الدبلوماسية الاشورية في عصر العمارنة


الأستاذ المساعد الدكتور صلاح رشيد الصالحي
تخصص تاريخ قديم
الدبلوماسية الاشورية في عصر العمارنة

8 كانون الأول ديسمبر 2017
www.nala4u.com

عثر في القرن الماضي على مجموعة من الرسائل في تل العمارنة (الاسم القديم أخت آتون) في مصر، واعتبرت أرشيف وزارة الخارجية المصرية في عهد امنحوتب الرابع (اخناتون) (نفر خبر رع – عنخ إن ناعت) (Akhenaten) (1370-1352) ق.م فرعون مصر أحد ملوك الأسرة الثامنة عشر المصرية، ومن بين الرسائل المكتشفة رسالتين من آشور اوبالط الأول (أشر-أبلط) (Aššur-uballit) (1365–1330) ق.م ملك آشور أرسلت إلى أخية امنحت الرابع (اخناتون) واللغة الرسالتين هي الأكدية التي كانت لغة المراسلات في عصر العمارنة ، وكانت المملكة الآشورية في وقتها قد استقلت عن التبعية لمملكة ميتاني (بالأشوري خانيكالبات وعاصمتها واشكاني واتساع مملكة ميتاني من ارابخا (كركوك) في الشرق إلى حلب في الغرب والى شمال جبال طوروس)، وجاء في مضمون الرسالتين التي اعطي لهما تسلسل (15) و (16) ما يلي:

1- (عمارنة 15): من أشور-أوبالط إلى امنحتب الرابع، عنوان الرسالة (آشور تنضم إلى الساحة الدولية):

قل لملك مصر، يقول ملك آشور، لك، ولأسرتك، وبلادك، وعرباتك وقواتك، عسى الجميع بخير.

(7-15) أنا أرسلت مبعوثي لزيارتك ويرى بلادك، منذ القدم وحتى الآن، لم يكتب أسلافي، اليوم، أنا أكتب لك، أنا أرسلت هدية (1) عربة خشبية جميلة، وحصانين، وجوهرة واحدة من اللازورد الحقيقي.

(16-22) لا تؤخر رسولي الذي أرسلته لزيارتك، فهو سوف يراك ويعود، اتركه يطلع على أحوالك وبلادك وبعدها يعود إلى هنا.

(التعليقات):

حقق أشور-أبالط استقلال دولته عن السيادة الميتانية، وأراد أن يعلن إنجازه العظيم لملوك الدول العظمى، عبر تبادل الرسائل فهي مرحلة جديدة من العلاقات الدبلوماسية مع الملوك المساوين له بالمرتبة فأتخذ لقب (الملك العظيم)، وكانت هذه الرسالة هي الأولى التي أرسلها إلى الفرعون يطلب منه الاعتراف به والحصول على نصيبه من الذهب المصري اسوة بملوك ميتاني، وبابل، وحاتتي، وحمل السطر الأخير رغبته في معرفة مصر، واحوالها، وشخصية الفرعون، وطريقة حكمه، وعادات مصر(m[i-iṣ-ṣa-ri]).

2- (عمارنة 16): من أشور-أوبالط إلى امنحتب الرابع، عنوان الرسالة (الدافع هو الربح):

قل إلى نافخوروريا Nefer-khepru-re)) (بمعنى اخناتون)، الملك العظيم، ملك مصر، أخي، هكذا يقول أشر-أبلط، ملك آشور، الملك العظيم، أخوك، لك، ولأسرتك، وبلادك، عسى الجميع بخير.

(6-8) عندما رأيت رسلك فرحت بهم كثيرا، وبالتأكيد سيقيمون معي في موضع الاهتمام الكبير.

(9-12) أنا أرسلت هدية (1) عربة ملكية (ممتازة) مع عدتها، و (1) زوج من الخيول البيضاء، (1) عربة بدون عدتها، (1) ختم من حجر اللازورد.

(13-18) هل مثل هذه الهدية من ملك عظيم؟ في بلادك الذهب مثل التراب، يجمعه الشخص بسهولة، لماذا أنت بخيل به؟ أنا مرتبط حاليا ببناء قصر جديد، أرسل لي ذهبا أكثر لأني احتاجه لتزين القصر.

(19-21) عندما سلفي آشور-نادن-آخي ahhi)-nadin-(Aŝŝur، كتب إلى مصر، أرسلَ له (20) طالنت من الذهب.

(22-25) عندما كتب ملك خانيكلبات (Hanigalbat) إلى أبيك في مصر، أرسل له (ابيك) (20) طالنت من الذهب.

(26-31) الآن أنا مساوي لملك خانيكلبات، لكن أنت أرسلت لي (…) من الذهب، وهي ليست كمية كافية لدفع أجور رسلي في سفرتهم ذهابا وإيابا.

(32-34) إذا كان هدفك كرم الصداقة، أرسل لي ذهبا أكثر، وهنا بيتك، اكتب لي ماذا ترغب، وسوف أرسله لك.

(35-36) نحن بلدان بعيدة عن بعضنا البعض، ويكون الرسل دائما في حالة المسيرة ومعهم فقط النتائج؟

(37-42) أما بالنسبة إلى رسلك الذين تأخروا في الطريق، لان السوتيين (Suteans) قاموا بتهديدهم بالموت، فأرسلت قوة جعلت السوتيين يخافون ويسلمون أنفسهم لي؟ بالتأكيد سفرائي لم يتأخروا في قدومهم لي.

(43-55) لماذا يجب على الرسل البقاء في الخارج تحت أشعة الشمس ولذا يموتون تحت الشمس؟ إذا كان بقائهم تحت أشعة الشمس فائدة للملك، إذن اتركه (بمعنى الرسول) يبقى في الخارج واتركه يموت هناك تحت الشمس، و(لكن) لأجل الملك نفسه يجب أن يكون هناك فائدة، لماذا يموتون تحت الشمس الحارقة؟ بالنسبة إلى الرسل نحن تبادلنا (…) هل هم يحافظون على حياة رسلي؟ هل خلقوا ليموتوا تحت الشمس!

التعليقات

1- تبادل الهدايا بين البلدين وقد دعيت (شولمانو) (Šulmanu) ومعناها هدايا للمبادرة بعلاقات ودية مع توقع شيء بالمقابل لان (شولمانو) هي مقدمة لتبادل تجاري فضلا عن علاقات سياسية، مع ملاحظة مكانة الملك الآشوري لا تقل عن منزلة ملك ميتاني كما في رسالة أشر-أبلط (أنا في منزله مساوية مع ملك خانيكلبات، لكن أنت أرسلت لي (…) من الذهب، وهذه ليست كمية كافية لدفع أجور رسلي في سفرتهم ذهابا وإيابا) لسوء الحظ كمية الذهب التي أرسلها امنحتب الرابع فيها تشوه يصعب تحديد كميتها، كما استخدمت آشور وميتاني تعبير محدد في رسائلهم بان (الذهب كثير مثل التراب في مصر) كما هو واضح في الرسالة الآشورية (في بلادك الذهب مثل التراب، يجمعه الشخص بسهولة، لماذا أنت بخيل به؟) نص العبارة 🙁 hurasu ina matika epiru su) وبنفس الصيغة عبر بها الملك الميتاني ammini ina ineka isahhur))، والشكوى في زيادة الذهب هو لغرض تزين القصر الملكي الجديد في آشور (ekalla eššeta)، وكان آشوراوبالط فقد كان صادقا عندما ذكر بان كمية الذهب التي أرسلها الفرعون غير كافية لدفع أجور المبعوثين في رحلتهم بين آشور وطيبة ، ولابد أن نضع في اعتبارنا بان كميات الذهب التي يرسلها الفرعون هي في حقيقتها هدية صداقه وليست جزية لكنها في نفس الوقت هي أداة ضغط بيد الملك المصري على ملوك العظام الذين يفتقدون إلى هذا المعدن الثمين.

2- ورد اسم قبائل السوتي (Suti) وهؤلاء منتشرين بين بلاد الرافدين وسوريا وفلسطين ومع ذلك لم يخضعوا لسلطه معينه بقدر تبعيتهم إلى رؤساء قبائلهم، ويمتهنون الرعي والإغارة على القوافل التجارية المارة عبر طريق الفرات لتسلب أو تفرض ضرائب على التجار، الملك الآشوري وعلى الأكثر بعث قوة عسكرية ضربت مجموعة منهم لكن لم تلغي وجودهم، على ما يبدو أراد آشور-اوبالط الأول إثبات قوته العسكرية أمام اخناتون!

3- يظهر هناك شكوى قدمها المبعوثين الآشوريين إلى أشور-أوبالط، حول إجبارهم بالبقاء تحت أشعة الشمس في العاصمة تل العمارنة، وهذا فيه إرهاق لهم أو يسبب لهم ضربة شمس قاتلة للبعض منهم، ولهذا يتساءل الملك الآشوري ما هي الفائدة من بقاء المبعوثين تحت الشمس الحارقة؟ اعتقد بأن حاكم مصر كان يجبر المبعوثين الآشوريين لتقديس الإله المصري الجديد (آتون الذي صور بهيئة قرص الشمس) بوقوفهم فترة طويلة تحت أشعة الشمس، وهذا التصرف المصري يضع الملك الآشوري في موقف ضعيف أمام مبعوثيه.

4- من خلال الرسالة (عمارنة 16) يظهر بوجود اتصالات بين آشور ومصر تعود إلى عهد آشور-نادن-آخي الثاني (Ashur-nadin-ahhe) (1390-1361) ق.م، وحسب قائمة ملوك آشور فهو جد آشور اوبالط الأول، وحصل على (20) طالنت من الذهب (ما يعادل 600 كيلو غرام من الذهب) وهي هدية غالية الثمن من امنحوتب الثالث إذا اعتبرناها عربون صداقة آشورية – مصرية، أو على الأرجح هذه الكمية الكبيرة من الذهب هي مهر للعروس الاشورية التي تزوجها امنحوتب الثالث والتي لا نعرف اسمها الاشوري ولا حتى الاسم المصري.

بغداد 2017

3 تعليقات على “الدبلوماسية الاشورية في عصر العمارنة”

    1. الاستاذ الفاضل ميشيل المحترم
      تحية طيبة
      اشكرك جزيل الشكر على نشر المقالة واتمنى ان نبقى جميعا على حب العراق واهله بكل مكوناته ويكون منبركم عاليا ومجالا لنشر العلوم والاداب وفي كافة الاختصاصات ….
      مع خالص تحياتي
      صلاح الصالحي

  1. جزيل الشكر للأستاذ الدكتور صلاح رشيد الصالحي … المحترم
    على وساعة علمه أولاً والمعلومات العظيمة التي ذكرها عن المملكة الآشورية وعلاقة ملوكها بملوك المملكة الفرعونية التي قدمها للعالم ولنا على طبق من ذهب متمنياً له
    كل التوفيق في حياته العملية بالذات البحوث منها . فيمالله

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*