هذه كانت حياة يهود بغداد


مايزال يحتفظ ديفيد دانغور بما يسميه “الحقيبة الذهنية” المعبئة بالذاكرة والشوق لوطنٍ غادره قبل أكثر من نصف قرن.

الوالد البالغ من العمر 68 عاماً، يعيش في ولاية ست جونز في لندن، وهو من السكان اليهود المنفيين من العراق. فر من بلاده مع عائلته وهو يبلغ من العمر عشر سنوات في عام 1959، ولم يتمكن من العودة بعد.

توفي والده السير نعيم دنغور قبل عامين، حضر السفير العراقي مراسيم الجنازة من جانب الاحترام، تشجع الأبن لسؤال السفير العراقي بإمكانية العودة الى بلاده الام لرؤيتها، فجاء الجواب “ليس بعد”.

قصة اليهود في العراق يعود تاريخها الى 2500 سنة، وسرعة هائلة، اجبروا الى ترك وطنهم والتخلي عنه بعد نهاية الحرب الثانية وخلق دولة اسرائيل التي لاتزال غير مرحب بها بنظر العراقيين اليهود.

وقبل قرن من الزمان حين غزا البريطانيون العراق التي كانت تعرف حينذاك ببلاد ما بين النهرين، كان ثلث سكان بغداد البالغ عددهم 200 الف نسمة من اليهود. اليوم المدينة لايزال هناك فيها خمسة يهود عراقيين فقط.

وبالنظر لقصة ما حدث ليهود العراق من خلال فيلم وثائقي جديد، عُرض هذا الشهر، يعرض صوراً وقصصاً عديدة لعائلات يهودية بارزة، بما فيها عائلة دانغور الذين اجبروا على الفرار من العراق وانتهى بهم المطاف في بريطانيا، حيث يحاولون اعادة بناء مجتمعهم المترابط.

بجانب ديفيد دانغور في شمال لندن، يعيش ديفيد شمش الذي كانت عائلته من بين آخر عائلة تركت العراق عام 1970 حين فرت بإتجاه الجبال نحو ايران.

وفي شقة قريبة، حيث ديفيد خلاستشي البالغ من العمر 91 عاماً، يطل على حديقة ريجنت. يقول خلاستشي “افتقد تلك العصور القديمة العظيمة، كانت كأنها الجنة، لكن لقد فات الأوان الآن، وبالنسبة لي، كنت آمل ان تتمكن بناتي يوماً ما من رؤية العراق”.

يعرض الفيلم احتفالاً وهو مرور الذكرى المئوية لاحتلال بريطانيا للعراق، وكيف أن وزير الخارجية البريطانية آرثر بلفور اعلن قبل 100 عام دعم وانشاء دولة اسرائيل على حساب الفلسطينيين.

وقبل وصول البريطانيين الى العراق، حكمت الامبراطورية العثمانية منذ عام 1517 العراق، وكان اليهود والعرب في تعايش سلمي لعدة قرون. وداخل حدود مدينة بابل، حيث جاء اليهود بعد نفيهم الأول من القدس، لاسيما أن العراق هو مسقط رأس ابراهيم.

وكانت الحياة التي عاشتها العائلات اليهودية في بغداد هي عالم بعيد عن العنف والمذابح، ففي منتصف القرن العشرين، كانت العاصمة العراقية، مزدهرة وسكانها يسعون الى المتعة. ويتذكر دانغور كيف كانت النزهات على ضفاف نهر دجلة وكيف يشاهد الناس من أسطح منازلهم سهرات العائلات. وكان والدا دنغور من أعيان المشهد الاجتماعي في بغداد، كما أن والدته كانت اول ملكة جمال بغداد في عام 1947.

ويتتبع دانغور جذور عائلته في العراق مرة اخرى منذ اكثر من 1700 سنة، وعلى الارجح أن جدة هو الحاخام الاكبر في بغداد من 1923 الى 1926. ويقول حين وصل البريطانيون سرعان ما اعترفوا بتحالفهم مع السكان اليهود في العراق، وحصل البريطانيون من خلالهم على الثروة والقوة والحصول على موطئ قدم في جميع انحاء البلاد.

ونتيجة لذلك، بدأ الخلاف بين المسلمين وقال دانغور “لقد بدأوا برؤيتنا هؤلاء اليهود الذين حصلوا على التعليم والسيارات والمنازل بسرعة، مما ادى الى الحسد والغيرة في نهاية المطاف”.

وفي حزيران من العام 1941، جاءت السرقات والقتل والغوغاء، لتنهب ممتلكات ومنازل اليهود مما اضطرهم الى ترك كل ما يملكون والهرب.

وبعد قيام دولة اسرائيل عام 1948 والحرب العربية الاسرائيلية على أشدها، نُقل اكثر من 95٪ من يهود العراق جواً الى اسرائيل في عملية ممولة بشكل كبير من الصهاينة الامريكان.

وظل كلا من ديفيد دانغور وديفيد خالاستشي خلفهما داراً للوالد وسلسلة من الاعمال الناجحة، بما في ذلك شركة “كوكا كولا” العراقية، فضلاً عن مصالحهم في الزراعة وتجميع السيارات.

ورغم صغره كونه لايزال طفلاً، يتذكر دانغور لحظات من شبابه ولاحظ العداوة تجاه اليهود. وفي احدى المرات قام بارسال مجموعة طوابع كان يشاهدها على ظهر علبة من الحبوب.

2017/11/23
المصدر:وان نيوز / الديلي تليغراف

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*