لوريلي ميهالا- صحفية

9 أبريل/ نيسان 2018
BBC

يؤدي الإفراط في العمل إلى مشكلات نفسية مختلفة، ويحتاج إلى علاج فعال من أجل استعادة التوازن المطلوب بين مهام العمل وجوانب الحياة الأخرى.

كانت جي سي، التي لا تريد الإفصاح عن اسمها الحقيقي، قد ذهبت لحضور اجتماع تنظمه مؤسسة “وركهوليك أنونيموس” (مدمنو العمل المجهولون) غير الربحية، لأنها شعرت أنها مدمنة عمل، وأنها لم تعد تتحمل ذلك.

“اسمي جي سي، وأنا مدمنة على العمل”، هكذا تحدثت جي سي التي تعيش في ولاية فلوريدا الأمريكية، والتي تقول إنها بحاجة إلى مزيد من التشجيع في أول مرة تقف فيها أمام حشد من الناس لم تكن تعرفهم مطلقا من قبل، لتقول ذلك.

وتقول جي سي، البالغة من العمر 40 عاما، والتي تغلبت بسهولة على إدمان الكحوليات، وعدم الانتظام في تناول الطعام، إنها لم تستطع أن تحصل على الهدوء الذي كانت تأمل الوصول إليه من خلال ما تتمتع به من رجاحة عقل وتوازن في الحياة، لأنها بدلا من ذلك أصبحت مدمنة للعمل.

وتقول جي سي: “كنت دائما مهووسة بالعمل، وأدركت أنني استخدمت العمل لتخدير نفسي، ولتجنب مشاكلي، ومشاعري، ومخاوفي”.

لكن إدمانها العمل، والتوتر المصاحب لذلك، تركا أثرا على صحتها. وتضيف: “أصبح لدى شعر رمادي اللون خلال ثلاثة أشهر من تولي منصبي الإداري الجديد. لقد أصبت أيضا بقصور الغدة الكظرية، وأصبح لدي مشكلة في القلب”.

وتنصح مؤسسة “مدمنو العمل المجهولون”، التي بدأت نشاطها في الولايات المتحدة في أوائل الثمانينيات، مدمني العمل باتباع 12 خطوة كخطة أساسية للعلاج، خلال حضورهم الاجتماعات الدورية التي تنظمها. وتشبه هذه الخطوات ما أعلنته قبل ذلك منظمة “مدمنو الكحول المجهولون”.

واليوم، تعقد منظمة “مدمنو العمل المجهولون” أكثر من 100 اجتماع جماعي على مستوى العالم، من الأرجنتين إلى الولايات المتحدة، إلى بريطانيا، واليابان.

يقول ويليام تشوفيلي إن مؤسسة “مدمنو العمل المجهولون” تساعد كثيرا من الناس، حتى يدركوا أنهم ليسوا بمفردهم

وهناك أيضا إمكانية لحضور أحد هذه الاجتماعات على الإنترنت من خلال برنامج سكايب، أو عبر الهاتف المحمول.

لكن كيف تعرف إذا ما كنت تعاني من إدمان العمل؟ وما هي الطرق الأخرى المتاحة أمامك للمساعدة في الحل؟

يصف ويليام تشوفيلي، أستاذ الأعمال وعلم النفس التنظيمي بجامعة أوتريخت في هولندا، مدمن العمل بأنه “شخص يعمل بجد وهوس، وبطريقة قهرية”. ويضيف تشوفيلي: “وبالتالي، هناك مزيج من العمل المفرط، والعمل القهري، والنزعة القهرية تجاه العمل”.

ويقول تشوفيلي إن الذهاب إلى مؤسسة “مدمنو العمل المجهولون” يساعد كثيرا الأشخاص الذين يعانون من ذلك الإدمان، “لأنك ترى أناسا يعانون من نفس المشكلة، وتشعر أنك لست وحدك. وأعتقد أن هذا الأمر مهم لكل أنواع المشكلات السلوكية أو الإدمان”.

لكن بالنسبة لأشخاص آخرين يعانون من مشكلة إدمان العمل، يكمن الحل في التوجه إلى أحد المختصين المدربين من أجل تلقي العلاج بصورة فردية.

لكن ما الذي يدفعنا حقا إلى هذه الحالة من إدمان العمل؟

تعالج الطبيبة كلوديا هيربرت، وهي اختصاصية نفسية بمركز أوكسفورد للتنمية، بمدينة أوكسفوردشير، الكثير من مدمني العمل، وتقول إن العديد منهم يعانون من اضطرابات نفسية أخرى.

وتضيف هيربرت: “قد يشعر كثير من العملاء أنهم محبطون، وربما يشعرون بالفعل أن الحياة خالية من أي معنى، وربما يعانون من مشكلات تتعلق بالقلق، أو يعانون أيضا من أنواع مختلفة من الإدمان، ويريدون التغلب عليها”.

وقد تظهر تلك المشكلة في المقام الأول بسبب شعور المرء بأنه مضطر للعمل بجد كبير.

تقول كلوديا هيربرت إن الكثير من مدمني العمل يعانون من اضطرابات نفسية أخرى

وتقول هيربرت: “يضطر الناس في الغالب إلى قبول وظائف كانت في السابق تحتاج إلى شخصين أو ثلاثة للقيام بها”.

ويمكن أيضا أن تظهر حالات إدمان العمل جزئيا عندما يُدفع الشخص للعمل بجد وتفان من خلال أبويه في مرحلة مبكرة من حياته، أو من خلال رؤسائه في العمل لاحقا.

وتقول هيربرت إن الأشخاص الذين كانوا يُدفعون بقوة وهم أطفال لتحقيق نتائج جيدة أكثر مما يطيقون، من المرجح أن يصبحوا من مدمني العمل لاحقا.

وفيما يتعلق بنوع الأعمال التي يمكن أن تدفع أصحابها ليصبحوا من مدمني العمل، يقول تشوفيلي إن ذلك يتعلق كثيرا بالوظائف في المستويات القيادية، أكثر من الوظائف الأخرى في المستويات المتوسطة أو الدنيا من السلم الوظيفي.

ويضيف تشوفيلي أن مدمني العمل في الغالب لا يرون أن سلوكهم في العمل ينطوي على مشكلة ما، وذلك يعود إلى أنهم في الغالب ينجزون كما كبيرا من الأعمال، وهو ما يترجم في الغالب إلى مزيد من المكاسب، ومزيد من الترقيات.

وفيما يتعلق بعلاج إدمان العمل، تقول هيربرت إن ذلك يحتاج إلى علاج فردي مفصل وفقا لحالة كل شخص، ومعرفة أصل المشكلة التي تسببت في هذا الإدمان.

في مركز “ريتريت ساوث” للتأهيل النفسي في ولاية فيكتوريا بأستراليا، يطبق القائمون على المركز برنامجا علاجيا وثيق الصلة بضغوط العمل، والإجهاد الذي يصيب عادة مديري الأعمال، ويحاولون إعادة الناس إلى حالة التوازن بين العمل وجوانب الحياة الأخرى.

تقول جين إينتر إن مركزها للتأهيل النفسي يهدف إلى مساعدة الناس للعودة إلى حالة التوازن بين العمل والحياة

وقد بدأ تطبيق ذلك البرنامج منذ ست سنوات، ويصل متوسط فترة الإقامة في المركز للخضوع لذلك البرنامج إلى شهر تقريبا، وتبدأ الأسعار من 6,100 دولار أمريكي أسبوعيا.

ويأتي أغلب عملاء ذلك المركز التأهيلي من الأستراليين، لكن المركز يستقبل أيضا أشخاصا من آسيا وأوروبا.

وتقول جين إينتر، مديرة مركز “ريتريت ساوث” للتأهيل النفسي، إن المركز يحاول علاج مشكلة قد نكون نحن من تسبب فيها كآباء عندما تعاملنا مع أطفالنا بطريقة خاطئة في الصغر.

وتقول إينتر: “ينبغي على الناس أن يتعرفوا مرة أخرى على أنفسهم، فالأمر يتعلق بالحصول على حياة أكثر توازنا”.

وبالعودة إلى قصة جي سي في فلوريدا، والتي توجهت ذات مرة لطلب المساعدة من مؤسسة “مدمنو العمل المجهولون” في عام 2012، فهي تعمل الآن متطوعة لدى هذه المؤسسة التي لا تهدف إلى الربح.

وتقول جي سي: “لديّ الآن وقت إضافي للمرح، والعلاقات مع الناس. ولا زلت أحتفظ بنفس وظيفتي، لكن لأنني غيرت طريقتي في التفكير والحركة، أصبحت الآن أكثر قدرة على إدارة تلك الوظيفة. وأضع قيودا لعدد ساعات العمل في كل يوم”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*