متابعة.. الزيارة التاريخية للبطريرك الماروني، بشارة بطرس الراعي إلى المملكة العربية السعودية


اسحق قومي
عشتار الفصول:10728
الزيارة التاريخية للبطريرك الماروني، الكاردينال بشارة بطرس الراعي إلى المملكة العربية السعودية يوم الأثنين في 13/11/2017م

أعتقد أن الزيارة تحمل أكثر من رسالة إنسانية،والعلاقة بين المسيحيين والمسلمين ومصالح الدول الكبرى.
لها أن تجدد قيمة إنسانية نحن بحاجة ماسة لها اليوم ،كما ستؤدي إلى إزدهارٍ في ثقافة الشرق الأوسط ،بعد أن دمرته الدعوات الدينية ،والفرق الراديكالية التي كانت السعودية الممول الأول لها .وربما ننتظر من المملكة السعودية، وشعبها، وملكها الجديد محمد بن سلمان، كتابة تاريخ ،يؤكد على ضرورة أن تكون جميع الديانات، تٌساعد البشرية على العيش المشترك الحقيقي، وليس الوهمي والكاذب.
في هذا الجانب نقول:الدعوة ،وتوقيتها ،ومضامينها ،وقيمها كلها تندرج ضمن مصالح الدولة السعودية ،التي كانت إلى ما قبل عام ،راعية وشريكاً حقيقياً للإرهاب العالمي خاصة في موضوع قتل الشعب السوري بكلّ مكوّناته.إلا أنها عندما جاء الدور للمحاسبة تمكن الملك السعودي، من أن يفتدي تبرير بلده ،السعودية وغسل ذنوبها بمليارات الدولارات، يهديها إلى دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وصهره ، أموالا لاتُقدر ، وقد لعبت المملكة، دورها بشكل ناجح ،وتصرفت بحكمة وذكاء ،فنصف الأموال ،أفضل من أن تزول من على عرش المملكة إلى الأبد…حيث تمكنت الأسرة الحاكمة من الولايات المتحدة الأمريكية، وبنت شبكة علاقات دولية حيث تواصلت مع الصين واليابان ،ومع موسكو، وخلقت لها هالة عالمية واسعة، عبر مصالحها الحيوية ،والتجارية.
وبهذا نستطيع أن نقول، وبتجرد لقد قرأت المملكة العربية السعودية، الخارطة السياسية للعالم قراءة، متفحصة ،وناجحة، وناجعة..
أما لماذا تم توجيه الدعوة للبطريرك الماروني، بشارة الراعي ؟في هذا التوقيت فهناك عدة ملفات تريدها السعودية من اللبنانيين الموارنة
لن نعددها لكننا نذكر أهمها(محنة سعد رفيق الحريري السني الذي يُقارع حزب الله الشيعي ).وموضوع وجود حزب الله في لبنان وخطورته بحسب الرأي السعودي ، وموضوع الوجود المسيحي المشرقي الذي بدأت معالم تصحره واضحة جلية للعيان .وهناك رسالة أخرى هي ذات معانٍ إنسانية، وعودة إلى الجذور تقول:
كانت هذه الأرض، من قبل للمسيحيين العرب ،واليهود ،والمجوس، والمانوية ومن هنا نقول:
إن أرض الحجاز قبل ال1438 كانت مسرحا لشعوب عربية تُدين باليهودية
والمسيحية ، على المذهب النسطوري، ومن أهم الديورات في أرض الحجاز هو دير (غار حرّاء ) .الذي كان يتعبد فيه رهط من الرهبان وكان الناس يجتمعون إليهم وهم يفسرون لهم التوراة والإنجيل ،كما كان يفسرهما (جبر النصراني) .وقد اتهمت قريش النبي محمد بأنه لم يأت ِ بأكثر ما يقدمه جبر النصراني الرومي هذا كان عبدا لبني الحضرمي ، ومن يقرأ كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني سيرى بأن الكعبة، كانت مبنية من قبل الإسلام ،وكان الحج إليها من قديم ، وهناك العديد من الشعائر التي احتفظ بها الإسلام ،وأصبحت من طقوسه.والرسول العربي حتى قُبيل الدعوة كان على المسيحية النسطورية ،وزواجه من خديجة، ابنة عم المطران ورقة بن نوفل مطران مكة ، وهو الذي شهد على زواجهما، وعقد القران بينهما، وأما بالنسبة للديانات التي كانت منتشرة في أرض الحجاز، واليمن. فهي عديدة :نذكر منها، وأهمها ، المانوية ،والزردشتية، وقد عبد العرب ،عدة آلهة، نذكر أهمها بعجالة، فقد عبد العرب اللات: وهي أنثى، وكان مقرها في الطائف ، كما عبدوا العُزّى ،وكانت مفضلة عند أهل قريش وعبدوا ،مُناة ،وقد جاء أسمها من إراقة الدماء قرابينا لها ،وأهم من عظمها الأوس والخزرج.كما عبدوا هُبل.وكان كبير آلهة أهل قريش. وكان منصوبا في جوف الكعبة.كما عبدوا :ودْ وهو إله ذكري محارب وقد عظمه العرب ، وسواع وهي أنثى عبدتها بعض القبائل . وعبدوا يغوث :وكان صنما وعبدوا يعوق ونسر.
ولكن قبل الدعوة إلى الإسلام، كانت أرض الحجاز واليمن تنتشر فيهما اليهودية والمسيحية ،ولكن كانت تتقدم اليهودية على المسيحية عددا ، وأعني جميع العرب تقريبا كان قد دان باليهودية .
والمكتشفات الأثرية ،في شبه الجزيرة العربية واليمن، تبين عدة أطلال لأبنية مسيحية، كأطلال الكنائس ،والأديرة أو الرقم وما عليها من كتابات، ذات مدلول ديني،وهذا يؤكد وجود مسيحية منتشرة في الحجاز واليمن
وأما في اليمن يحدثنا المؤرخ روفينوس ورفيقه هيرويزوس أن متى البشير هو الذي بشر في اليمن والحبشة ، وفي كتاب المسعودي، والسيرة النبوية لابن هشام . نقرأ بأن المسيحية حين أصبحت أكثر بأساً وقوة دخلت في صراع مع اليهودية ،خاصة عندما أصبح الملك عبد كلال بن مثوب مسيحيا مرتدا عن اليهودية ،كان ذلك عام 273 م كما أرتد خليفته أيضا ،وهناك مكتشفات حميرية ،عن وجود كنيسة شيدها الملك في عام 458م.ويُعتقد بأنه الملك مرثد بن عبد الكلال.ويقول الثعالبي والفيروزآبادي أن “أغلب ملوك اليمن وشعبه كانوا من المسيحيين
وانتشرت المسيحية في عُمان ،وقطر، والبحرين، وكانت المسيحية قد انتشرت بين بني تميم، إحدى أكبر قبائل العرب كانوا من المسيحيين ،ويرأسهم المنذر بن سادي ، ونذكر أهم رجالات تلك الفترة بشر بن عمرو وطرفة بن العبد وكانت قبيلة إمرىء القيس التي تشكل أغلبية الجزء الشرقي لساحل الجزيرة العربية على المسيحية النسطورية ولكي نكمل المشهد للمسيحية العربية، نذكر قبيلة المناذرة في جنوب العراق ،والغساسنة في حوران ولدينا الكثير، مما نقوله عن المسيحية في أرض الحجاز، وما جاورها من أمصار، وأهم مانذكره هنا هو وجود المسيحية في مكة بالذات، فنجد وجود آثار مقبرة مسيحية على طريق بئر عنبسة كما ذكرها المقدسي، وذكروا باعتناق أسر من قريش للمسيحية.
منهم عبيد الله بن جحش ،وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمر وورقة بن نوفل وآخرون، وذكرهم ابن هشام في السيرة كما وجدت في المدينة المنورة طوائف من المسيحية لقد كانوا على مذهب النصارى الذين يؤلهون مريم العذراء والسيد المسيح والله وهناك طائفة أخرى كان اسمها الداؤدية لتعصبهم للملك داؤد، وكان بنو جرهم في مكة ممن اعتنق المسيحية ، على يد سادس ،ملوكهم عبد المسيح بن باقية، وكانوا يهتمون بخدمة البيت الحرام ،كما وتنصر بنو الأزد ،وبنو خزاعة وقد أثبت ذلك أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني ،وقد شارك رجال دين من المسيحيين في مجامع مسكونية ،مثل مجمع نيقية عام 325 م ومجمع قسطنطينية، ومجمع أفسس ،من تلك الأسماء الحارث، وعبد الله ،ووهب الله ،وكان أساقفة العرب منهم الحضري ومنهم أبناء البادية
والحديث يطول حول الوجود المسيحي، الذي سبق الإسلام في أرض الحجاز وما لعبته المسيحية، من دور بنّاء في ترسيخ الفكر الديني في أرض مترامية الأطراف .فلا غرابة أن يعود الضمير بنا لنستيقظ ،على حقيقة أفكارنا المتعصبة التي لن تطول لو نحن تمسكنا بها ،وعلينا قراءة الحركة الحقيقية ،لرياح التغيير العالمي ،فكانت دعوة الكاردينال الماروني البطريرك مار بشارة بطرس الراعي إلى السعودية من هذا الباب
فهي بحق زيارة تاريخية ،وستفتح صفحة جديدة في العلاقات سواء على صعيد الوجود المسيحي، أو اللبناني العربي ،وخاصة محنة سعد رفيق الحريري، والأزمة السياسية في لبنان .وعلينا أن لانتسرع في إصدار أحكام لاتمت بصلة إلى الواقعية تجاه رجالات دين فهم محكومون، ببروتوكولات معينة، فليس معنى أن ملكة بريطانيا العُظمى عندما تحني رأسها لأمير سعودي بأنها تَهين نفسها لا أبدا.
علينا دوما بالقراءات الهادئة…ولكن بالنسبة لي شخصيا ، فأنا أرى أن الزيارة هي لصالح السعودية ،لتحسين صورتها مع الغرب الكاثوليكي الذي كانت قد بدأت بهذه الخطوة منذ زمن بعيد أولا ،ولكي توهمنا بأنها تريد المغفرة عن ذنوبها.
إن الوجود المسيحي في الشرق، بين أغلبية مسلمة ، وولادات سونامية وتعدد زوجات وأكثرية بالأصل ،لايستقيم ، ولن يستقيم حقوقيا وإنسانيا ،لا بالعلمانية، ولا بالدولة المدنية ،ولا بالهجرة ، إنما يستقيم بفعل تاريخي من ملوك ،ورؤساء العرب في اجتماع عام يدرس مسألة الأقلية المسيحية صاحبة الأرض والتاريخ وهم يسنوا قوانين لإعادة أنتشار للمسيحيين ،في كل قطر وتجميعهم في مكان معين منه ، ومنحهم أقاليم غير قابلة للدمج، أو الأعتداء عليها ، وتكون كدولة معترف بها عالميا ،وإلا لازيارة ولا بيانات ولا شيء ،يمنع من تصحر المسيحية من على تراب أجدادها، فالسعودية قبل 1438 سنة كانت لليهود ،والمسيحيين وغيرهم من ديانات ، وبعد ذلك كانت دمشق وبلاد آرام وبلاد مابين النهرين ،للمسيحيين الآراميين السريان، والآشوريين، وبعده ذلك تركيا اليوم كانت بلادا مسيحية صرفة، فكم نسبة المسيحيين في هذه البلاد التي ذكرناها؟!! إنها نسبة لاتُذكر..لهذا إن زهرة لاتصنع ربيعا، كما يقولون.وزيارة البطريرك الراعي من قبل الملك السعودي ، لا تصنع ولا توقف الهجرة المسيحية من على أرض أجدادها وهما ليسا بحارسين، وبيدهم سلاح التأديب ، لتغيير قناعة شعوب ترسخت فيها قناعات، لايغيرها إلا الزمن ،ومناهج فعلية تصوب أخطاء الماضي .
وللزيارة ما حملته من رياح قد لاتكون.
اسحق قومي
14/11/2017م
شاعر وكاتب وباحث سوري مستقل .

**********************************

الحوار المتمدن-العدد: 5699 – 2017 / 11 / 15

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*