بعض العلوم والمعارف المثيرة عند الدولة الآشورية العظيمة


بعض العلوم والمعارف المثيرة عند الدولة الآشورية العظيمة.
عضيد جواد الخميسي*

دونت الشرائع في آشور في القرن الثاني عشر او الثالث عشر قبل الميلاد . وعلى ضوء المعلومات المتوفرة، انه لم يكن بينها وبين الشرائع البابلية وجه الشبه الا فيما ندر . ويلاحظ ان قانون العقوبات في آشور كان اشد صرامةً مما في شقيقتها بابل، فالآشوري التعس التي سولت له النفس بمخالفة القانون كان عرضة لأشد أنواع العقوبات كالاعدام والبتر على اختلاف أنواعه والجلد والاشغال الشاقة في قصور الملك، والجزاء العيني وقدره وزنتان من الرصاص . أما القضايا التي تتطلب تحقيقاً فكان يناط بأمرها الى محاكم مؤلفة من حاكم البلد وبعض الأعيان فتنظر في القضية وتصدر الحكم فيها .
كان أمام الشاب النينوي ، فضلاً عن خدمة الجيش ودرس الحقوق مجال واسع للعمل في سلك الكهنوت ولسيما اذا كان ذا نزعة خاصة لمهنة الكتابة . فيجد اذ ذاك أمامه فرصاً عديدة للنجاح، فعلم الفلك وفنون الادب والدين والطب والجراحة والكيمياء الطبية والفنون العالية كالهندسة ،كل هذه كانت ميسورة الحصول للطلاب من الكهنة فلم يكن إذ ذاك خوف على تقلص ظل سلطة كهنوتهم بسبب تعمقهم في ابحاث نيرة كهذه.
كانت أول الشروط الجوهرية التي يقتضي أن تتوفر في الشاب المرشح نفسه للانتظام في سلك الكهنوت ، أن يكون كامل الجسم ( اي خالياً من العاهات والأمراض ) وكان يبتدئ اعداده بتعلمه القراءة والكتابة المتقنة بالخط المسماري على ألواح من الآجر يتمرّن عليها بقلم من عظم فيكتب في بادئ الامر قوائم طويلة من العلامات والإشارات والرموز على النسق المعين له ومتى أستوفى حظه من ذلك يأخذ في نسخ بعض فصول معينة من الكتب .
ان تعلم القراءة والكتابة لم يكن من الهنات الهينات كما يعتقد، بل كان يستغرق عدة سنين يخصص القسم الأعظم منها لإتقان الخط الجميل الدقيق الذي كان يتنافس فيه الفنانون من الكتبة ولا يزال هذا النوع من الخط باقياً على الواح دينية كثيرة وهو في الغالب دقيق جداً تكاد تتعذر قراءته دون آلة مكبرة .
وأما الخطوة الثانية في الاعداد ،هي اشتراكه في طقوس الهيكل حيث يتعلم كيفية استعطاف الإله من خلال نشاطه في المناسبات التي كان يقيمها الكهنة ويرأسها الملك في بعض الاحيان . وهناك في أجنحة الهيكل المظلمة على أصوات خوار الأبكار من البقر خارج الهيكل التي جيء بها لتقدم ذبيحة، كان يتقدم الطالب المتمرن في الحضور امام تمثال الاله الممثّل بشكل انسان أمامه مائدة تئن مما عليها من أنواع الطعام، وقاعدة تحمل ما لذّ وطاب من الشراب ومباخر عالية تفوح منها رائحة العطور المحترقة . فيتعلم الاوقات المناسبة للصلاة والركوع بحيث تلمس جبهته الارض وترتيل الأناشيد بصوت أخنّ على نغمات السنطور والقيثارة الدقيقة وقرع الطبول والرقص عند الحاجة احياناً .

(وظيفة الكاهن في نينوى)
كان عدد الكهنة كثيراً، وجميعهم من مختلف الطبقات والأجناس، فمنهم من كان من الفئة التي تمارس إزالة التحريم عن الانسان، وبعضهم من طبقة الرائين الذين كانوا يتنبأون عن المستقبل، مستقين معلوماتهم في هذا الصدد من مجموعات قديمة في قراءة الطالع أو من الحوادث الممكن وقوعها، أو من الشمس في السماء ومن بقية الحيوانات المختبئة تحت الارض . وكان من واجبات الكهنة دائماً أن ينقذوا الانسان التعس من الأمراض، أو من تأثيرات التحريم الشريرة . أما أسباب المرض عند الآشوريين فكانت كثيرة منها الأرواح الهائمة التي فقدت مأواها فحلّت في جسم انسان آخر وأخذت تعذبه، وجوقات الأبالسة التي كانوا يعتقدون فيها أنها قادرة جميعها على التسلط على الانسان من ( لابارتو ) عدو الطفولة الخاص الى الشياطين السبعة الذين جاء وصفهم في رقيّة طويلة كانت تتلى على المرضى مثل هذه التعويذة :
هم سبعة ! هم سبعة !
في أعماق البحار هم وعددهم سبعة
ليسوا ذكوراً ولا أناثاً
بل هم الريح الهائمة
لا نسوة لهم ولا يلدون الأولاد
ولا يعرفون للرحمة معنىً ولا للشفقة
كلا ولا يصغون للصلوات والتوسلات

كان الآشوريون يعتقدون بأن هناك ارواحاً غير الأبالسة والأرواح الهائمة المذكورة، نصفها إنسان ونصفها شيطان مولودة من أرواح دأبها امتصاص دماء الناس ليلاً . وعلاوة على هذا كانوا يعتقدون بأن السحرة والساحرات هم قادرون على سحر من يبغضون بالتعاويذ والعزائم وذلك بعمل تماثيل من الشمع لأعدائهم يضعون فيها شيئاً ممن يريدون سحره كشعرة منه أو قطعة من ثوبه أو بصاقه .
وهناك تعويذة تقول :
هؤلاء الذين صنعوا لي صوراً …
وجعلوها شبيهة بي
الذين قد نزعوا من شعري أو أخذوا من بصاقي
أو مزقوا من ردائي أو جمعوا الغبار المتساقط من رجلي . .. الخ

ومتى استدعي الكاهن لطرد ابليس، كان يترتب عليه أن يوصف هذا الخصم ( ابليس ) أنه يعلم أسمه وصفاته وجميع دخائل أمره، ولذا كان يتلو جدولاً طويلاً بأسماء كل الأبالسة المعروفة حتى يوهم السامعين انه شخّص الابليس وعرفه تمام المعرفة ومن ثم كان يستعين بأحد الالهة على عدوه بتلاوة طلبه موجهة الى الإله مردوخ وآيا ويصف بعدئذٍ للمصاب وصفة لشفائه استمد لها قوة فعّالة من الالهة .
ومن الطرق الشائعة في السحر الآشوري لطرد الارواح النجسة، كانت تقديم الكفارة وذلك بتقديم شخص أو شيء يرغم ابليس على الدخول اليه بعد إخراجه من المصاب .
كان الكهنة مسؤولين قبل كل شيء عن جعل مصباح الأدب منيراً ،ففضلاً عن دراستهم وأبحاثهم وتنقيبهم في المخطوطات، كانوا مكلفين بتأسيس مكتبة في الهيكل وكان البابليون الأتقياء يعدّون تقديم نسخة لهذه المكتبة اجراً وثواباً .

( المكتبات )
من المؤكد أنه وجود مكتبة في هيكل ( نبو ) في نينوى، ولا بد أن آشور بانيبال المولع بحب الكتب كان يمدّها بالمؤلفات في أيامها الاخيرة .

اننا نجد آثار أول استقراء لكهنة نينوى في العلم أساس كل اكتشاف صحيح في المعاجم البابلية القديمة التي يرجع عهدها للألف الرابع قبل الميلاد، وهذه المعاجم تحتوي على مفردات أسماء الآلهة والموظفين الرسميين وسائر الاشياء التي لها علاقة بالحياة اليومية، وهي من مؤلفات كتّاب مدينة شوروباك . ان هذه المقدرة على تبويب المفردات ووضع التحديدات الصحيحة لها لهي دليل قاطع على همّة عالية ولدت فيهم تدريجياً ملكة الملاحظة الدقيقة في البحوث والتجارب العلمية فوضعوا التعابير الدقيقة المختصرة في نتاجاتهم الأدبية وخاصة في الصكوك الرسمية .
والحق يقال أن وضع المعاجم في أيام المتأخرين من ملوك بابل وآشور بلغ ذروة رفيعة يصحّ معها أن ندعو هذا العمل [ وضع المعاجم ] ولعاً هام به سكان الرافدين، ولم يكن لإحدى الامم المعاصرة هذا الولع قط ،والسبب الاساسي لهذه الميزة هو بلا شك وجود شعبين ممتازين في جوار واحد ،هما شعبي نينوى وبابل .

ان حاجة الساميين لكتب اللغة والقواميس لم تكن في عهد إزدهار اللغة السومرية فحسب، بل بعد انقراضها وتلاشيها أيضاً، فقد شعروا اذ ذاك بضرورة المعاجم لكي يستعينوا بها على نقل بقايا هذه اللغة وذلك لان الساميين كانوا مدينين للسومريين في آدابهم الدينية، وقد بقيت هذه المعاجم ذا اهمية حتى أواخر الخط المسماري، فكان تقديم قاموس للهيكل يعد هدية نفيسة جداً .
وكان من بين هذه القواميس كل أنواع مؤلفات اللغويين، منها معاجم في اللغتين السامية والسومرية، وكتب الجمل والاصطلاحات في اللغتين ،وكتب المرادفات في اللغة الأكدية السامية، وبعض الأحيان قواميس في اللغات الأجنبية كالحيثية والكوسية والمصرية مع تفاسير أكدية، وهناك جداول تتضمن أسماء الآلهة والهياكل والكواكب والبلاد، والمصنوعات المعدنية والخشبية والنسيجية . وأهم ما ذكر القوائم التي تزخر بأسماء الحيوانات والنباتات والاحجار .

(العلوم الطبيعية)
قوائم ( الحيوانات والنباتات والاحجار ) تهمنا بنوع خاص لعلاقتها بالعلوم الآشورية . فقوائم الحيوانات مقسّمة الى فصائل من الوحوش والطيور والأسماك والافاعي والحشرات، والقوائم الحجرية تحتوي على كثير من التراكيب الكيماوية نجد معظمها في رسائل الطب ورسائل صنع الزجاج، وأكبر هذه القوائم قائمة النباتات الدالّة على معرفة واسعة في المحاصيل الزراعية .
توجد في المتحف البريطاني 120 قطعة من هذه القوائم النباتية من بقايا مكتبة آشور بانيبال، وقطعتان اخريتان اقدم عهداً من هذه القطع تُرينا أن علماء الآشوريين رتبوا أسماء النباتات عندهم في نظام ثابت واحد أو نظامين على الاكثر . وهذا اذا اعتبرت بعض الاختلافات بين مختلف القوائم، ومن المعلوم أن تصنيفهم للنوع والفصيلة كان غير التصنيف الحالي ، ومهما يكن من أمر ، فإن اسلوب قوائمهم لها يدعو الى الاعجاب اذ تراهم يبدأون اولاً ( وبدايتهم صحيحة) ، بالاعشاب والقصب وفصائل الحليبة ومن ثم تأتي البلبلة في ترتيبهم، فترى مثلاً فصيلة الخيار والخشخاش مصنفة تحت مسمى واحد . ويرجح السبب في ذلك، وجود علامتين متشابهتين في بدء أسـم كل منهما وهي تعرف في الخط المسماري بعلامة ( خول ) . ويبلغ عدد الأسماء التي وضعها الآشوريين للمملكة النباتية 300 اسم على وجه التقريب .

( الطبابة والادوية )
المؤلفات الطبية ،كانت تتألف من مئات من قطع الآجر تحتوي على عدد كبير من الوصفات الطبية مع وصف مسهب للأمراض، يتلو ذلك تعليمات عن كيفية معالجة هذه الامراض مثال ذلك :
اذ تألمت العين من الرشح تداوى بمسحوق قشر الرمان ، ولإلتهابها يستعمل شحار القدر ، وجرب الرأس يعالج بالكبريت المسحوق في زيت شجر الارز . هذه جميعها أمثلة من الوفٍ من تلك الوصفات الطبية للأمراض المختلفة من لسعة العقرب الى عسر الولادة .
ويلاحظ أن الطبيب الآشوري لم يكن قادراً على التخلص من السحر في مزاولته لمهنته، اذ قلما نجد كتاباً في الطب مهما كان نوعه دون أن يحتوي على رقىً وتعاويذ كانت تعد ضرورية للشفاء .

( الكيمياء )
وكما في الطب نفس الامر في الكيمياء العملية ، كان يتحتم على من يحترفها أن يتعلم فروعاً أخرى في العلم . فكان يجب عليه : ( اولاً ) أن يكون كاهناً يدفع آفات الارواح النجسة عن تراكيبه . ( ثانياً ) أن يكون جيولوجياً لمعرفة أنواع الأتربة والمواد المستخرجة منها اللازمة لتراكيبه الكيماوية . ( ثالثاً ) أن يكون ذا خبرة في العقاقير وخاصةً السموم منها . ( رابعاً ) أن يكون فوق كل شيء فناناً لتهيئة الطلاء بألوانه المختلفة .

( الجيولوجيا )
كان الآشوري يقرأ الكيمياء على الكهنة في الهيكل وفي كتب الهيكل وقواميسه، ومنها كان يقتبس معلومات غنية عن الخصائص الجيولوجية للحجارة . وكان يعرف أنواع الحجارة من ألوانها وصلابتها ، فيميز الياقوت من لونه الأحمر، واللازورد من زرقته ، وحجر الكلس من لونه الأبيض وصلابته المتوسطة، وحجر الحية من هيئته ولونه . وقد تمكن من معرفة طريقة أخرى لتمييزها، وذلك بصب بعض الحوامض على الحجارة فيحكم اذ ذاك على نوعها من الفوران الذي تحدثه هذه الحوامض في بعضها . وفضلاً عن هذا فقد عرف كيفية الحصول على الزئبق من الأماكن المجاورة لآبار البترول الواقعة قرب كركوك .
جميع هذه المعلومات والفوائد كان يتعلمها الكيماوي من الكتب ليستعين بها في صنع الزجاج وتلوينه بألوان قرمزية أو زرقاء جميلة للغاية لا يزال التاريخ ينسب اكتشافها الى أمم قامت بعد الآشورين .

( الرياضيات)
استهوت العلوم الرياضية سكان ما بين النهرين منذ أقدم العصور التاريخية، وليس ذلك بالأمر الغريب في شعب كرّس اهتمامه للرقابة الجوية والمساحات الارضية . فكان الطالب في صدر التاريخ البابلي يجد أمامه كتباً بالخط المسماري تتضمن جداول في الضرب وما أشبه، وفي العصر الذي تلا فجر التاريخ البابلي أصبح لديه جداول في استخراج الجذر التربيعي والتكعيبي، ومعظم هذه الجداول نقشت على الواح يرجع تاريخها الى الاسرة الثالثة في مملكة اور ( سنة 2400 ق. م ) .
والى هذا التاريخ ( سنة 2400 ق. م ) يرجع الزمن الذي فيه تمكن رياضيوا بابل من إيجاد مساحة شكل متوازي الاضلاع ببراعة فائقة ونحو سنة 2200 ق. م استطاعوا ايضاً أن يضعوا قاعدة لإيجاد الزاوية القائمة في شكل المثلث القائم( نظرية فيثاغورس) ، وان يتوصلوا الى ايجاد الكثير من الحلول الجبرية والهندسية .

( الفلك)
ولا نكاد نصل الى القرن السابع ق. م حتى تتضاءل المعلومات عن الرياضيات عند الآشوريين وتزداد المعرفة بعلم الفلك عندهم . ان علم الفلك لم يكن قد تجاوز حتى ذلك العهد حدود التنجيم عند الفلكيين الآشوريين ،غير أنه لم تتم الاستفادة العملية من هذا العلم . كتقرير طول الشهر القمري وبالتالي طول السنة القمرية للتوفيق بينها وبين السنة الشمسية، اذ عرفوا الفرق بين السنتين منذ عصور قديمة . فكان من واجبات المراصد الآشورية أن تقرر طول الشهر القمري فيما اذا كانت ايامه 29 او 30 وتبلغ ذلك شهرياً الى البلاط الملكي وقد اخترعوا فيما بعد طريقة عجيبة لتقدير أيام الشهر مقدماً، وذلك من مراقبة مراكز الشمس والقمر وملاحظة النسبة بينهما . ومن مخترعات الآشوريين الفلكية النظام الستيني المشهور الذي لا يزال مستعملاً الى يومنا في تقسيم الأوقات والساعة المائية والساعة الشمسية (المزولة) ..

( العقائد )
لم تؤثر الحقائق والأبحاث العملية في عقائد اللاهوتيين البابليين قط لأنهم لم يجدوا شيئاً يخالف قواعد دينهم في ما وصلوا اليه في ابحاثهم العملية حتى يفصلوا الدين عن العلم بل كان العلم والدين في نظرهم شيئين متفقين لا تناقض بينهما ، وهذا ما جعلهم لا شك ان يتمسكوا بعقائدهم تمسكاً شديداً ،أضف الى ذلك ميلهم الفطري الى الاحتفاظ بالقديم . وما قلنا عن البابليين القدماء يصدق ايضاً عن الآشوريين في القرن السابع والسادس ق . م وعن البابليين الذين قاموا بعد سقوط الآشوريين . وكان البابلي والآشوري يعتقدان في الأجرام السماوية التي كانا يرصدانها بإهتمام زائد قصد الوقوف على مشيئة الآلهة ، ان الآلهة وضعتها في مراكزها وسنت لها نظام حركتها .

( الخليقة )
معلومات الآشوري عن الخليقة فكان يستقيها من القصص التي أورثته إياها التقاليد، أجدرها بالذكر الرواية العظيمة المنقوشة على سبعة الواح وكان يسلم بصحتها دون ادنى شك او ريب، وهذه الاساطير أخذت في الأصل عن البابليين وهناك أسطورة عن الخليقة والتي صورها الاسلاف كما يلي ـــ في البدء لم تكن السموات ولا الارض قد خلقت بعد ، ولم يكن من خلائق سوى ايسو ( البحر ) وطيمات ( الوحش الهائل ) زوجته وموّمو خادمهما . وهذان الأولان ولدا الإلهين ( لخمو ) و ( لخامو ) اللذين ولدا ( انشار ) و ( قيشار ) وهذان ولدا ( انو ) إله السماء الذي صار اباً ( لإيا ) إله الارض وما تحتها . غير أن هؤلاء الآلهة أزعجوا جدهم الأعلى ( ايسو ) حتى انه تآمر مع زوجته ( طيمات ) على إبادتهم . اما طيمات فلم توافق على أهلاك أحفادها بينما ( مومّو ) شجع ( ايسو ) على المضي في تنفيذ خطته الشريرة ، ووصل الامر باسماع إيا فثار ثائره والقى بقوة سحره سباتاً عميقاً على ايسو وقتله وأوثق مومو وسجنه وفي هذا الزمان ولد الإله ” مردوخ ” من إيا ( على رأي البابليين ) او آشور من لخمو ( على رأي الآشوريين ) .
ولما رأت طيمات ما حلّ بزوجها فكرت بالانتقام وبهذه النيّة ولدت وحوشاً مختلفة وسلطّت عليهم ” كنغو ” واستعدت لمحاربة الآلهة ولما بلغ الأمر مسامع إيا اضطرب جداً وراح يستعين بانشار الذي اشار عليه بمنازلة الوحش، ولكنه لم يجسر على ذلك فطلب انشار الى ولده انو ان يذهب لمقاتلة الوحش وهذا ايضاً رجع هائماً مذعوراً من هول منظرها . وأخيراً كلف مردوخ بالأمر فرضي بذلك مسروراً، وقاتل الوحش الهائل طيمات وقتلها وأسّر كنغو . ومن هنا تبتدئ الخليقة اذ فسخ انو الوحش الى قطعتين وجعل من الأولى السموات ومن الأخرى الأرض وسنّ نظاماً للأجرام السماوية وحركتها وللأوقات . ثم ذبح كنغو الشرير وأتخذ دمه لخلق البشر ليكونوا خداماً للآلهة ــــــ .
ومما تجدر الاشارة ، الى ان هذه الاسطورة الرافدينية ، تشبه الى حد بعيد اساطير الخليقة عند الكثير من الاديان ، قصة خلق ادم وحواء وولديهما ،هابيل وقابيل ،وكذلك الامر للديانتين الزرادشية والمانوية ، وعن القتال الذي يحصل بين قوى الخير والشر ، وبالتالي تنتهي نهاية سعيدة ،بانتصار الخير على الشر ، كما اريد لها ان تنتهي .
هذا كان اعتقاد الآشوري القديم في تكوين العالم، ولم يكن يرى في اعتقاده ادنى باعث للشك او الريبة . وقد جاء عن السموات في كتب اخرى تبحث عن الخليقة أنها مؤلفة من ثلاث طبقات فوق الارض المسطحة المحاطة بمياه البحر ووراء هذا البحر سد شاهق من الجبال تحيط به وعلى هذه الجبال ترتكز السماء . وفي الجهة الشرقية من هذه الجبال باب تخرج منه الشمس كل صباح في رحلتها نحو المغرب . وتحت الأرض عالم سفلي مظلم كريه حيث مساكن الموتى المسورة بسبعة أسوار .
ورغماً عن هذه العقليّة المحدودة في الاعتقادات ، فقد بدأ الآشوريين بوضع علم الفلك على أسس علمية ثابتة وان كانت معظم استفادتهم منه تنجيمية بحتة . وعرفوا سيارات سبع وهي كما يأتي : الشمس والقمر والزهرة والمشتري وعطارد والمريخ وزحل واستطاعوا أن يعرفوا أوقات خسوف القمر، وقسّموا منطقة البروج الى اثني عشر برجاً تكاد تكون نفس الأقسام المعروفة اليوم، ورصدوا الزهرة بإهتمام وسجّلوا وجود الكواكب في هالات القمر .

كما يرى في هؤلاء الساميين ولاءً بالغاً لآلهتهم ، إخلاصاً لجنسـهم اكثر مما لوطنهم ، لطفاً وامانةً لعيالهم وذويهم ، كفاءة عظيمة في الصناعة والتجارة ، وشجاعة حكيمة في الحرب وتقديراً كبيراً للموسيقى والشعر وتبصراً في جميع أعمالهم .
اما الآراء الفلسفية والنظريات في العلوم غير المادية فلم يكن لها هوىً في نفوسهم ولم يأبهوا كثيراً للابتكارات الفكرية ولم يكونوا على استعداد لقبول آراء جديدة في الدين اللهم اذا كان هنالك أساطير يمكن نسبتها لآلهتهم.
ومع أنهم كانوا يطلقون الحرية لأنفسهم في ترجمة الأشعار القصصية عن الأبطال، نراهم شديدي الحرص والتحفظ عند استنساخهم طقوسهم الدينية القديمة وبذلك كانوا يضربون نطاقاً منيعاً حول هذه العقائد التي كانت بحاجة شديدة الى أصحاب أدمغة نيّرة ينقّحونها من الأوهام والخزعبلات المتحدّرة اليها من تصورات العصور المتوغلة في الهمجية . وهذه الأوهام علقت بأذهان نسلهم حتى أصبحت عقائد راسخة لا تقاوم يعاضدها كهنوت متصلب في الرأي والعقيدة .

مع هذا كله ورغماً عن شدّة الاحتفاظ بالقديم التي أتسم بها كثير من الشعوب الشرقية، فالساميون بقوة ملاحظتهم الدقيقة تمكنوا من كشف كثير من أسرار الطبيعة ،وأننا اليوم مدينون لهم بأشياء كثيرة حملتها الينا قوافلهم ….

المصادر
—————————————————————-
البرت كيرك كيرسون ـــ الكتابات الملكية ــ ـلندن ــ 1972
آن آربورــ مراسلات الامبراطورية الآشورية ـــ لندن ـــ1965
د.جورج ــ ب ــ سيغال ــ الآشوريون ــ نيويورك ــ 1961
النشرة الدورية لمعهد الدراسات الشرقية والافريقية ــ لندن.
*******************************************
الحوار المتمدن-العدد: 4592 – 2014 / 10 / 3

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*