وثائق بطرس آغا في الأمم المتحدة


د. رياض السندي *
وثائق بطرس آغا في الأمم المتحدة

15 / 08 / 2016
www.nala4u.com

مقدمة ..أثناء عملي كدبلوماسي في بعثة العراق لمكتب الامم المتحدة في جنيف، إنتهزت الفرصة في البحث عن ارشيف دولة العراق الحديث ومن بينها وثائق الحركة الاشورية في بدايتها مطلع القرن الماضي، وفي الوقت الذي شهد فيه تأسيس دولة العراق.

وتشكل هذه الوثائق أهمية كبرى في معرفة بدايات هذه الحركة، والصعوبات التي والصعوبات التي واجهتها ، وظروف قادة الحركة، والاسباب التي قادة الى اخفاقها. وتسلط تلك الوثائق الضوء على أبعاد هذه الحركة وتوجهاتها، ومدى الخداع الكبير الذي عانته على يد الدول الاستعمارية أنذاك، وعلى رأسها الاستعمار البريطاني الذي انتدب لحكم العراق وإدارته للارتقاء به الى مصاف الدول المتحضرة.

وتظهر هذه الوثائق الحية والاصلية مدى العبء الكبير الذي القي على كاهل قادة الحركة وفي مقدمتهم بطرس أغا الذي يعكس من خلال السطور التي كتبها أن نقرأ عظم مصاب هذه الطائفة التي وجدت نفسها مستهدفة من جميع جيرانها، وقد فتكت بها الحروب والامراض، إضافة للفقر والجوع والتهجير، وتكالب عليها الاعداء من كل حدب وصوب.

ومن اجل فهم افضل لتلك الوثائق، فإننا سنتطرق أولا الى الظروف التاريخية السائدة أنذاك من خلال نظرة تاريخية، ثم نتناول نبذة عن سيرة بطرس أغا، وأخيرا نستعرض اربعة وثائق تعود الى عام 1924.

نظرة تاريخية

كانت للدولة العثمانية التي وصفت انذاك ب (الرجل المريض)، نظرا لضعف سيطرتها وإنعدام الاستقرار فيها وشيوع الفوضى في اغلب مفاصلها السياسية والادارية والاقتصادية، تعاني من تدهورا واضحا وتراجعا كبيرا على صعيد الدول المتقدمة، رغم اتساع مساحاتها وضمّها لشعوب عديدة تختلف فيما بينها بالقومية والدين واللغة والعنصر، ولا يجمعها سوى خضوعها للسلطان العثماني.

وقد وضعت الدول الاستعمارية الكبرى أنذاك (بريطانيا وفرنسا) مخططا للقضاء على هذه الامبراطورية المترامية الاطراف والتي ترهلت كثيراً، وتراخت سيطرتها، واصبحت على حافة الانهيار. ومن أجل تحقيق ذلك، فقد اعتمد البريطانيون – كالمعتاد – على عنصرين رئيسييين هما:-

أولا. العنصر الاجنبي

ويتمثل في قوات الجيش وادارة المستعمرات واستخبارات الامبراطورية البريطانية ، التي كانت توصف انذاك بانها (الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس) والتي انكسفت عنها تلك الشمس لاحقا بسبب من تلك السياسة الاستعمارية، كما هو الحال في معظم الامبراطوريات في التاريخ.

ثانياً. العنصر المحلي

ويتمثل في ايجادد عناصر محلية تقدم ولائها لبريطانيا وتبدي استعدادها للعمل ضمن سياق المخطط الاستعماري البريطاني، فوقع الاختيار ابتداءً على الشريف حسين بن علي شريف مكة وأولاده لتحقيق ذلك بمساعدة عدد كبيرمن المساعدين والمستشارين، بعضهم من البريطانيين من أمثال لورنس وفيلبي والمس بيل ولجمن وأخرون، بالاضافة الى عدد من المساعدين العرب الذين كانوا يعملون في مناصب ادارية وعسكرية ، من أمثال نوري السعيد وجعفر العسكري وأخرين، لاعلان الثورة على العثمانيين والتي سميت ب(الثورة العربية الكبرى)، وأنشأوا جيشا لذلك من العرب الفارين من الجيش العثماني سمّي ب(الجيش العربي).

وعند قيام الحرب العالمية الاولى عام 1914، انقسمت دول العالم الى قسمين متحاربين هما ، دول المحور التي ضمت كل من (ألمانيا وبروسيا والنمسا والامبراطورية العثمانية). فيما ضّم القسم الآخر الذي سمي ب دول الحلفاء، كل من (بريطانيا وفرنسا وروسيا وايطاليا وصربيا واخيرا الولايات المتحدة الامريكية).

ووفقا للخطط الحربية والاستعمارية ، فأن احتلال اجزاء واسعة من الامبراطورية العثمانية المتهالكة وإقتطاعها سيؤدي الى انهيار وتفتيت هذه الدولة الكبيرة باسرع وقت ممكن ، وبالتالي إقامة دول عديدة عليها مستندين على العامل الاقتصادي الذي يمثل في تلك الحالات سيف ذي حدين، بحيث ينهك الدولة العثمانية إقتصاديا بسبب نفقات الحرب الباهظة من جانب ويضمن الثروات الطبيعية في تلك المناطق وفي مقدمتها الثروة النفطية التي بدأت كل المؤشرات تشير الى إن تلك المناطق تعوم على بحيرة من الذهب الاسود، بما يضمن لها مصالحها الاقتصادية لاكثر من قرن قادم. وتحقيقا لكل ذلك، فقد أعدت اتفاقية سايكس- بيكو وهي في مضمونها تشير الى إتفاق بريطانيا وفرنسا على نهب ثروات تلك الدول الحديثة مقابل إنشائها وضمان استقلالها تحت شعار زائف هو استعمار تلك الدول او الوصاية عليها أوانتدابها لتعميرها والارتقاء بها الى مصاف الدول المتحضرة. وقد سعت الدول المتحاربة الى كسب ود الشعوب الساكنة في الدولة العثمانية بذرائع شتى.

وكانت العديد من شعوب الدولة العثمانية أول الساعين للتخلص من جور وظلم العثمانيين الذين أخفقوا في كسب ودهم لضمان بقاءهم ضمن الدولة العثمانية تزاقين للحرية والاستقلال، لذا سارعوا للاتصال بهم أواستقبالهم لذلك الغرض. وكان الدولة من بين شعوب الدولة العثمانية عدد من الاقليات يقف في مقدمتها العرب ثم الاكراد ويليهم الارمن فالاشوريين (النساطرة)، واليهود (الموسويين) واليزيديين وغيرهم.

وسيقتصر بحثنا هذا عن الاشوريين.

يصعب على اي باحث أو مطّلع أن يجد تعداد سكاني دقيق أيام الدولة العثمانية. واول تعداد للسكان جرى عام 1831 ولم تظهر نتائجه الا عام 1881. وقد انحصر التعداد بالرجال فقط نتيجة لتوجه الدولة نحو الخدمة العسكرية والقتال، وهذا ما جعل الرجال وخاصة الشباب يتهربون من تسجيل اسماءهم. كما لم يجري هذا التعداد لجميع مناطق الدولة الواسعة.

ووفقا لوثيقة منشورة عام 1902، فإن عدد سكان تركيا بلغ انذاك قرابة 40 مليون نسمة.

كان المسيحيون على مختلف مذاهبهم وقومياتهم يشكلون نسبة تزيد على 10% من سكان الدولة العثمانية. وكان النساطرة (الاشوريين) في الدولة العثمانية يشكلون نسبة ضئيلة من سكانها. حيث بلغ تعداهم وفقا لآخر احصائية قبل اندلاع الحرب العالمية الاولى عام 1914 على الشكل التالي:-

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*