الفردوس المفقود – العراق في عيون الرسام الإنجليزي دونالد ماكسويل


كلكامش نبيل
الفردوس المفقود – العراق في عيون الرسام الإنجليزي دونالد ماكسويل

غالبا ما أبحث عن ما كتبه الرحالة والمستشرقون والرسامون الأجانب عن الشرق بصورة عامة والعراق بشكل خاص. وقد سعدتُ كثيراً بالعثور على كتاب للكاتب والرسام الإنجليزي دونالد ماكسويل بعنوان “مقيم في بلاد النهرين: مغامرات رسام رسمي في جنة عدن” أو كما قرأته بالإنجليزية A Dweller in Mesopotamia: Being the Adventures of an official artist in the Garden of Eden. يضم الكتاب الصغير – المطبوع عام 1920 – انطباعات ورسوم توضيحية ولوحات ماكسويل عن العراق في رحلته التي شملت البصرة والعمارة والكوت وبابل وهيت وبغداد وسامراء، مع معلومات كثيرة وغنية تظهر مدى اطلاعه على تراث العراق القديم على مدى صفحات قليلة لا تتجاوز الـ 95 صفحة مزينة برسومات نادرة وجميلة.

كما هو معروف، للعراق صورة ساحرة في مخيلة الأوروبيين، وكل ذلك يتعلق بما خلد في ذهنهم عنه من خلال الكتاب المقدس وسحر بابل ونينوى وجنة عدن المتمثلة في الأهوار وغموض بغداد العباسية. كل شيء يتعلق بالعراق في مخيلة الغربيين يرتبط بذلك ولا يكاد يتجاوزه. من المؤسف أن كل تلك الصورة الشاعرية تتلاشى بسرعة عند زيارة هؤلاء للعراق في الوقت الحالي لأن شيئاً من ذلك لم يبق، بما في ذلك الرقعة الزراعية الواسعة التي أصابها ويصيبها التصحر منذ أن تدمرت المشاريع الإروائية التي أنشأها السكان الأوائل.

يبدو أن التصحر منذ بداية القرن العشرين قد أثر على المناظر والألوان في بلاد النهرين، لهذا نجد ماكسويل حزيناً بخصوص الغبار الذي يغطي كل الألوان هناك، لتبدو وكأنها متربة، فنجده يقارن بين باخرة في البصرة وأخرى في هولندا، ليجد الألوان في هولندا أكثر جاذبية بكثير. وعلى مدى صفحات الكتاب نجد أن تعلق المخيلة بالماضي ستصاب بالصدمة عند رؤية الواقع في الوقت الحاضر.

في عبادان، يصف الرسام عمالاً بشعور مجعدة وخوذ طويلة تشبه تلك التي تظهر في المنحوتات الآشورية. يسمع من مرافقيه بأن هؤلاء عمالاً ميديين، ويصاب بالدهشة لذلك. في الصباح، يزول كل سحر يتعلق بهم عندما يعرف أنهم عمال أكراد وقد بدت ملابسهم عادية للغاية ولا صلة لها بما رآه مساءً. لا يتفق ماكسويل حول المقارنة بين البصرة وفينيسيا، وأنقل ما كتبه عن ذلك مترجما هنا، “قبل الحرب، وعندما كانت بلاد النهرين أرضاً بعيدة للغاية عمّا هي عليه اليوم، غالباً ما كان يُشار إلى البصرة على أنها فينيسيا الشرق. لقد كان القليل من المسافرين في وضع يتيح لهم اختبار مدى دقة هذه المقارنة، ولهذا السبب أثارت المسألة القليل من التعليقات. فلم يعد أشخاص فينيسيون من البصرة وهم ساخطين أو ممتلئين بالرغبة للتحدث مع الكاتب الذي فكر في المقارنة أول مرة، ربما لأن أحداً من الفينيسيين لم يتواجد هناك على الإطلاق.” بالنسبة لماكسويل، الشبه الوحيد بين البصرة والبندقية يتعلق بكثرة الأنهار والقنوات المائية، لكن الأولى تفتقر لكل الأعمال الفنية والعمرانية الرائعة التي تزخر بها فينيسيا، ونراه يذكر أعمال الفنان تيتيان في هذا الصدد. يرثي ماكسويل بحزن الخرائب التي شاهدها في بلاد ما بين النهرين وفي مخيلته رحلات السندباد البحري وكل السحر المرتبط بالبصرة الذي لم يجد له أي أثر.

يرثي ماكسويل أيضاً تحول بلاد النهرين إلى صحراء ويكثر من الحديث عن دمار مشاريع الري القديمة وخرابها منذ سقوط بغداد عام 1258 ميلادية. ويتحدث أيضاً عن مشاريع ري يمكن أن تتم بمساعدة مهندسي ري من أوروبا لتستعيد البلاد عافيتها لكنه يعتقد أن الفردوس المفقود لن يعود إلى ما كان عليه إلا بعد وقتٍ طويل. لكن المكننة الحديثة والتكنولوجيا يمكن أن تقوم مقام العبيد الذين عملوا في بلاد بابل في عصور مجدها. ويشير في احدى المواضع إلى إمكانية استغلال الهنود لزراعة الأرض، لكنه يقول أن العرب لا يحبون الهنود والهنود لا يحبون العرب أيضاً، ويعتبر ذلك عائق في سبيل استعادة البلاد لوضعها القديم. من جملة ما استوقفني في الكتاب رواية عن قول المأمون أن فرعون اغتر بنفسه وخصب مصر لأنه لم يكن قد رأى خصب بلاد الكلدان، لكن الكاتب يعتقد أن في ذلك الكثير من المبالغة. يصف ماكسويل الكثير عن الأهوار ويترك لنا لوحات جذابة ونادرة عنها.

في بابل، نكتشف مدى معرفة ماكسويل عن برس نمرود وزقورة إي-تيمين-إنكي وقصة برج بابل في سفر التكوين، ويحدثنا عن رومانسية زميله الماسوني براون وأفكاره الحالمة عن بابل. لكنه يذكر التجاوزات على الموقع الأثري من قبل السكان المحليين واستخدامهم للآجر القديم – لاسيما من معبد ننماخ – في بناء دورهم الحالية.

يصل ماكسويل إلى بغداد وفي مخيلته مدينة من ألف ليلة وليلة تضاء جوامعها يوم الجمعة لتصبح مدينة من نور، لكنه صُدم بعدم وجود شيء من ذلك الذي كان في مخيلته. يكتب الرسام أن بغداد كانت في يومٍ ما بالنسبة للشرق في مقام روما بالنسبة للغرب. مع ذلك، يجد ماكسويل مناظر جميلة على ضفاف دجلة ليخلدها في رسوماته وتروق له شبابيك قديمة ذكرته بصور قديمة من شوارع لندن. لكن أجمل ما شاهده هي القباب الذهبية في الكاظمية، لكنه يتكلم عن وجود سلسلة معلقة عند المدخل يُقال أنه لا يُسمح لغير المسلمين بتجاوزها ويذكر أن الناس كانت تقبل تلك السلسلة.

يقتبس الرسام الكثير من مقاطع “الفردوس المفقود” لجون ميلتون عند الكتابة عن بلاد النهرين، ولاسيما عند مروره بالأهوار ووصفه للعمارة والكوت، حيث أنه أعجب بنهر دجلة أكثر من نهر الفرات وعدّه أكثر غنىً وكثافة في السكان. لكنه يعتقد أن وصف ميلتون للفردوس كان غربياً وإن أدخل في مشاهده وتصاويره بعض النخيل لتعطي انطباعاً مشرقياً. بالنسبة لماكسويل لم يكن وصف ميلتون يقترب من واقع بلاد النهرين في شيء. تروق المراكب المستديرة “القفة” لماكسويل ويظهر معرفته بالمنحوتات الآشورية للملك سنحاريب، حيث يذكر أنها قد صورت فيها ويذكر تعليقاً مشابهاً عن الأهوار المصورة في منحوتات سنحاريب المحفوظة في المتحف البريطاني اليوم. ولا تغيب عن معرفة ماكسويل ذكر قصة الطوفان والخليقة في الآثار السومرية والبابلية والآشورية.

في هيت، يتحدث ماكسويل عن عيون القار والتي يسميها العرب “فم الجحيم” كما قال، لكنه أسمها صحراء السيف الملتهب. يخلد ماكسويل بلدة هيت وسورها وعيون القار فيها بصورة جميلة أيضاً.

في عموم الكتاب، نلاحظ رغبة عارمة للكاتب في أن تعود بلاد النهرين إلى ما كانت عليه، حيث يحلم ماكسويل بمشاريع اروائية كبيرة – كرد جميل لهذه الأرض من قبل الغرب – لتستعيد واقعها القديم كأرض زراعية خصبة بعد الخلاص من النير التركي، الذي يعده الحكم الأسوأ على الإطلاق. ويعتقد أن النفط والدراسات الحديثة يمكن أن تساهم في ذلك، لكن جهوداً عظيمة بحاجة لأن تبذل قبل أن يعود الفردوس من جديد.

في النهاية، إنه كتاب جميل يوضح لنا خيبة أمل كاتب ورسام في صورة الواقع المغاير تماماً لماضي بلاد النهرين، لكنه يمنحنا وجهة نظر مهمة من خلال عيون فنية تحاول رصد بقايا الجمال في بلاد كلدو-آشور.

الحوار المتمدن-العدد: 5605 – 2017 / 8 / 10

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*