تقرير امريكي يتحدث عن شكل الخارطة السياسية في العراق بعد انتخابات 2018


معهد بروكنجز: لإنقاذ العراق، على واشنطن الدفع للوصول إلى تقاسمٍ عادل وذو مصداقية للسلطةخ

تعرّضت العلاقات الأمريكية مع حليفتها التاريخية، أي حكومة إقليم كردستان، لانتكاسة هذا الشهر عندما شنّت قوّات الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي هجوماً على قوّات البشمركة في منطقة كركوك المتنازع عليها، مع إذعانٍ أمريكي. ونَبعَ الدعم الضمني الذي قدمته واشنطن لهذا الهجوم من سياستها الهادفة إلى إسقاط الفصائل الموالية لإيران في العراق في الانتخابات البرلمانية المقبلة عبر تمكين حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي ذي التوجّه الذي يُزعم بأنه معتدل، إذ تعتبر واشنطن أنّه كلما بدا العبادي أقوى أمام الناخبين ازدادت حظوظه في الفوز في الانتخابات المقبلة.

بيد أنّ الانتخابات ستجري بعد ستة أشهر، وهي فترة طويلة ومحفوفة بالتقلّبات ولا يمكن توقّع أحداثها، وربّما فات الأوان على تهميش الفصائل المتحالفة مع إيران التي تهيمن على قوّات الحشد الشعبي، إذ تجذب هذه المجموعات اهتمامَ شرائح واسعة من المجتمع الشيعي، وتشهد شعبيّتها تزايداً هائلاً بعد الدور الذي أدّته في الحرب على تنظيم داعش. أما العبادي، الذي تولى منصبه منذ ثلاث سنوات فقط من دون قاعدة شعبية وسياسية، فلا يمكنه وضع حدّ لصعودها وحده.

وهنا يأتي دور الأكراد والسنّة العرب في العراق. فمنذ العام 2003، لم يتمّ تشكيل أيّ حكومة من دون مشاركة الأكراد الذين يضطلعون عادة بدور “صانع الملك” نظراً إلى طبيعة السلطة والسياسة المنتشرة في بغداد والترتيبات الطائفية لتقاسم السلطة. لذلك، من المهم جدّاً لمصالح الولايات المتحدة في العراق الحرصُ على أن يستمرّ الأكراد بالتعاطي مع بغداد وأن ينالوا حصّة في الدولة العراقية: فإذا غابت مشاركة الأكراد لدعم موقف العبادي، ستهيمن بالتأكيد الفصائل المتشدّدة الموالية لإيران على الحكومة وتُحكِم قبضتها على مؤسّسات الدولة.

وفي خضمّ ضجّة الهجوم على كركوك والمعمعة التي تبِعت استفتاء الاستقلال الكردي في الشهر الماضي، غاب العرب السنّة في العراق ومستقبلهم بشكل ملحوظ عن النقاشات وعن الارتباطات الأمريكية في العراق. والجدير بالذكر أنّ تنظيم داعش ولِد من رحم إخفاقات الحكم والسلطة في الشمال. فقد ساهم تهميش الطائفة السنّية العربية والغاراتُ والاعتقالاتُ العشوائية وغير المتناسبة لمكافحة الإرهاب التي شُنّت في المجتمعات العربية السنّية وغيابُ الوظائف والخدمات في إنشاء بيئة حاضنة لظهور داعش في العام 2014، إلى جانب الحكم الطائفي لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

ولا يزال نظامان متنافسان رسما معالم الصراع وسفك الدماء في العراق ساريَين بكلّ زخم: فمن ناحية، استغلّت الفصائل الشيعية العربية في العراق الحكم القمعي لحزب البعث كمصدر للشرعية، ممّا سمح لهم بإظهار أنفسهم في دور محرّري البلد وضامني النظام السياسي بعد العام 2003. ويستند وجودهم وهويتهم إلى روايات عن وقوعهم ضحية وإلى فكرة الحؤول دون عودة حزب البعث التي من شأنها أن تُعيد البلاد إلى الحكم القمعي. وقد قدّم هذا الخطاب للأحزاب والميليشيات الإسلامية الشيعية المواردَ والقدرات اللازمة لتعبئة شرائح متنوّعة من السكّان الشيعة.

في المقابل، تستذكر الجهات الفاعلة العربية السنّية، التي تتراوح من الأحزاب السياسية إلى العشائر والجماعات المتمرّدة والجهاديين، فترة ما قبل العام 2003 لاستحضار ذكريات عصر المجد العربي، الخالي من حكم الميليشيا والخلاف الطائفي والصفوية الإيرانية، والإمبريالية الغربية أيضاً. وقد سمح هذا الخطاب الأخير لتنظيم داعش ونسخاته السابقة بتغذية صفوفها وارتكاب فظائع عنيفة.

ولطالما شكّلت مسألة قيام الدولة الكردية سمةً تاريخية راسخة في تاريخ العراق السياسي بدون أن تحدّد بالضرورة مصير الدولة العراقية وشرعيّتها، حتى وإن كانت مزعجة ومسبّبة للانقسام. غير أنّ العجز عن الحصول على موافقة العرب السنّة سيطيل عمر النظامَين السياسيين المتنافسين اللذين أسفر صراعهما عن مئات الآلاف من القتلى وإراقةِ الدماء بسبب الطائفية وحربٍ بالوكالة بين القوى الإقليمية المتنافسة.

ولا يعاني العراق بالضرورة مشكلةً طائفية بل مشكلة حوكمة، إذ تفتقر الطبقة السياسية الشيعية الحاكمة إلى الرؤية والقدرة على الدفع بالبلاد إلى الأمام، لا بل أدّت إخفاقات بغداد وعدم اليقين حيال مستقبل العراق إلى دفع السنّة العرب العراقيين، الذين كانوا يعارضون بشدّة أيّ إضعاف للحكومة المركزية، إلى الدعوة إلى إقامة حكم ذاتي مماثل لإقليم كردستان، مما يسمح لهم بإدارة أمنهم ومواردهم ضمن دولة عراقية فدرالية.

وقد شوّهت التعليقات على استقلال الأكراد الصورة إلى حدّ ما. فالمشكلة الأساسية الكامنة في صميم الصراع الحالي بين حكومة إقليم كردستان وبغداد، وبين الطبقة السياسية الشيعية في بغداد والسنة العرب في البلاد، هي تقاسم السلطة. والسبيل الوحيد لمعالجة هذا الصراع ولكي تتعافى الدولة العراقية من أزمة السلطة والشرعية التي تعانيها هو عبر ترتيبات عادلة ومنصفة ومستدامة لتقاسم السلطة تكون راسخة بمتانة داخل النظام السياسي العراقي.

وبإمكان الولايات المتحدة أن تتعلّم من الأخطاء الماضية والحديثة: فتقاسُمُ السلطة المبني على العدل والمصداقية كان ليُغني عن الحاجة إلى الاستفتاء حول الاستقلال، غير أنه بعد الأحداث في كركوك، باتت الولايات المتحدة تخاطر بالسماح لبغداد باستغلال الزخم الناجم عن تدخّل كركوك وباستغلال إقرار أمريكا بصحّة نواياها. فقد تحرّكت الميليشيات الشيعية وقوّات الجيش العراقي ضد قوّات البشمركة في محاولة للسيطرة على منطقة فيشخابور، وهي منطقة مهمّة استراتيجياً لأنّ النفط الآتي من المناطق الشمالية الخاضعة لحكومة كردستان ومن بغداد يتقاطع عند خطّ أنابيب هناك ويتابع إلى تركيا، وهي أهمّ طريق خروج من المنطقة للصادرات الدولية الرئيسية.

ومن خلال السيطرة على الحدود مع تركيا، باستطاعة بغداد تطويق أربيل وخنق حكومة إقليم كردستان اقتصادياً. بيد أنّه على الولايات المتحدة أن تمنع بغداد من القيام بذلك للحرص على ألا يُفضي أيّ تقدّم إضافي إلى حدوث انفجار داخلي وحرب أهلية واسعة النطاق ستندلع بالتأكيد إذا شعر الأكراد بأنّهم محاصرون وعالقون.

وفي السياق نفسه، عجزت واشنطن عن دعم فصائل مشروع مجالس الصحوة ومقاتليها. ومجالس الصحوة هي ائتلاف من العشائر السنّية والجهات الفاعلة الأخرى التي دعمتها أمريكا بين العامين 2006 و2008 للحفاظ على الأمن في المناطق المحلية ومكافحة تنظيم القاعدة في العراق، مقابل دمجهم في الدولة. وشهدت المناطق العراقية التي يهيمن عليها العرب السنّة في الشمال فترات طويلة من الاستقرار، إلا أن الطبقة الشيعية السياسية في العراق نكثت بالوعود وأفضت إلى المظالم التي شكّلت آنذاك عنصراً أساسياً لبروز تنظيم داعش.

وباستطاعة دولة عراق لامركزية تمنح المزيد من الصلاحيات للمجتمعات والفاعلين المحلّيين أن تساعد على إيجاد الفسحة التي تسمح للدولة والمجتمع بأن يخضعا لعملية إعادة تأهيل. وبإمكان المجتمع الدولي أن يعتمد سياسة ذات مسارين ترمي إلى تعزيز الحكم المحلّي على مستوى الدولة الفرعية (من خلال التركيز على العدالة الانتقالية والمصالحة على سبيل المثال، وكذلك عن طريق تحويل أموال إعادة الإعمار والتنمية)، وتهدف أيضاً إلى تعزيز المؤسّسات على المستوى الفدرالي.

وستبقى الدولة العراقية ضعيفة ولن يكفّ التشكيك في شرعيتها مع استمرار الصراع الطائفي ما لم تفرض الولايات المتحدة سياساتها وتعدّلها لوضع ترتيبات لتقاسم السلطة. بالتالي، ستضيّق هذه الترتيبات الخناق على الجهات الفاعلة العنيفة وغير المنضبطة، بما في ذلك المجموعات الموالية لإيران التي تسعى واشنطن إلى تهميشها.

المؤلف

رانج علاء الدين
زميل زائر – مركز بروكنجز الدوحة
RanjAlaaldin

12 / 11 / 2017
سكووب 24
******************************************************
تنويه; موقع www.nala4u.com غير ملزم ما يسمى بكردستان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*