إشكالات حرفي الضاد والظاء عبر التاريخ/ج9


بقلم: ميخائيل ممو *
إشكالات حرفي الضاد والظاء عبر التاريخ * الجزء التاسع

17 / 08 / 2016
www.nala4u.com

إن حاجة الأنسان للتعبير عما يجول في خاطره بعامل الإنفعال الذاتي والغريزي وبحكم الأحاسيس التي تحتم عليه أشكالاً متنوعة من التعابير أدت به أن يبتكر الطريق الذي يناسبه لذلك، ومن هذه الظاهرة تعددت أساليب نظريات النشأة اللغوية لتمر بمراحل عديدة متجسدة في أطوار الكتابة أيضاً التي بلغ تطورها بالهجائية الصوتية الألفبائية أي الأبجدية المتداولة اليوم لتجسيد ما يبتغيه الفرد. وبما أن نشأة الكلام تنوعت نظرياته، فكذلك نشأة مصادر الخط أو بالأحرى الكتابة تنوعت أيضاً لدى الباحثين اللغويين برموز أشكالها بين مؤيد ومعارض لحد ما نحن عليه الآن في عمليتي التعبير اللفظي والتدوين الرسمي باللغة العربية، وكذلك بالنسبة إلى اللغات الأخرى التي لا تقل شأناً عنها رغم سعتها. وفي حالة التعمق في مضامين الكلام والكتابة ينبغينا التبحر في اسس ومصادر أو منبع كلتا الظاهرتين. وهنا يحدوني القول بأن الإشكال لا ينحصر عن المسببات، طالما الحاجة تولد ذلك وكما أشرنا في البدء، وإنما هو العوز المعرفي بالمنطق العلمي لذلك أو الخلق والإبتكار. وبما أنه نظرية الإلهام الوحي الإلهي برزت في مقدمة النظريات المتوالية عن منشأ المصدر الأساس للنطق بألفاظ متفاوتة لمعرفة الأسماء والتعابير، فعلينا الإعتماد على ما جاء في الكتب السماوية المعتمدة في التوراة والقرآن طالما ما يقارب السبعة مليارات من بني البشر يؤمنون بالنصوص الإلهية. حيث إننا نستمد نظرية الوحي الإلهي من التوراة أولاً بما جاء في الفقرتين 19 ، 20 من الإصحاح الثاني من سفر التكوين” والله خلق من الطين جميع حيوانات الحقول وجميع طيور السماء، ثم عرضها على آدم ليرى كيف يسميها، وليحمل كل منها الإسم الذي يضعه له الإنسان، فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ولطيور السماء ودواب الحقول” وكذلك في التكوين 11 قوله: ” وكانت الأرض كلها لغة واحدة وكلاماً واحداً” إضافة لما جاء أيضاً “هوذا هم شعب واحد ولجميعهم لغة واحدة “. وثانياً بذات المعنى ما جاء على ذات الشاكلة في القرآن في سورة البقرة 2: 31 مؤكدة أيضاً ما ذكرناه أعلاه ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين “31” قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم “32” قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون “33”).
وهناك العديد من التفاسير لهذه الآية التي منها ما قاله الضحاك عن ابن عباس: ( وعلم آدم الأسماء كلها. قال : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ، ودابة ، وسماء ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجمل ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها ).
أن الأمثلة المذكورة أعلاه لها من المؤيدين ومن المفندين من اللغويين العرب والأجانب فيما يتعلق بالنشأة اللغوية، ولكن ما يهمنا هنا هو عن وجود كافة أصوات الحروف الأبجدية المنطوقة فيما يشار اليها في كافة لغات العالم، إن كانت هي ذاتها وفق الوحي الإلهي بمسميات إصطلاحية متفاوتة، أي بمعنى أدق عن وجود حرفي الضاد والظاء اللذين يصعب استعمالهما في النطق من قبل شعوب أخرى غير العرب كالآشوريين مثلاً، مقارنة بما دونه الكتاب العرب القدامى وبما يعتقده أحد الكتاب العرب السيد أياد الحصني في كتاب “معاني الأحرف العربية” ص73 و77 قائلاً عن حرفي الضاد والظاء ( يعتقد انها كانت موجودة لحظة وجود آدم عليه السلام أو في بداية الإنسانية أو في العصر الجاهلي). ولكن يفتقدان في أغلب شعوب العالم لكون العربية تنفرد بنعتها “لغة الضاد”. تساؤلنا واستغرابنا هنا، إن كان حرف الضاد حقاً هو الوحيد في العربية بين لغات العالم، أليس اللغات الأخرى من ذات الأرومة؟! ومن مصدر إلهي واحد أوحد؟! ناهيك عما قيل عن لغة الجنة إن كانت العربية أو السريانية (المشتقة عن الآشورية) المحورة عن آرامية المسيح، وعلى ذكر ابن حزم في كتاب “الإحكام في أصول الأحكام” ص32 تحقيق محمد أحمد شاكرن بيروت 1980 نقلاً عن كتاب “لسان آدم” ص27 لعبد الفتاح كيليطو بالفرنسية ترجمة عبد الكريم الشرقاوي ” فإن عربية اسماعيل وعبرانية إسحق مشتقتان عن السريانية، اللغة الأم التي كان يتكلمها إبراهيم”. إن ما أشير اليه هنا ليس معناه أن أفند رأياً وأدعم الرأي الآخر. فالغاية الرئيسية أن نتحف القارئ بما يجهله ولم يكن على علم بآراء القدامى والمحدثين.
ومن جانب آخر إن إعتمدنا على عوامل البيئة الجغرافية المناخية وعوامل أخرى في التأثير على الحنجرة والأوتار الصوتية لمخارج الحروف بإختفاء اصوات لدى شعب عن آخر ، ليس معنى ذلك لا وجود لتلك الأصوات في اللغات القديمة، كما يبدو لدى الآشوريين عن اختفاء حرف الحاء وتواجده لدى اليعاقبة مثلاً، ولدى العرب بشكل عام، والدلائل كثيرة لدى الشعوب القديمة وخاصة في حرفي العين والشين وغيرهما لمن يود المعرفة من خلال كتب فقه اللغة أو علم الصوتيات.
وبما أن لغات العالم تفتقر لحرف الضاد الذي يكنى به اللغة العربية والقريب منه حرف الظاء أيضاً، سعينا في معالجة هذه الإشكالية في اللغة الآشورية المعاصرة كونها من ذات الفصيلة والآرومة والأسبق من العربية، رغم تطاول البعض من الكتاب العرب على جعل العربية هي اساس ومصدر كافة اللغات القديمة والحديثة ومنهم على سبيل المثال لا الحصر د. محمد بهجت قبيسي في كتابه “ملامح في فقه اللهجات العربيات” والدكتور نعيم فرح الأستاذ بجامعة دمشق في كتابه ” النظرية السامية” والمؤرخ أحمد سوسة في كتبه المستحدثة “حضارة العرب ومراحل تطورها” و “حضارة وادي الرافدين” بكافة فصوله وغيرهم… عادة ما يظن البعض بأنه لا وجود لحرف الضاد المنفرد بنطقه في اللغات القديمة التي سبقت العربية، ولكن بمرور الزمن وبتأثير بعض العوامل الطبيعية قد يختفي نطق بعض الحروف لتعوض بما هو الأقرب والأنسب منها في اللفظ أو النطق، كما هو الحال في اللغة الآشورية حيث نجد نسبة كبيرة جداَ إن لم تكن الغالبية يستصعب عليهم نطق حرف العين رغم وجوده في الأبجدية الآشورية ـ قديماً وحديثاًـ بحيث تلفظ كلمة (عينا) أي العين بـ (إينا أو أينا) وكلمة (عِدّانا) أي الوقت بـ(دانا) والأمثلة كثيرة. لهذا فإن شأن الضاد أيضاً هو على ذات المنوال، حيث نجد في الكتابة المسمارية الإبلية (منطقة ايبلا السورية على مقربة من منطقة إدلب) من المفردات التي لها ذات الصوت مثل: وضاؤوم تعني وضوءٌ، حامضوم تعني حامض، وهذه دلالة على وجوده في الأبجدية الأوغاريتية التي كانت تحتوي على 30 ـ 32 حرفاً، مقارنة بالفينيقية أو الكنعانية (التي سنأتي على ذكرها في الجزء العاشر) بزيادة ثمانية ـ عشرة حروف عليها. ولتأكيد ما أشرنا إليه عن وجود حرف الظاء المقارب للضاد يذكر مؤلف كتاب “معاني الأحرف العربية” الأستاذ أياد الحصني السوري الأصل في ص 73 ما يلي: (والكلمات التي تحوي حرف الظاء قليلة جداً في اللغة العربية الأصلية أي الكلمات التي يعتقد أنها كانت موجودة لحظة آدم عليه السلام أو في بداية الحياة الإنسانية أو في العصر الجاهلي ـ قرنين قبل الإسلام ـ ). لذا فإن إشكالات حرف الضاد والظاء التي يعاني منها غير العرب، نجدها أيضاً مستفحلة لدى الناطقين بالعربية أيضاً، وذلك من خلال التدوين أو الكتابة الإملائية بشكل خاص بقلب الضاد ظاءا والظاء ضادا أو بالدال أحياناً لدى طلبة المدارس والجامعات وممن لا يفرق بينهما من الكتاب المعاصرين في حقول الصحافة والإعلام وأروقة الحاسوب وخاصة في لفظ وكتابة المفردات المتفقة أو الشبيهة المبنى والمختلفة المعنى كما في الأمثلة التالية: أضل وأظل، الحاضر والحاظر، الضال والظال، الغيض والغيظ، الفيض والفيظ، الناضر والناظر وغيرها من المفردات التي وردت في القرآن والأحايث والمهملة منها في العربية الحديثة أي الفصيحة، ولكي يتسنى معرفة معانيها عليك بالمعاجم والقواميس العربية المختلفة. وفي دراسة مستفيضة في كتاب (العربية: دراسات في اللغة واللهجات و الأساليب) للمستشرق الألماني يوهان فك (1894 ـ 1974 م) ترجمة د. رمضان عبد التواب يذكر في ص112 (ينطق أكثر السوريين وبعض المغاربة الضاد مثل الظاء…. فمن الناس من ينطقها كالدال، وغيرهم كالطاء، وآخرون يومئون إليها بالظاء…. وبعض الناس ينطقها دالاً فخمة، وبعضهم ينطقها دالاً عادية، وأخيراً ينطقها بعضهم لاماً مفخمة). وعادة ما يرمز للضاد في الحروف اللاتينية بوضع نقطة تحت حرف (ḍ) لتجسيد حرف الضاد. فإن كانت أمور الإشكال اللغوي لحرف الضاد والظاء بهذا الشكل لدى الشعوب العربية، فكيف يكون الحال لدى غير الناطقين بالعربية. ومن خلال هذا التنوع النطقي ليس من المنطق أن تتفاوت الألفاظ فيما حُدّد بمجموع إثنتين وثلاثين كلمة من مجموع ثلاث وتسعين كلمة تكتب بحرف (الظاء) وما سواها يكتب بحرف (الضاد)، علماً بأن غير المستعمل والمُهمل والغريب من مجموع 93 كلمة تم إبعادها وتصفيتها لينحصر العدد بإثنتين وثلاثين كلمة متداولة تحوي الظاء لسهولة ضبطها في الكتابة الصحيحة والنطق الصحيح. ولصعوبة التمييز بين حرفي الضاد والظاء ننقل هنا عمّا ورد في بعض المصادر ومنها ما أورده الجاحظ في الجزء الثاني من كتاب “التبيان والتبيين” ص 211 حين يذكر” كان رجل بالبصرة له جارية تسمى ظمــياء ، فكان إذا دعاها قال : يا ضميـــاء ! ، فقال له ابن المقفع : ” قل يا ظمياء ! ” ، فناداها : ” يا ضميـــاء ! ” فلما غيّرعليه ابن المقفع مرتين أو ثلاثًا قال له: أهي جاريتي أو جاريتك ؟” هذا الإشكال اللغوي في النطق الصحيح هو من أفواه أئمة مشاهير اللغة العربية. فكيف بنا نحن اليوم؟!
ومن مضمون هذا الإشكال اللغوي يتفاوت معنى الكلام، فمثلاً لو قلنا (الضالين) بالظاء لتبين فحوى ذلك بالدائميين لأصبح ذلك ما يخالف المعنى المقصود، كما يذكر العلامة العراقي الأصل أبو الفرج بن الجوزي (1116 ـ 1201م) في كتابه ” التمهيد في علم التجويد) ص 82 ـ 83 بهذا الخصوص ما يلي: (منهُم مَن يَجعلُه ظاءً مطلقًا لأنَّه يشارك الظاء في صفاتها كلها ويزيد عليها بالاستطالة – فلولا الاستِطالةُ واختلافُ المخْرَجَيْنِ لكانتْ ظاءً – وهم أكثَرُ الشاميِّين وبعضُ أهل المشرق، وهذا لا يجوز في كلام الله تعالى، إذ لو قلنا (الضَّالِّين) بالظَّاء كان معناه: الدائمين، وهذا خلافُ مُرادِ الله تعالى، وهو مبطل للصلاة؛ لأنَّ الضَّلال بالضاد، هو ضِدُّ الهُدَى كقوله تعالى: }ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] و }وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] ونحوه، وبالظَّاء هو الدَّوام كقوله تعالى: }ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النحل: 58] فمثل الذي يجعل الضادَ ظاءً في هذا وشبْهِه كالذَّي يُبْدِل السين صادًا في نَحو قولِه تعالى: { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} الأنبياء: 3] و} وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا} [نوح: 7] فالأول من السر والثاني من الإصرار).
ومن الغرابة أيضاً، أن أية كلمة تبدأ بأحد الأحرف التالية :(أ- ت – ث – ذ – ز- ط – ص – ض – س) لا يوجد فيها حرف الظاء بتاتا، بالنسبة للمفرد مثل “ظفر” وليس للجمع “أظافر”. لذا يمكننا القول: بما أن الضاد والظاء حرفان مستقلان حالهما حال القلب والإبدال في السين والشين، والذال والزاي والثاء وأي حروف متقاربة في اللفظ تؤدي لإشكال في الإملاء والنطق الصحيح. ولكي يكون القارئ الكريم على معرفة من المفردات الأكثر شيوعاً بالنسبة لحرف الظاء ننقلها أدناه من منتدى اللغة العربية وعلومها، وهي كالتالي:
(الحَظّ: بمعنى النصيب. الحِفْظُ: وهو ضد النسيان . الحَظْرُ: وهو المنع .الحَظْوَةُ: وهي الرفعة .الظلم. الظليم: وهو ذكر النعام .الظبي : وهو الغزال .الظبة: وهي طرف السيف .الظعن: وهو السفر بالنساء. الظرف. الظريف .الظَّنُّ .الظِّلُّ .الظفر : وهو ضد الخيبة .الظهر. الظماء .الكظم : وهو كتم الحزن. اللحظ: وهو النظر. اللفظ .النّظْمُ ومنها النظام النظافة .النظَر. العظم. العظيم. العَظَل : وهو الشدة ، من قولهم : أمر معظل. الغيظ : بمعنى الحنق .الفظاظة : وهي القسوة .الفظاعة : من الأمر الفظيع ، وهو الشنيع .التقريظ : مدح الحي بالشعر .المواظبة. الوظيفة. اليقظة : ضد النوم).
ولا يخفى على أحد بما لا يحصى من المقالات والبحوث لا زالت تعالج تلك الإشكالات في صفحات الإنترنيت وإصدار الكتب عنها لتلافي الصعوبات وأشهرها كتاب “الإعتماد في نظائر الظاء والضاد” لجمال الدين محمد بن عبدالله الطائي، ابن مالك (1274 ـ 1203) الذي أشار اليه المستشرق الألماني كارل بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي، ومؤلف المعجم السرياني 1895. وفي الجزء العاشر سنلقي الضوء على الحرفين المذكورين بشكل أوسع وضرورة إضافتهما إلى اللغة الآشورية المعاصرة بغية التطوير الصوتي في الأبجدية الآشورية إن جاز التعبير.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*