سركون بولص والأيرلندية الشقراء


كاتب تونسي
حسونة المصباحي

سركون بولص والأيرلندية الشقراء
كم كان سركون سعيدا. فقد تعلقت به شابة أيرلندية شقراء لها قامة هيفاء، وابتسامة طفولية فلم تكن تفارقه أبدا. حدث ذلك بعد أن استمعت إلى قصائده في قاعة المسرح.

هل حقّا مرت عشر سنوات على رحيل سركون بولص؟ يا لسرعة الزمن التي لا تبقي ولا تذر! لكأن الفاجعة حدثت البارحة. عندما تلقيت خبر نعيه، وقفت أمام بحر الحمّامات لأرثيه وحيدا، مُسْتحضرا لحظة بلحظة أوقات لقاءاتي المتعددة معه في أماكن مختلفة من العالم. وأول لقاء لي معه كان على هامش مهرجان المربد الشعري في بغداد. لعل ذلك كان في عام 1987. وجدته شبيها بقصائده، غامضا، ومتحررا من التصنع والتكلف، ومسكونا بألم عميق. ألم الشاعر الذي تعذبه الكلمات في كل يوم. لكنه لا يمل أبدا من ملاحقتها للقبض عليها حية، وناعمة، وبديعة، وشفافة مثل مياه ينابيع الجبال.

ومنذ ذاك اللقاء الأول، وجدتني مشدودا إليه، محاولا أن أعرف عنه الكثير، مُستجليا خفايا عالمه الشعري. وكم سعدت لمّا وصلتني أول رسالة منه من المكسيك ليحدثني عن الهنود الفقراء، وعن الصحراء، وعن الشعراء البوهيميين المبثوثين في حانات مكسيكو- سيتي في النهار وفي الليل. بعدها التقيت به في باريس مع عبدالقادر الجنابي في مقهى بساحة “كليشي” كان يرتاده العملاق هنري ميللر، وفيه كتب صفحات من رواياته المشرقة بالحب وبالإقبال الجنوني على ملذات الحياة. وفي جلسة من الجلسات الرائقة، حدثني سركون عن جماعة كركوك التي لعبت دورا أساسيا في تحديث القصيدة العراقية في ستينات القرن الماضي، وعن جبرا إبراهيم جبرا الذي رعاه لما انتقل من كركوك إلى بغداد، وبفضله تعرف على أهم الشعراء والكتاب الجدد في بريطانيا، وفي الولايات المتحدة الأميركية.

كما روى لي رحلة العذاب سيرا على القدمين عبر الصحراء من بغداد إلى بيروت ليتعرف على يوسف الخال، ورفاقه في مجلة “شعر”. وذات صيف، عشت معه أياما جميلة في بيت صديقنا المشترك صامؤيل شمعون. كان ينام طول النهار فلا يستيقظ إلاّ قبل الغروب بقليل. وكنا نتركه في آخر الليل بعد أن يهزمنا التعب، ويواصل هو السهر حتى طلوع الصباح.

وعندما نستيقظ كنا نعثر على كومة من بقايا السجائر المحترقة، وعلى زجاجة فارغة، وعلى كتب ومجلات مبعثرة هنا وهناك. فكانت تلك الفوضى تسلينا كثيرا مُثْبتة لنا كم هو رائع كسل الشعراء، وكم هو خلاّق جنونهم. وكان العراق يعيش سنوات الحرب المريرة لما جاء سركون بولص إلى ميونيخ ليقرأ نماذج من أشعاره المترجمة إلى لغة غوته. وأذكر أنني لم أره أبدا حزينا كما رأيته في تلك المرة.

وفي المقهى الذي أمضينا فيه سهرتنا بعد القراءة الشعرية، تحدث بمرارة عن آلام العراق والعراقيين، وعن وحشية الجيش الأميركي. وقبل أن يمضي إلى الفندق، قال لنا وقد تغضّن وجهه وتجهّم “الحقيقة أيها الأصدقاء… هي أنني أشعر بالخزي والعار لأنني أحمل جنسية بلد دمر وطني وأعاده إلى القرون الوسطى”. في أول صيف 2001، سافرت إلى دبلن بدعوة من مهرجان الأدب العالمي الذي ينتظم سنويا احتفاء بذكرى جيمس جويس، ورائعته “أوليسيس”. وحال وصولي إلى الفندق، وجدت صاموئيل، وزوجته ماغي، وسركون بولص في انتظاري. وكم كانت صاخبة وجميلة الأيام والليالي التي أمضيناها هناك مقتفين آثار عظماء الجزيرة من شعراء وكتاب ومفكرين. فما كنا نعرف للنوم طعما بصحبة مجانين أمثالنا، دوّخهم عطر نثر جويس، وبيكت، فما عادوا يستدلون السبيل.

كم كان سركون سعيدا. فقد تعلقت به شابة أيرلندية شقراء لها قامة هيفاء، وابتسامة طفولية فلم تكن تفارقه أبدا. حدث ذلك بعد أن استمعت إلى قصائده في قاعة المسرح. ولعلها وجدت في تلك القصائد شيئا من روحها، فعشقت صاحبها بجنون. وكان هو يهمس لنا مضطربا وسعيدا في نفس الوقت “هل يمكن أن أعيش قصة حب بعد أن ابيض شعري، ودبّ الوهن في جسدي وفي قلبي؟”. وكنا نحن نشجعه قائلين إن أجمل قصص الحب تلك التي يعيشها الشاعر في سنوات شيخوخته. ألم يكن هذا حال غوته، وفيكتور هوغو، وآخرين؟ ويوم مغادرتنا دبلن جاءت الفتاة الشقراء إلى الفندق لتذرف دموعا ساخنة بين أحضان سركون بولص الذي كان ينظر إلينا مذهولا وفخورا بنفسه أيضا.

العرب
[ 2017/11/07، العدد: 10805، ص(14)]

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*