أقليات أرض الجزيرة الشمالية السورية


أقليات أرض الجزيرة الشمالية السورية
عضيد جواد الخميسي

تشمل الجزيرة الشمالية، المنطقة الشرقية والشمالية الشرقية من سورية، أي محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، وبمساحة تبلغ نحو ثلث مساحة سورية، ممتدة على أراضي الجزيرة السورية وجزءاً من البادية الشامية في محافظتي الرقة وديرالزور، امتدت تلك المنطقة من الحدود التركية شمالاً والحدود العراقية شرقاً وحتى حدود محافظة حلب من الغرب ومحافظتي حماه وحمص من الجنوب الغربي.
والأرض سهلية عموماً مع بعض العوارض الجبلية التي تنتصب فوقها “امتداد جبل سنجار، جبل عبدالعزيز، وجبل قره شوك“. ويشقها نهر الفرات ورافديه الخابور والبليخ. ويعتبرالفرات ورافديه عصب الحياة لهذه المنطقة قديماً وحديثاً، فعلى ضفاف الفرات ورافديه ازدهرت حضارات وقامت مدن ما تزال أطلالها وبقاياها شاهدة على تاريخ هذه المنطقة العريقة الموغلة في القدم. تشتهر الجزيرة الشمالية بانهارها “الفرات، دجلة، الخابور، الجغجغ، والبليخ“ وكذلك بمدنها الاثرية التي تشكل حلقات وصل مهمة ما بين المدن والبلدات العراقية والمناطق السورية الممتدة على طول وعرض رقعة الجزيرة الشمالية. فمثلا، لعبت مدينة ماري الاثرية “تبعد 11 كم شمال غربي البوكمال السورية مقابل منطقة القائم العراقية” دورا مهماً في ربط بلاد ما بين النهرين بسوريا الداخلية “بلاد الشام” كما اصبحت منطقة تل براك الواقعة نحو 50 كلم جنوب غربي مدينة القامشلي “وتعني تل براك بالارامية تل السجود او التبرك والعبادة” محطة مهمة للامبراطورية الاكدية في طريق توسعها باتجاه الغرب، حيث بنى له الملك الاكدي العراقي( نارام سين) قصراً ضخماً ما زالت اثاره باقية في تل براك. وكذلك جعل الملك الاشوري( شمش) حدد احدى عواصمه في تل ليلان او كما تعرف بـ “شوبات إنليل، تبعد عن مدينة القامشلي السورية 25 كم” ولعبت ايضا الممالك الارامية كمملكة آرام النهرين، بين نهري الفرات والخابور، ومملكة بيت بخياني في تل حلف دورا ثقافياً وجسراً للتواصل مابين مناطق شرق الفرات وغربه. اما مدينة الرقة فقد كانت مركزاً مهماً من مراكز كنيسة المشرق السريانية، وفيها عقدت اهم المجاميع الكنسية كما يروي لنا المؤرخون السريان ، وعلى رقعتها تنتشر اثار الاديرة والكنائس السريانية، وفيها ايضا جامع اثري جميل وقصراً للرشيد، وظل السريان محافظين على تراثهم ولغتهم في الرقة لحين تدميرها على ايدي الشعوب التترية الوافدة “1258–1401”. وعلاوة على الميراث الرافديني الضخم والعريق في الجزيرة الفراتية، فانها تحتوي على ثروة نفطية لا بأس بها في منطقتي رميلان وديرالزور، كما انها تعتبر غنية بزراعة القطن والحنطة .

ظلت العشائر العربية التي قدمت للمنطقة في ارض الجزيرة الشمالية قبل الهيمنة الاسلامية “كقبائل طي وعقيل” محافظة على دينها المسيحي حتى مطلع القرن الثالث عشر، وهناك من يقول حتى الرابع عشر. وكان لهؤلاء مدينة تقع في حوض الخابور وهي مدينة(عربان)، ويعتقد انها ربما تكون بالاصل مدينة “باعربايا” المذكورة بالمصادر المسيحية ، والى هذه المنطقة كان مفريان منطقة تكريت العراقية ، يرسل مطارنته لخدمة القبائل العربية المسيحية لأجل تحريضها على التوطين والاستقرار في المنطقة المسماة “باعربايا” الواقعة ما بين رأس العين السورية مروراً بمدينة نصيبين “موقع القامشلي الحالي” حتى مدينة الموصل العراقية، وجنوبا كانت تمتد مساحة باعربايا ”أي ديار بني ربيعة” لتشمل اجزاء مهمة من محافظة الانبار العراقية الحالية بالقرب من حدود محافظة ديرالزور السورية.
ويقول المؤرخون ان مدينة ”عربان” كانت في الماضي منطقة آشورية تدل الاثار المكتشفة فيها على ذلك. واقام الرهبان السريان في مدينة تل تنينير صلاوتهم ورتلوا ترانيمهم باللغة السريانية الى ان دمرها الطاغية المغولي تيمورلنك ”1336–1405” اثر مروره بالمنطقة عام “1401” حيث حاول تطهير الارض من سكانها السوريون، ومن نجا من هول المذابح وحملات القتل لجأ اما الى جبال الجزيرة ”هكاري وطور عبدين وسنجار“ او الى عمق بادية الشام. ومنذ تلك الغضون حتى مطلع القرن العشرين تحولت عموم مدن وقرى الجزيرة “نصيبين، راس العين، دارا، عامودا، تنينير، عربان، ليلان، عين ديوار، بارابيتا..” الى مناطق فقيرة غاب عنها وجهها الحضاري الذي طالما اشتهرت به على مر العصور اذ تشهد الاثار وكثرة التلول الاثرية على ذلك.
وتلاشت بعد حملات المغول والتتر الهمجية الكثير من اسماء المدن والمناطق الرافدينية في سوريا وظهرت بالمقابل اسماء لمدن جديدة في مطلع القرن العشرين.
ويبدو ان القرن الثامن عشر شهد عودة مجاميع كبيرة من السكان ”الناطقين بالعربية والآرامية ” الى ربوع منطقة الجزيرة السورية بحدودها الحالية، كما قدمت للمنطقة موجة جديدة من العشائر العربية مثل شمّر، وبكارا والجبور.. واعاد هؤلاء بناء قراهم التي دمرت مثل: بيازا، ليلان، حلوا، خويتلا، تل اريون عامودا… بالقرب من مدينة القامشلي الحالية “أي نصيبين” وقرى: برابيتا وتل دارا وقصرو وغيرها بالقرب من مدبنة ديريك السورية. وان معظم العائدين من السريان تعرضوا مرة اخرى للقتل والتهجير ولكن هذه المرة على ايدي بعض العشائر الكردية القادمة من تركيا. مثلما جرى لسكان قرية حلوا السريانية “1907–1915” حيث اباد بعض الاكراد سكانها وابقوا على الاطفال الذين سبيوا ومنحوا الى حريم الاكراد لتكريدهم.
وفي ظل الاستعمار الفرنسي الذي نهج سياسة فرق تسد، قام الاكراد في عامودا سنة 1937 بارتكاب مذابح فظيعة بحق السريان مما ادى الى هجرتهم منها وبالتالي تكرديها. وايضا قاتلت العشائر العربية بعضها البعض حتى ان أفخاذاَ منهم ابيدت عن بكرة ابيها في الاربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، كما حدثت اشتباكات عنيفة ما بين العشائر العربية والكردية في منطقي عامودا والدرباسية.

بعد اتفاقية سايكس بيكو ”1916” ازدادت وتيرة تهجير السريان باعداد ضخمة واعداد مهمة من الارمن “من مناطق الجزيرة العليا السورية التي ضمت الى تركيا اثر المذابح التي ارتكبها الاتراك وبعض العشائر الكردية بحقهم” نحو الجزيرة السورية بحدودها الحالية، كما تزايد عدد الاكراد القادمين من تركيا بعد هروبهم من وجه العثمانيين اثر فشل حركاتهم المسلحة في الاستحواذ على اراضي الجزيرة العليا من ايدي الاتراك، حيث استقرت عشيرة الهفيركان الكردية في منطقة قبور الببض، وتوزعت عشيرة الدقورية الكردية في عامودا، اما عشيرة المرسنيين فقد استقرت بالقرب من مدينة القامشلي، بينما شكلت القبائل العربية والى يومنا هذا اغلبية في جنوبي الجزيرة .
واثر بروز بوادر جدية ومهمة في طريق العملية السلمية والتعايش الاخوي ما بين مختلف فئات ومكونات الجزيرة :”العرب،الاكراد،الارمن..”، اوقد السريان في الجزيرة شعلة الحضارة مرة اخرى، “كما فعلوا في عصر الاسلام الذهبي” فقاموا بتأسيس المدارس والاندية الثقافية والرياضية والاجتماعية واهتموا بالبيئة والتشجير وأدخلوا للجزيرة ادوات الزراعة والصناعة الحديثة بواسطة عائلة اصفر نجار السريانية، وشهدت المنطقة ما بين اعوام ”1948–1963” نهضة حضارية فعلية على مختلف الاصعدة والميادين وكان السريان “الى جانب الارمن” قادتها الفعليين. وشهدت الجزيرة وقتذاك الكثير من المهرجانات الرياضية والاعراس الثقافية في عموم المنطقة، ويتذكر البعض كيف قويت وتمتنت روابط المحبة والاخوة ما بين سكان الجزيرة واهل الموصل العراقية من خلال عمليات الزواج والزيارة والتجارة والمباريات الرياضية التي كانت تجري لحين اغلاق الحدود ما بين البلدين “العراق وسوريا”، وفجأة تحولت الروابط الى فراق وقطيعة وضعفت العلاقة الاخوية شيئا فشيئا ما بين أبناء منطقتي الجزيرة السورية والجزيرة العراقية، الى ان قامت اجيال جديدة لم تعد تتذكر من اواصر الاخوة الماضية شيئاً!
لكن هذا التطور الايجابي، للأسف قد تم ايقافه، هذه المرة من قبل المد القومي العروبي “البعثي والناصري” الذي سيطر على مقاليد السلطة في سوريا منذ نهاية الخمسينات. لقد اوقف هؤلاء عجلة التطور والازدهار بعد أن شنوا حملات واسعة لتعريب المنطقة بهدف طرد المسيحيين والاكراد من الجزيرة، فاصدروا قوانينا جائرة تتضمن اغلاق كافة الاندية والمدارس المسيحية في القامشلي والحسكة وديريرك والخابور، مثلما حدث لنادي الرافدين الشهير الذي تحول “فيما بعد” الى نادي الجهاد الرياضي بعد تعريب الاسم. وباتت الفرق الرياضية في سوريا منذ ذاك الحين تحمل اسماءً توحي بالعنف والقوة مثل: الفتوة، حطين، اليرموك، الجهاد، الجيش بدل ان تحمل اسماء المدن والمناطق السورية مثلما هو جاري في باقي البلدان. ولقد تعقد المشكلة اكثر، عندما التقت مصالح القوميين العروبيين والقوميين الاكراد، بمكافحة الوجود المسيحي “ربما لاسباب دينية”..
لقد تحول المسيحيون في الجزيرة الى ضحية سهلة للايديولجيات المتصارعة، مما ادى الى هجرتهم صوب مختلف اصقاع الدنيا. وكان من ابرز نتائج الهجرة من الجزيرة اختلال موازين القوى اذ حصلت تغييرات واضحة بالخارطة السكانية واللغوية التي مالت لصالح الاكراد في مدن القامشلي وقبور البيض وديريك “وسابقا في عامودا والدرباسية”

يعيش اليوم في الجزيرة السورية( قبل قيام الثورة السورية ضد النظام الحاكم) “محافظات الرقة وديرالزور والحسكة” ما يقارب الثلاثة ملايين نسمة، اغلبيتهم من العشائر العربية. ويشكل الاكراد ثلث السكان في محافظة الحسكة، ويقل وجودهم في محافظتي الرقة وديرالزور. ويبلغ تعداد المسيحيين ” الاشوريين، الكلدان، والمحلميين” في الجزيرة ما يقارب 200 الف نسمة ”الى جانب 350 الف مسيحي نزحوا الى بلاد المهجر” يتوزعون في محافظة الحسكة وخصوصا على ضفتي نهر الخابور حيث لهم ما يقارب 35 قرية، وكذلك يتواجدون في مدن القامشلي والحسكة والمالكية وقبور البيض وقلة قليلة في ديرالزور والرصافة، ويكاد ينقرضون من الريف بعد ان كان لهم فيه حضوراً مهماً. وهنالك اعداد قليلة من الارمن واليزيديين وبعض التركمان والشركس .
ان الجزيرة السورية في ظل المتغيرات السريعة التي تحصل بضغط من ابناء العم سام، وانعدام الديمقراطية، تعيش في حالة اضطراب كبير وتنامي حدة المنافسة العرقية بين سكانها: العرب والاكراد والسريان والارمن. ولقد استغلت القوى السياسية العنصرية هذه الحالة وقامت بتأجيج حالة العداء بين الناس وطرح شعارات قومية انفصالية، مثل: “لا عرب ولا سريان، هذه هي كردستان” وما يفاقم الوضع اكثر هو التدهور الشديد بالحالة الاقتصادية نتيجة تزايد السكان بشكل لا يتناسب مع المشاريع والخطط الاقتصادية المعدة من قبل الحكومة السورية. هذا عدا الاضرار الواسعة والضخمة التي الحقت بالبيئة، فقد اختفت غابات الاشجار التي كانت منتشرة بكثافة في محافظة الحسكة وتكاد تنقرض اغلبية انواع الطيور والحيوانات البرية التي كانت تشتهر بها الجزيرة، وتناقصت كذلك وبشكل مخيف موارد المياه وجفت بعض الينابيع والانهار.

اما اليوم فان تفاقم الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في انحاء الوطن السوري، والذي تجاوز مرحلة الانهيار التام للبنى التحتية والفوقية لاركان الدولة ، ليصل الى مرحلة التشتت والانقسام ، وبالتالي انعكاسه السيء والمباشر على المكونات البشرية لارض الجزيرة السورية ، لذا يصعب التخمين لما يترتب من الاوضاع في المستقبل القريب …..

المصادر
———-
اندريه جيلبرت وموريس فيفري ــــ الجزيرة السورية اقتصادياً ـــ ليون ــ 1935
روبيرت ب.بيتس ـــ الطوائف المسيحية ـــ لندن ــ 1962
دورين ارينر ــ التنمية في الشرق الاوسط ـــ لندن ــ 1960
جورج كيرك ـــ الحدود والتسوية في سوريا ـــ أكسفورد ـــ 1952
مارتن ويلمنجتون ـــ امدادات الشرق الوسط ـــ لندن ــ1971
*******************************************
الحوار المتمدن-العدد: 4612 – 2014 / 10 / 23

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*