أنشطة ولي العهد في الإمبراطورية الآشورية


الأستاذ المساعد الدكتور
صلاح رشيد الصالحي
تخصص تاريخ قديم

أنشطة ولي العهد في الإمبراطورية الآشورية

صورة خيالية تمثل أحد القصور الاشورية، وقد زينت القاعة بألوان زاهية وديكورات جدارية، يقف الملك في القاعة وخلفه خصي حامل مضلة أو (مهفه) وامامه يقف تورتان (جنرال في الجيش)، وعلى اليسار ثلاث كتبة أحدهما يكتب بالخط المسماري والثاني يكتب بالخط الارامي، والثالث يسجل بعض الأوامر العسكرية
بعد انتخاب ولدي العهد من قبل الملك الاشوري، وبتأييد من افراد الأسرة الملكية تقام الاحتفالات ويحضرها كبار قادة الجيش، والكهنة، والنبلاء، وحكام المقاطعات كافة، وينتقل ولي العهد ليقيم في (بيت ريدوتي) (bit ri-du-ti) فكلمة (bit) تعني (بيت) (قصر) و (riduti) تعني ولاية العهد، ويسمى بيت ريدوتي (بيت ولي العهد أو بيت الخلافة)، فهناك بيت ريدوتي في نينوى أقامه سنحاريب (سين-آخي-اريبا) (704-681) ق.م لأجل ولده اسرحدون (آشور-آخي-اديبا) (680-669) ق.م، وهناك بيت ريدوتي في تربيص شيده اسرحدون لولده آشوربانيبال (آشور-بان-ابلي)، وهناك بيت ريدوتي في مدينة آشور شيد لأجل ولي العهد (آشور-ربي-سوياشو)، وأيضا بيت ريدوتي في خرسباد شيده سرجون الاشوري (دور-شروكين) لولده ولي العهد سنحاريب، والهدف من إقامة ولي العهد في بيت ريدوتي يخضع للتدريب على شؤون الحياة السياسية والعسكرية والثقافية قبل ان يدخل القصر الملكي ليمارس النشاط السياسي والإداري، ثم تلي المرحلة الأخرى حيث يتم تعين ولي العهد حاكم على أحد أقاليم الإمبراطورية ليمارس التدريب العملي على الشؤون السياسية والعسكرية.
من أول المهام المناطة لولي العهد هو الاشراف على (صنف الاستخبارات) لأنه يقدم معلومات واسعة عن المناطق الآشورية من حيث طبيعتها الجغرافية ونشاط سكانها الاقتصادي ومدى ولائهم لسلطة آشور، كذلك معلومات حول تقاليد السكان وعاداتهم وعبادتهم ، كما أنه يوفر معلومات مشابهة عن الدول المحيطة المتربصة لبلاد آشور مثل مصر، وعيلام (شرق إيران)، ومملكة اراراتو (في شرق تركيا) ، فقد ورد في الرسائل الموجهة للملك الاشوري طبيعة النظام السياسي والعسكري لتلك الممالك، وكذلك هجرة القبائل المختلفة بين تلك الممالك ومدى تهديدها للدولة الاشورية، ولذا يعتبر هذا الصنف هو في حقيقته دائرة معارف تخدم ولي العهد مستقبلا.
يشارك ولي العهد بعد قراءة التقارير الاستخبارية بوضع الحلول اللازمة وإصدار التوجيهات إلى حكام المقاطعات وبث العيون لاستخلاص المعلومات وتحليلها، وارسال المعلومات إلى الملك مباشرة في نينوى لاطلاعه على آخر المستجدات، وبذلك يكون قد دخل دائرة الممارسة العملية للسياسة والجيش، فلدينا الكثير من الرسائل الاستخبارية المرسلة من الملك إلى ولي العهد يطلب فيها الاهتمام بهذا الصنف الحيوي، ففي رسالة من الملك اسرحدون إلى ولده شمش-شوم-اوكن (Shamash-shum-ukin) ملك بابل يقول فيها: (اكتب لي كل شيء انت تراه وتسمعه)، ورسالة أخرى من الملك اسرحدون يأمر فيها أحد ضباط الاستخبارات ويدعى آشور- اوشاليم (Ashur-Ušallim) بأن (ارسل في الحال اللاجئ مع رسول إلى ولي العهد، واذا كان لديه بعض المعلومات عليك ان تتحدث بها مع ولي العهد مع تقرير منه)، ورسالة من ولي العهد سنحاريب إلى الملك سرجون يخبره بآخر المستجدات:(إلى سيدي الملك خادمك سنحاريب الكل مع آشور عسى ان يكون سيدي الملك سعيدا، جاء حكام كموخ حاملين الضرائب..) ورسالة من ضابط الاستخبارات (آشور-ريشو) يذكر فيها بان الاخبار التي اوصلها إلى ولي العهد صحيحة وان ثلاثة قادة مع مجموعة من الجنود قتلوا في المعركة، ورسالة من ضابط الاستخبارات آشور-شاليم (Aššur-šallim) فيما يتعلق بالعمل الاستخباري في القلاع (فيما يتعلق بالحراس الذين يعملون في القلاع الحدودية اعطيتهم هذا الامر وعليهم تنفيذه، تعاونوا في واجبات الحراسة وانتبهوا إلى اللاجئين الذين يأتون من تلك المناطق… فقد وصل اثنان من اللاجئين احدهما خصي والثاني موظف أنا ارسلتهم إلى ولي العهد فلديهم معلومات قيمة..) .
ان كثرة الرسائل المتبادلة بين القصر ورجال المخابرات تعطي انطباع مدى اهتمام الاشوريين بهذا الجهاز وان الكثير من الرسائل تعود أحيانا لشخص واحد تدل على خبرته ونشاطه من جهة والمنطقة التي انيطت به بؤرة للمشاكل والتمردات من جهة أخرى، ومن أشهر ضباط الاستخبارات كوردي-آشور-لامور (Qurdi-Ashur-Lamur) وكان معاصرا للملك تجلاتبليزر الثالث ومن بعده سرجون الاشوري ومنطقة نشاطه صور (عندما تكتب بالمسمارية تسبقها مصطلح أورو (URU) بمعنى المدينة)، وصيدا (عندما تكتب بالمسمارية تسبقها علامة كور (KUR) بمعنى البلاد)، فيذكر في احدى رسائله وجود اعمال شغب ضد جامعي الضرائب فتم استدعاء جنود ايتو الارامية (Itua) لإخماد الاضطرابات، ورساله أخرى يذكر وجود اضطرابات في الولايات الصغيرة جنوب فلسطين، وفي رساله أخرى ذكر هجوم في جنوب مملكة يهوذا قام بها الايدوميون (Edomites) والفلسطينيون، وهذه الاحداث تؤرخ إلى عام (734) ق.م، وقد أشار الباحث (Saggs) بان شخصية كوردي-آشور-لامور كانت قوية في بلاد الشام.
وعندما حدث صراع بين اشوربانيبال ملك آشور واخية شمش-شوم-اوكن ملك بابل كان هناك تبادل رسائل سرية تذكر التفاصيل الدقيقة التي تجري داخل بلاط ملك بابل مما يدل بان الملك اشور بانيبال كان يعرف ما يجري داخل البلاط البابلي، والفضل يعود إلى كودور (Kudurru) حاكم الوركاء الذي كان واحدا من انشط قادة الاستخبارات، وهذا تطبيق لما ورد في رسائل ملوك آشور التي تستخدم عبارة (اكتب لي كل شيء تراه وتسمعه)، وتطلق على جيش كامل من عناصر الاستخبارات تسمية (عيون وآذان الملك) ويرتبطون إداريا بولي العهد الآشوري.

الثلاثاء, 16 كانون2/يناير 2018
algardenia

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*