من خلق الكون والحياة،الله ام الصُدَفة؟


صباح ابراهيم
من خلق الكون والحياة ، الله ام الصُدَفة ؟

يقول الملحدون ان الكون ظهر من ذاته تحت قوى الطبيعة الغامضة بعملية الانفجار العظيم ، ولكنهم لم يعطوا تفسيرا من اوجد مادة الانفجار وطاقته ومن اين جاءت وما سبب التفجير ومن الذي تحكم في تكوين الجسيمات والذرات والغازات وغبار النجوم ومن اوجد قوانين الفيزياء وثوابتها الدقيقة وسيطر على استمرار بقاء الكون الى اليوم دون ان يتكرر حادث الانفجار العظيم لمرة اخرى ؟ كيف وجدت المادة والكتلة والطاقة والزمن من العدم ؟

كما يقول الملحدون واتباع نظرية التطور ان الحياة ظهرت الى الوجود تحت ضروف الصدف والعشوائية في تجمع المواد الكيميائية والاحماض الامينية في الماء مكونة اول خلية حية تنبض بالحياة بكل متطلباتها من تنفس وتغذية وافراز وانقسام وتكاثر . وتطورت تلك الخلية بعد ان وفرت الطبيعة لها كل مستلزمات البقاء والحماية من الموت او الانقراض بفعل عوامل الطبيعة القاسية . ان تلك الخلية الوحيدة التي تطورت عبر مليارت السنين الى كائنات متعددة الخلايا ، ثم اسماك ثم حيوانات برمائية ثم كائنات برية وحشرات وطيور تبيض وزواحف وثدييات تلد حتى وصلت الى مرحلة القرود الدنيا ثم العليا ، ثم القرود الشبيه بالانسان وقد انتصب عمودها الفقري لمتطلبات ضروف الحياة والجري وراء الغذاء والدفاع عن النفس بدل من تسلق الاشجار حتى وصل التطور الى ظهور الانسان النياندرتال ثم انسان كرومانيون ، و كان هذا الجنس – كما يزعمون – يشبه الإنسـان الحالي شبهاً تاماً في جميع صفاته الخارجية، فقد أكدت المجلـة العلميـة “ساينس دايجست Sciences Digest ” بأنَّ دماغ الإنسان ما زال في تناقص من حيث الحجم منذ إنسان كرومانيون، وهذا دليل على التراجع لا على التطور نحو الأفضل .

ودليل التطوريين هو ما وجدوه من هياكل عظمية وجماجم لقرود منقرضة ومستحاثات مطمورة في التراب والصخور ودراستها بالمقارنة مع بعضها البعض ومع الانسان الحديث
واستنتاج الافكار العلمية منها .

اما المتدينون والمؤمنون بوجود الله الخالق الازلي – الابدي ذو القدرة الغير محدودة على الخلق والابداع فهو من خلق الكون بكل ما فيه من نجوم ومجرات وكواكب بضمنها الارض المسكن الملائم للحياة ، وخلق عليها النباتات والحيوانات ثم كان قمة الخلق والابداع. الانسان خلقه الله على صورته ومثاله بروح ونفس وجسد و يمتلك عقلا ذكيا مفكرا ليكون سيد المخلوقات على الارض . ويستدل المؤمنون بذلك من الكتب المقدسة التي يتبعها اصحاب الديانات السماوية الثلاث . فخالق الحياة هو الله وليس الصدف والعشوائية بتصميم ذكي ومبدع .
اما كيف عرف المؤمنون الله ، فقد عرف من مخلوقاته واثاره في الكون وعجائب صنعه ودقة وثبات قوانينه الفيزيائية التي تتحكم بالكون . فالعشوائية والصدفة لا تخلق قوانينا دقيقة بنسبة تصل الى رقم عشرة مرفوع لقوة 50

ما اركز عليه في هذا المقال هو هل عامل الصدفة والعشوائية التي يستند عليها اصحاب نظرية التطور في التكوين والحياة هي بعيدة عن الكمال من قدرة خالق عظيم وحكيم مقتدر ، لم نره ولكن نستدل على وجوده من عظمة مخلوقاته وعجائب صنعه في الكون وفي انفسنا ، وفي دقة قوانينه التي بها يحكم الكون والحياة .

هل تستطيع الصُدف ان تجمع عناصر كيميائية لتكون احماض امينية معقدة التركيب تحت ضروف حرارة وشرارة برق لتكون منها خلية حية ذات غشاء يتحكم بطريقة غامضة في ادخال الغذاء واخراج الافرازات ، وذات نواة تحمل بداخلها اعقد نظام لنقل الشفرات الوراثية من الكروموسومات والدي ان اي ، مع وجود السايتوبلازم الضروري لبقاء النواة والخلية على قيد الحياة ؟

كل هذا الخلق العجيب في خلية واحدة فماذا نقول عن جسم الانسان الذي يحتوي على مليارات الخلايا المتخصصة في الشكل والوظيفة ، فخلايا الدماغ لا تشابه خلايا القلب ولا خلايا العظام تشابه خلايا الكبد ولا المعدة والامعاء والرئتين ، كل لها وظيفتها الخاصة بها .
نتسائل من وضع تلك الانظمة التخصصية لكل جزء من الجسم ؟ من خلق الغرائز في المخلوقات كالخوف والرغبة الجنسية للتكاثر والحزن والفرح ؟ هل هي نتاج التطور العشوائي ايضا ، ام قوانين الصدف هي من اوجدتها ؟ من اوعز للاشجار التسلق نحو الاعلى وانماء سيقانها باتجاه ضوء الشمس ؟ ومن علمّها طريقة صنع غذائها ورفع مياهها من الجذور الى السيقان والاوراق ضد جاذبية الارض ؟

لابد من التفكير بوجود قوة عظمى تدير الكون وخلائقه التي لا تُعد ولا تُحصى . من يضبط قوانين فيزياء الكون وثوابته ابتداءً من جسيماته وذراته وانتهاءً بمجراته ونجومه ؟
لنغور في اعماق الكون وفيزياءه الذرية والكونية ونقارن هل يمكن للصدف والعشوائية ان تخلق مثل تلك القوانين الصارمة في دقتها ام خلقت بقدرة خالق عظيم ، قدير، جبار، حكيم .

يقول علماء فيزياء الكون : الحرارة تشع من قلب النجوم المستعرة الى سطحها الخارجي عن طريق الاشعاع والحمل . اكتشف عالم فيزياء الفلك براندون كارتر نظرية البنية النجمية وهي ان في النجوم قوتان كهرومغناطيسية وقوى الجاذبية ، وان نسبة القوة الاولى للثانية قريبة للغاية من 10 مرفوعة للأس 40 ( 1040) ، وهذا رقم خيالي وكبير جدا ، فإن كانت قوة الجاذبية أقوى بقليل من القوة الكهرومغناطيسية ، فستكون النجوم كافة من النوع الناقلة للحرارة بالاشعاع . وبهذه الحالة لاتكون الفرصة متاحة لتكون الكواكب ومنها الارض التي وجدت عليها الحياة .
ولو كانت قوة الجاذبية اضعف من الكهرومغناطيسية ، فستكون كافة النجوم ناقلة للحرارة عن طريق الحمل وبهذه الحالة لن تتكون السوبرنوفا ، وفي كلتا الحالتين كانت احتمالات ظهور الحياة مستحيلة .

فهل كان عامل الصدفة هو المتحكم بين القوتين لتكوين الكواكب وايجاد الحياة ، ام قدرة خالق حكيم عليم الذي قدر كل شئ بمقدار ؟
ليجيب العقل والمنطق على هذا السؤال .

حقيقة فيزيائية أخرى تدل على الضبط الدقيق لقوانين الكون وعظمة ضابط الكون ومسيّره .
يقول عالم الفيزياء النظرية والفلكي البريطاني بول ديفيز مؤلف كتاب ( لغز ملائمة الكون للحياة) : تبلغ النسبة بين كتلة النيترون والبروتون 1.001 ، يعني ان البروتون يحمل تقريباً نفس كتلة النيترون الاثقل بنسبة 1 – 1000 فقط . هذه النسبة الضئيلة جدا لها اهميتها في تحديد نسبة الهيروجين الى الهيليوم في الكون . كما انها تمكن النيترونات الحرة من التحلل ، فاذا كانت النيترونات اخف ولو بقدر طفيف جدا فلن تتمكن من التحلل دون الاستعانة بطاقة خارجية ، ولو كانت النيترونات اخف ولو بنسبة 1 – 100 فستكون كتلتها اقل من كتلة البروتونات وسينقلب الحال وقتها ، وستتحلل البروتونات الى نيترونات و بوزيترونات ، وهذا له تداعياته على تكون ونشأة الحياة ، لأنه من دون البروتونات لن توجد ذرات ولا عناصر ولا كيمياء ، ولن تُخلق المادة المكونة لاجساد الكائنات الحية .
فمن ضبط نسبة ال (1 – 1000) بهذه الدقة لتكون عاملا مؤثرا في ملائمتها لنشأة الحياة ؟
هل هي الصدفة من تحكمت بها ام خالق مقتدر حكيم ؟

يعطينا علم فيزياء الكون مثال آخر على عظمة الخالق ومدى تحكمه في ابداع خليقته وفي موازين الكون بكل دقة .
يُغَطى اشعاع الخلفية الكوني بتموجات او اضطرابات مهمة للغاية ، اذ انها تعكس بذور البنية الكلية للكون ، هذه البذور نشأت في التفاوتات الكمية التي وقعت ابان تضخم الكون ، .Qهذه التفاوتات لهم حجم صغير ، حوالي جزء واحد في كل مائة الف جزء وتسمى
أصغر من واحد على مائة الف ، واحد على مليون مثلا فسيمنع هذا المجرات والنجوم Q لو أكبر جزء في العشرة الاف جزء أو أكثر فستكون المجرات اكثر كثافة ، Q من التكون ،لو Qوهذا سيؤدي الى المزيد من التصادمات النجمية المخلة بنظام الكواكب. واذا كان
كبيرا للغاية فسينتج عن ذلك ثقوب سوداء عملاقة بدلا من عناقيد النجوم .
فلابد ان يستقر Q في نطاق ضيق محدد متحكم به بقدرة الهية خارقة كي يسمح بتكون نجوم مستقرة طويلة العمرتسمح بتكون كواكب مثل الأرض التي نسكنها .
؟Qفهل الصدف تحكمت بالرقم
يقول الفيزيائي بول ديفيز : يمكن تشبيه الكون بألة مصممة بدقة متناهية تتحكم فيها مفاتيح
لضبطها ضبطا دقيقاً ، والا لكان الكون غير صالح للوجود وللحياة . ويضيف ، في فيزياء الجسيمات الدقيقة وهي المكونات الاصغر من الذرة يوجد عشرين مفتاح او ثابت لضبط التحكم بالذرات واجزائها .
ويحوي علم الكونيات حوالي عشرة ثوابت ومفاتيح ، اي ثلاثين ثابتا فيزيائيا تتطلب الضبط الدقيق بهامش لا يتجاوز الواحد بالمائة كي يكون الكون ملائماً للحياة . ومع ذلك هذه الحساسية الغاية في الدقة تبدو غير مهمة مقارنة بأكبر لغز يحيط بالضبط الدقيق على الاطلاق لخلق الكون والحياة واستمرارية بقاءها وهي الطاقة المظلمة .

الطاقة المظلمة هي قوة طرد او ( جاذبية مضادة ) كونية تبُعِد المجرات بعضها عن بعض بمعدل متزايد ، وهي تعمل حتى في حالة عدم وجود المادة العادية على الاطلاق .
اي ان الكون مليئ بطاقة مظلمة اي غير مرئية وما يرتبط بها من ضغط سالب ، وهذا المزيج هو ما يخلق الجاذبية المضادة .
تتنبأ ميكانيكا الكم بأنه حتى الفضاء الخاوي اي( الذي لا يحوي فوتونات ) يمتلئ بجسيمات افتراضية تحمل طاقة على غرار االجسيمات العادية وكذلك مقدار من الضغط السالب المطلوب لتوليد قوى طرد كونية من النوع الذي افترضه انشتاين .
وجد علماء الفيزياء ان القيمة المناسبة للطاقة المظلمة اقل بمقدار 10120 من قيمتها الطبيعية وذلك لأسباب يجهلونها ، ولو كان هذا المقدار 10119 وليس 10120 لما كانت هناك مجرات ولا كواكب ولا حياة .
فمن يتحكم في كل ذلك ؟ هل هو الله الضابط الكل ام قدرة الصدف والعشوائية ؟
المؤمنون يؤمنون ان الله هو الخالق الوحيد للكون وما فيه ، والملحدون يقولون انه ولد بالصدفة و لا يعرفون كيف .
فمن هو الصحيح فيهم ، القادر والمتحكم فيه الكمال والابداع ام الصدف والعشوائية ؟

الحوار المتمدن-العدد: 4911 – 2015 / 8 / 31

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*