المساج الياباني والكنز الآشوري المفقود


نعيم عبد مهلهل
المساج الياباني والكنز الآشوري المفقود

آدم يستعيد بضاعته

في عام 1971 جاءت الى العراق بعثة آثاريه يابانية برئاسة الدكتور نامي ايكامي للتحقيق والبحث عن مزاعم غرق كنز من اللقى والتحف والتماثيل الاثرية واغلبها يعود الى الحقبة الأشورية حيثُ يُعتقد انها غرقت بينما كانت محملة على زوارق كبيرة في نهر دجلة ، وتعرضت الى عاصفة ترابية عند نقطة التقاء النهرين في مدينة القرنة ، ومن بعض نوادر التعليقات وقتها قول لضابط بحرية بريطاني كُلفَ بمهمة إنقاذ الاثار الثمينة ولكنه لم يفلح وجماعته قوله :أن ادم أراد أن يستعيد بضاعته المسروقة اليه ،وهو يقصد ان الزوارق غرقت قبر مكان الشجرة المقدسة التي اسمها (شجرة آدم ).

والزوارق التي أتت من جهة الموصل في ظهيرة يوم صيفي عام 1855 ميلادية، بإرسالية يصاحبها المنقب الفرنسي يوتا وزميله فلانوان كانت محملة بقطعٍ أثرية وثيران مجنحة وكتب على شكل الواح أخذت من قصر الملك الأشوري آشور بانيبال، وهناك 235 قطعة أثرية جُلبت من قصر الملك سرجون الثاني. وقد غرقت في هذا المكان حيث القاع العميقة بسبب تلاقي النهرين، والرواية المتداولة ان الزوارق تعرضت الى عاصفة ترابية صيفية هبت على المنطقة

لكن الهمس المتداول حينها يقول أن الزوارق غرقت بسبب تعرضها الى هجماتٍ من العشائر التي تسكن ضفتي النهرين لاعتقادهم انها تحمل بضائع ثمينة مثل الملابس والمأكولات والتوابل والشاي والكماليات، ولكن الأقرب الى التفسير ما ظلت الدوائر الاستخبارية والرسمية تتداوله هو ان العشائر تعرضت الى الزوارق بسبب التحريض من الإنكليز وذلك لكرهم للفرنسيين، لأن الشحنة مرسلة الى اللوفر بإيعاز وأشراف من القنصل الفرنسي لدى الدولة العثمانية في بغداد.

يقال أن الشحنة ظلت في القاع ولا يتداول عنها سوى الحكايات التي تفترضها الأخيلة وتلفها الاساطير، ولكن الكثير من راجحي العقل كانوا يعتقدون أن الاثار الثمينة قد طمرت في القاع العميقة وأصبحت فوقها أطنان من الطمى والطين وربما الكثير من القطع الاثرية بسبب سرعة جريان النهر أثناء الفيضانات قد انزاحت الى مناطق ابعد، وليس مستغربا ان تصل بعض اللقى والإثارية الى قاع الخليج العربي.

أصبح امر هذه الشحنة مقترنا بما يشبه غرق القارة المفقودة اطلانطا بالرغم من ان بحار العالم ومحيطاته تحوي على مئات الكنوز المطورة في القيعان بسبب تحطم الكثير من السفن أثناء حروب الجيوش وسطو القراصنة ، أو بسبب العواصف والأعاصير. الذين اهتموا بالبحث عن الزوارق وحمولتها الثمينة الغارقة ، ظلوا يعتقدون ان الصناديق تحتوي آثارا لمدن أشورية وبابلية وسومرية تكفي لملء أربعة متاحف ، وأنها تمثل النتاج الفني والفكري والديني للكثير من حضارات وادي الرافدين ، لهذا اعتقدوا انها اطلاطنا أخرى غارقة لو تم العثور عليها لغيرت الكثير من مسارات البحث والنظريات وأضافت الى المقتنيات الاثرية أشياء جديدة ربما تبهر العالم بجمالها.

جاء الدكتور نامي ايكامي ببعثته اليابانية المؤلفة من باحثين وعلماء اثار ومساحين وعلماء لغات رافدينية ونصبوا معداتهم في مخيم قريب من المكان المفترض أن المراكب غرقت فيه .

قطعة اثرية

ولأشهر حاول الدكتور ايكامي أن يكتشف حتى لو قطعة اثرية واحدة تؤكد تلك الافتراضات والحكايات المتناقلة والمكتوبة عن الكنز الغارق ولاسيما ان مسوحاتهم وكشوفاتهم امتدت بطول افتراضي قدره 7 كيلومترات.

بين أعضاء البعثة كانت هناك طالبا في السنة الأخيرة من كلية الدراسات الشرقية قسم الاثار في جامعة طوكيو يدعى ميشيما يامازاكي ، كان من بين المتحمسين لمشروع البحث عن الكنز ،وكان من المعجبين بنصوص ملحمة جلجامش التي كانت واحدة من أطاريح تخرجه ، وقد قرائها بالإنكليزية قبل ان تترجم الى اليابانية ، وقد كان يحث رئيس البعثة على الصبر والبقاء وقتا أطول في رغبة منه للسماح بين الحين والأخر للذهاب الى أوروك ليطلع على ما يعتقده انه يمكن ان يكون قريبا من بطل الأسطورة السومرية ويكتسب من خيال المكان رغبته المعرفية بتعلم طرق الإيحاءات الإيمائية والطقوسية والتي يمارسها الكهنة للسيطرة على البشر ،وقد اتصل الدكتور ايكامي برئيس البعثة الألمانية في أوروك من اجل أن يعمل ميشيما معهم كمتطوع وبدون مقابل ، ولأجل مزيد من المعرفة ليومي الخميس والجمعة والسبت والأحد ليلتحق بمخيم البعثة الاثرية في القرنة.

منذ تلك الأيام خفت في ميشيما اللهفة التي كانت تسكنه هو ورجال البعثة الاثرية من اجل العثور على الكنز الغاطس في القاع الطيني ، تعلق برحلاته الأسبوعية الى أوروك التي وفر له الطريق اليها متعة مشاهدة بيئة الاهوار ، وكانت متعته الجميلة التي تسكنه هو دهشة أهل الاهوار (المعدان ) بهيئته وملامحه وهم يرون الوجه الياباني الصغير الذين لم يألفوا رؤيته من قبل ،وقد أعجبتهم براءة ابتسامته وصارت بائعات السمك على الشرائع الواقعة على ضفاف الاهوار حيث الطريق الترابي الذي يربط مدينة القرنة بمدينة الجبايش يمزحنَ معه بكلمة مستر ويطلبن منه شراء السمك ، وكان يستريح عند تلك الأمكنة وينزل من الحصان الذي يحمله مع قافلة السفر التي يستغرق سيرها نصف نهار حتى الجبايش ومنها سيركب سيارة خشبية نوع ( دوج ) ليصل بها الى الناصرية ، وفي تلك الاستراحات تشع منه فرحة غريبة ليكون قريبا من تلك الوجوه التي قرا عنها في دراسته الجامعية وأخبرته مدونات الجامعة أن هؤلاء المعدان يمكن ان يكونوا من بقايا السومريين الأوائل الذين صنعوا كل تلك الحضارة . يصل الناصرية مع حشد من المسافرين اغلبهم من النساء اللائي يحملن بضاعتهن من أواني اللبن الخاثر وصواني القيمر ليصلن الى سوق الناصرية ويبعنها بسرعة ، وأن تأخرن بتن في واحدٍ من خانات المدينة القريبة من السوق القديم ، وأن بعن بضاعتهن بسرعة عُدنَ الى الجبايش مسرعات .

كن يثقن ببراءة ضحكته وإشارات رأسه ويستأنسن اليه فيقصن عليه قصص حياتهن والبعض تتجرا وتقص عليه حكاية غرامها، وبالرغم من انه لا يفهم اغلب كلامهن ولهجتهن إلا انه يهز راسه ضاحكا ومبتسما فتعتقد النساء المعديات انه فهم لغتهن وتضامن مع همومهن.

وحده عبودي سائق السيارة الدوج الخشبية يقول لهن : لماذا انت مجنونات .هذا الياباني صنع الراديو والمروحة والصوبة النفطية والثلاجة ولم يصنع ثرثرتكن .

فترد فخرية أجمل بنات المعدان والتي اعجب ميشيما بملامحها السومرية وكان يتمنى في كل رحلة الى أوروك ان تكون فخرية من بين راكبات الباص الخشبي.

وتقول : اسكت يا عبودي دعنا نخرجَ قهر قلوبنا الى هذا الرجل الطيب .وجه يدل على انه كاتم أسرار وصندوق أمين لحفظ مافي قلوبنا من شكوى وضيم وأماني .

يرد عبودي : وانتن ألا تخافن مني لأفضحكن .؟

فترد :كلا انت اخونا وابن عمنا وأبونا .

تمضي عجلة الدوج ، وفي كل مرة ،ميشيما يسرق من وجوه جميلات المعدان هالات ضوء من تلك الفطرة الريفية الجميلة ، ومتى تشع نجوم سماء أوروك في ليل مخيم البعثة الاثرية يحاول ترتيب تلك الشموع السماوية المضيئة فوق رأسه باستقامة ، ومع ضوء كل نجمة يضع وجها من وجوه النساء اللائي يشاركنه سفره الأسبوعي من الجبايش الى مدينة الناصرية حيث يركب باصا خشبية أخرى توصله الى محطة قطار اور الذي سيصعده لمدة ساعة ونصف يصل به الى السماوة ، وهناك يصعد باصا خشبيا أخرى نوع فالفو توصله الى أوروك.أما اذا تأخر القطار عن موعد في قدومه من البصرة ، واغلب الأوقات يكون تأخره لثلاث ساعات او اكثر كما يخبرهم ناظر المحطة ، ففي تلك اللحظات يمتلك سعادة أخرى لهذا التأخر الذي يتمناه في كل وصول له الى محطة اور حيث بأمكانه استئجار حصانا من احد البيوت الطينية القريبة من المحطة ويذهب به الى الاثار القريبة من المحطة ويتجول بين الأثر حيث يستقبله الحارس الذي تعود ان يكرمه ميشيما في كل زياره بعلبتي بسكويت بطعم الحليب ماركة ( ماري ) ومعها إكرامية 3 دراهم .

حارس الاثار

يصعد الى الزقورة ، يتجول بين اقبيه مقبرة اور المقدسة ، يسجل في دفتره بمساعدة حارس الاثار الذي يتقن الإنكليزية بالرغم من انه لا يقرا ولا يكتب ، يسجل خواطر المكان وقدسيته ويتخيل شيئا من يوميات ليوناردو وولي ورجال بعثته الاثرية ، وبمساعدة الحارس يضع افتراضات أخرى عن المكان وطقوسه والأيام التي استطاع فيها وولي من نقل عشرات الصناديق من الكنوز الاثرية القديمة ، وربما بعضها تعرض الى الغرق كما حدث في الكنز المفترض الذي بحثت عنه البعثة اليابانية.يتذكر ن احد معاوني وولي كان الآثاري ماكس مالوان زوج الروائية أجاثا كريستي، الذي اتى ذات يوم عندما كان مدير للمتحف البريطاني ، وقد جاء ليحاضر في جامعة طوكيو في كلية الدراسات الشرق أوسطية وتحدث عن المكان وتأثيره الروحي والديني في الحضارة البشرية ،وتحدث أيضا ان اور كانت سببا في معرفته لزوجته وشريكة حياته الرائعة الروائية آجاثا كريستي ، عندما خاطبه وولي هامسا وكانت آجاثا وقتها تقف في اعلى الزقورة ويتطاير اطراف ثوبها الأبيض مثلَ غمامات ونوارس بيضاء قائلا له:

الليل هنا من دون امرأة لا يطاق.انا معي زوجتي كاترين ، فدع أجاثا تأتي اليك لتكون رفيقة عمرك ورفيقة لهذا الليل السومري البارد.؟

رد ماكس مالوان ضاحكا وقال :هذا شيء يخفق له قلبي بفرح.

أخبر ماكس مالوان اليابانيين في تلك المحاضرة ان زوجته آجاثا كانت تحتاج الى مساجٍ يريح أكتافها بشكل دائم لأنها كانت تقضي اليوم ولساعات عديدة وهي تكتب مسودات رواياتها الجديدة. وانه تعلم ممارسة المساج من خلال كراس مترجم عن اليابانية عنوانه: كيف تريح من معك بأصابعك. وجده في رفوف مكتبة المتحف ويبدو أن أحداً من زائري المتحف قد نسيه في المتحف ، فقرر هو ضمه الى الأرشيف الوثائقي في مكتبة المتحف ، بعد أن لم يأت احد لاسترداده ، وانه وجد فيه متعة كبيرة ويكاد يحفظه عن ظهر قلب ، وان آجاثا أخبرته ان هذا الكتيب الصغير احد اجمل هدايا حياتهم الزوجية ،ان ما فيه يريح أكتافها كثيرا من اجل الكتابة لوقت أطول. وبفضله يا ماكس تستطيع انت الأن ان تريح أي منطقة في جسدي حتى عندما تقدم بنا العمر.

كان مشيميا يتمنى ان يلحقوه ببعثة اثرية تنقب في أور ، إلا انهم اخبروه ان اول البعثات اليابانية الآثارية في العراق ستذهب الى منطقة في أعالي دجلة تسمى سد حمرين ، وعليهم ان ينقذوا آثارها قبل ان تغمرها مياه السد الذي أنشأته الدولة العراقية حديثا ،فرضي وقتها ان يلتحق بالبعثة ، فربما تمهد له العودة الى أوروك خاصة عندما اخبره ان المنطقة الاثرية في سد حمرين قد تعود آثارها وبيئتها الى عصر الوركاء. لقد اقتنعَ ان الاثار التي جاء ليجدها في مجرى النهرين ليست سوى وهم وسراب.

لقد اعتمدوا على خرافات الحكايات الشفاهية لسكان تلك المناطق من الريفيين وروجوا لها في عدة أعمدة صحفية ومقالات تم نشرها في مجلات علمية ودوريات اثرية تصدر من متاحف عديدة .

وظل ميشيما يقول لرئيس البعثة: انهم اكلوا طعم خديعة هذا الوهم ،والكنز ليس له وجود أصلا ، وينصحه بالاستعانة بذات المعدات الحديثة للذهاب الى أماكن اثرية أخرى .وحين رد عليه رئيس البعثة : ان الإنكليز والفرنسيين والألمان نهبوا كل المدن الاثرية ولم تبق سوى الطلل والخرائب .قال له : ان الأطياف الذي تأتيه في ليل أوروك عندما يكون ممدا على سطح غرفة منامه الطينية ويتأمل النجوم التي كانت تخبره أن الكثير من الاثار الذي خلفها جلجامش وأحفاده لم تزل مدفونة تحت التراب,وإن مراكب الكنز المزعوم والتي غرقت في ملتقي النهرين ، لم تكن سوى شحنات للشاي الأسود والبهارات الهندية كانت تنقله مراكب شركة الهند الشرقية من سيلان ودلهي الى بغداد ، ولم تكن فبها أي اثار مهربة .

وهكذا ظلت اور محطة للتأمل والرغبة ان يعمل فيها ميشيما ذات يوم ،بالرغم من ان أحلامه تسكن في أوروك ، حيث اعجب بجلجامش من خلال أفكار الملحمة وتفاصيل حكايته فيها إلا انه كان يشعر بسعادة كبيرة حين يعتلي الزقورة ويشم الهواء بعمق وفي الأفق تظهر أمامه ثلاث جهات ،الجهة التي فيها مخيم رفاقه قرب شواطئ التقاء النهرين وشجرة آدم والجهة الثانية أوروك حيث تلوح له جدران المعابد والبيت الطيني الكبير الذي بناه رئيس البعثة الألمانية ليكون سكنا لرجال البعثة ، اما الجهة الثالثة فكانت مدينته البعيدة طوكيو.

لكنه سيعود الي مدينته بعد سنوات ويكمل تعليمه ويراسل البعثة الألمانية مرة أخرى فيدعوه لدراسة التاريخ السومري في جامعة دوسلدورف، فيلتحق كطالب بعثه ومن بعض تطبيقات اطاريحه عن حضارة وادي الرافدين اختار أوروك لتكون عنوان أطروحته وليصاحب البعثة الألمانية مرة أخرى ، وليبقى هناك اكثر من سنتين ، حيث تعرف على المكان ولم ينسى رغبته بالزيارة اور بين الحين والأخر ،وسعد أيضا انه صادق رجلا من أهل يبيع الجبن الأبيض ومن هذا الرجل عرف لذة تناول الشاي بالريحان الذي يغمسه بالصمون والجبن .

وتلك الحكايات هي ما سيرويها الى الطالب الياباني ايشو ميزاما الذي طلب منه عدة لقاءات للاستفسار عن المكان الذي سيذهب اليه بمهمة مع القوة اليابانية التي كانت مدينة السماوة العراقية حصتها في مسك الأرض بعد ان اجتاح الأمريكان عموم ارض العراق ، ووزعوا البلاد على الجيوش المتحالفة معهم ، وكانت حصة مدينة السماوة ومدنها لقوتين عسكريتين هما الجيش الياباني والجيش الهولندي.

وقتها ضحك الدكتور ميشيما وتذكر ان اسمه هو ذات اسم الروائي المنتحر ميشيما، وقارنه بالمزاج العصبي لرجل هولندي هو الفنان فان كوخ الذي جعل صوان أذنه هو من ينتحر، وكليهما الروائي والرسام عاش مزاجا متقلبا ومرا بهزة روحية وعاطفية عنيفة ، ولكن ميشيما حسمها على طريقة الساموراي وبقر بطنه بالسيف ، بينما فان كوخ قطع صوان أذنه بشفرة حلاقة وقدمه هدية الى امرأة لم تعجب بشيء فيه سوى أذنيه اللتين بدتا كما أذني أرنب بري.

سيترك ايشو يكمل المشوار وهو من سيقص حكاية المشوار الآخر ، لقد جاء منذ شبابه الى المكان في سعي منه ليجد مراكب غاطسة في الماء منذ اكثر من مئة عام ، ولكنه ترك تلك المهمة لشعوره انهم سوف لن يجدوا حتى ختما أسطوانيا واحدا ،وانحدر جنوبا الى المكان الذي عشقه منذ ان لاحت له ظلال خطوات الملك الاوروكي تجوب طرقات العالم ، وعليه الآن ان يعلم هذا الشاب ايشو بعض أسرار المكان وتقاليده ، وان يتركه يقص تفاصيل حكايته معه يوم دلف الشقة لأول مرة وقدم نفسه ، لينصحه البروفسور ميشيما ،بقوله : عندما تختار أوروك جهة ، عليك ان تؤمن انك تبحث عن أرواح وليس عن الحجر ، ولا تغيرها بمعرفتك لطقوس يابانية وتقول لها انك خبير أطياف ومساج وهايكو ،لأنها ربما مارست المساج قبلنا بالألاف الأعوام وكتبت الهايكو قبلنا وعاشت في قراءة طالع أزمنتها ونبوءاتها على قرائي الأطياف .

وخذ معك ما كتبته من بعض فواصل هذا الحديث الطويل بيننا واجعله تعويذة ،فأنها خلاصة كل الأزمنة التي قضياها في أوروك .اقرأها وأنت تستعيد في كل رحلتك تفاصيل ما سيجري لك على لسان راوٍ أو على لسانك ، المهم انك تنجح في ان تكون مثلي تواصلت مع المكان من خلال انحناءة وابتسامة وليس من خلال بندقية ،وحين تبدا السرد لا تلتفت الى هذه المقدمة فهي لا تعنيك انت ، بل تعني من سيقرأ روايتك ليدرك مغزى حضورك هنا والاستعانة بي.وحتما ستلاقي ما هو محرج وما هو مفرح ومن بعض ماهو مفرح أنك ستسأل لي عن الطيب الحاج كاظم بائع الجبن الأبيض فأن لم تجده اسأل أصحاب الحوانيت في سوق السماوة المسقوف وحتما ستجدهم.

احكي روايتك انت عن المكان باسمك وابدأ فيها منذ بواكير وعي صباك . وانسى ان حكايتك يتقدمها هذا الفصل ، انا فقط اعرف بنفسي حتى لا تضيع مساحة الفكرة في مهمتك وحتى تكون لك أرضية تعينك في مهمتك وتبعد عنك رهبة انك ذاهب الى أوروك المدينة التي أراد فيها جلجامش ان الحياة الخالدة منحة غرام تعطيها الآلهة عن طريق السعي الى الشيء واختارته لأنه من أم كاهنة تدعى ننسون نصفها بشري ونصفها الهي.

جندي محتل

تلك الذكريات تناولها انت بطريقتكَ خاصة لأني لااريد ان أدونها دون ان اشعر ان قدماي قد غادت الى هناك، ولكني كنت في كل مرة أعود اليها كمنقب ولا اريد ان أعود اليها كجندي محتل ، لقد ملننا قساوة حروبنا في كوريا وجاوه والفلبين والصين .ينبغي الغاء تلك العصور ،وعليك ان تفكر وأنت هناك أن لا تدفع خطواتك عبر بوابات معابد اور كجندي ، قل للمكان انك تلميذا للبرفسور ميشيما ، وانك قبل ان تأتي الى هنا تناولت الجبن والشاي بالريحان من بسطية الحاج كاظم السماوي.

تفتح ابتسامة شوق وجه البرفسور ميشيما ، وقد اودع عند تلميذة تكملت لمشوار بعيد لم يصدق انه في يوم ما سيجيئ من يعيده ويستكره معه ، وسيعرج بالفرح الى أيام شجرة آدم وكيف أغرته بيئة الاهوار ومجرى النهرين العظيمين ، حتى انه تمنى ان يجيء بوذيو اليابان ليمارسوا عند هذا المكان لحظات تأمل النخيل وهي تعكس على الماء احاديث تواريخ بعضها غارق في أعماق الطين وبعضا معروضا الآن في واجهات متاحف المدن البعيدة ، لكن رئيس البعثة اخبره انهم أتوا الى هنا من اجل حدث تاريخي وليس من اجل طقس ديني ،ولايمكن حمل شجرة الكرز الى ضفاف الطين ، ومثلما أنتَ لا تستطيع اخذ النخلة الى الشتاء الياباني القاسي .هذه الأمكنة التي تختلف أزمنة العودة اليها، استذكرها البروفسور ميشيما مع فرحه أن يابانيا اخرأ سيذهب الى هناك بالرغم انه لن يذهب مع مجرفة وأدوات تنقيب ، ولكنه نصح تلميذه الذي تقدم اليه ليقول :بروفسور ميشيما انا تلميذك منذ هذه اللحظة ولأسابيع أتمنى فيها مجالستك لأعرف كل شيء عن مكان سأذهب اليه وبصحبة مدرعة عسكرية ولكني لست عسكريا انا موظفا في متحف ودرست خلال دراستي الجامعية ثلاثة كورسات عن حضارة وأثار بلاد الرافدين وفيها وجدت فصولا كثيرة عن عملك التنقيبي هناك.قال البروفسور: نعم ذهبت لأبحث عن كنز مفقود ،ولم أجده ،ولكني وجدت اثمن منه ، وجدت سحر أوروك ،ولذة الشاي معطرا بالريحان العراقي.

هذا نبت سحري لم أجد مثله في اليابان ويبدو أنَ بذوره اتى بها جلجامش عند عودته وجعلها بديلا عن عشبة الخلود التي لم يحصل عليها.

لاحقا سيعشق أيشو شرب الشاي بالريحان، وسيعيش أياما مع الليل الذي كان جلجامش ملكه ، ولكنها الآن مجرد خرائب ، وليس في مكان كنوز يمكن ان يكتشف فيها شيئا جديدا عن تاريخ المكان ، وبالرغم من هذا ، كانت هناك امرأتان تتناوبان في زيارتهما اليه ، شيء من فتنة الحس وطقوس من مساج لذيذ ، ولأنه لا يستطيع ان يديم الغرام مع اثنين على سرير طيني واحد ،فعل مثلما كان يفعل جلجامش ، يأخذ واحدة اليه، ويهب الأخرى الى خله وصديقه انكيدو.

January 16, 2018
www.azzaman.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*