من موروثنا الشعبي* اســــتيرا


بدران امرايا *كان لشعبنا الكلدواشوري منذ قديم الزمان, طرقه ووسائله الناجعة لحماية مواده الغذائية سالمة  ونظيفة في البيوت وللحد من تطاول الحشرات والفئران عليها وخاصة الحبوب . و كانت البيوت مبنية من الطين والخشب ومن الصعب السيطرة القضاء على الفئران والحشرات فيها, فضلا عن إن المبيدات الحالية لم موجودة آنذاك.

(استيرا أو ستيرا ) كان احد تلك الأدوات لحفظ الحبوب ( مونا , بردي ) وهو( شتي اريا )اسم سرياني مركب بمعنى (قاعدته  محكمة , أو استيرا أي المستور ) , وهو عبارة عن  بناء خشبي طيني بارتفاع متر أو اقل, كان يقام داخل البيوت قديما لغرض تحميل علب وكواني ( جوالي ) الحبوب وغيرها من المواد الغذائية, لإبعادها عن قضم أفواه وأسنان الجرذان والفئران وغيرها من الحشرات , ولتكون مرتفعة أو بعيدة تلك الأحمال عن أرضية البيت ويسهل للقطط تعقب الفئران من تحتها, وتنظيف أسفلها بين الحين والآخر, أو لوضع كماشات الفئران الخشبية أو الحديدية ( قولياثا ), لان وجود كميات كبيرة من الحبوب ( بردي) كان يجذب تلك الفئران والحشرات , ولكونها موّنه أو قوت الناس ومصدر رزقهم  كان يفرض عليهم إيجاد سبل كفيلة لحمايتها .

وكانت الطريقة المثلى وقتذاك ( استيرا ) ببناء جدران أو ثلاثة مقابلة بطول متر وبمسافة متر بينهم حسب الرغبة والحجم  بواسطة الطابوق الطيني ( لوني ) أو الاحجاراو( بناء قمرية خشبية محكمة )  وبشكل أملس ليكون صعبا لصعود الفئران وتعقيب المحاصيل, ثم إمرار ثلاثة أخشاب قوية من أشجار السنديان أو الجوز بشكل أفقي بحيث تطأ الجدران وإثباتها في الطين. وبعد جفاف هذا البناء ، يصبح جاهزا للحمل على أن يكون متباعدا عن جدران البيت بمسافة مناسبة لعدم نزول الفئران من السقف عليه عن طريق الجدران ، فكان ( استيرا) العمود الفقري للعائلة في مَدها بأسباب العيش فعلى ظهره كان رزق الناس من ( خطي الحنطة – صاري الشعير –  خرطماني الحمص – طلوخي العدس –  رزا, شلتوكا, الرز – ماشي  الماش – بطمي البطم – يبيشي الزبيب – سموقي  السماق – دخنا الدخن – قَمخا الطحين – ششمي السمسم – كَوزي الجوز- شيكَر السكر- ملخا الملح-  كَوركَور البرغل, كَرسا الجريش  وغيرها )  ، فضلا أن الناس كانت تقيم اعتبارا للبيت الذي يكون فيه (الاستيرا) حافلا بالعلب ثقيل الحمل ( بَيته مليا ومشيا ) أي بيته مليء ومغسول ..وكان حمل ( ستيرا ) له دوره الفعال في أمور المصاهرة بين العوائل( باخلا وبشَتيا مخ مَلكثا ) أي ستأكل وتشرب كالملكة , المقصود بها هنا كنه البيت ( كلثا دبيثا).

وكان من المهم جدا أن يختار موقع الستيرا في مكان المناسب وفي مؤخرة البيت , أو في غرفة الصدر ( اوتغ د كَاوايي), لتكون محمية من تطاول اللصوص والحرامية وقطاع الطرق ( كناوي وموخلاجيي وقطايي داورخاثا )  وخاصة في أوقات الشدة والجوع والغلاء ( كبنا , خَلا )  وكان هناك عصابات وبلطجية  تجول على القرى ليلا للسرقة  والنهب ,

وذات مرة كان هناك في احد البيت امرأة وابنتها الدون العشرين من العمر , وخلا ل الليل كانت الناس عادة تخفض اضوية بيوتها من ( لمبة وشراغا ) لسببين الأول للاقتصاد في إحراق الزيت  , والثاني للإيهام بان البيوت خالية من الناس أو تحشر الشبابيك ( كاواثا ) بالأغطية لعدم أظهار أي ضوء يجلب انتباه تلك العصابات السائبة  , ولدى اقتراب العصابة من بيت تلك المرأة , فان ابنتها ارتعبت من الخوف وحاولت أن تصرخ لكن الأم غطت فم البنت بكفها , وبعد أن تأكد اللصوص بان البيت فارغ من الناس ,فحاولوا فتح أو كسر الباب القوي المصنوع من شجرة (الصلما ) شجرة العرعر لكن لم يفلحوا , لذلك قرروا فتح  ثقب في الجدار والمرور من خلاله, ولدى فتح الثقب حاول احد الأشخاص المرور من خلاله .

وبداية قام بإدخال قدميه فالبنت ارتعبت كثيرا لكن إلام كانت حكيمة جدا وعالجت الموقف بحكمة ودراية عالية ولدى إدخال حوضه داخل البيت  فأمسكت بقوة غير معتادة خصيتيه  وشدتهم بكلا كفيها,فان الرجل صرخ بكل جوارحه (صرخلي خا قالا بارا وخا بشميا ) فصرخ بصوت في الأرض والآخر بالسماء !!! من شدة الألم , فان صاحبه ظن إن القيامة قامت فهرع هاربا كالبرق كالقط المذعور ( بَد لبي قملا قيمتا ) , لكن المرأة لم ترد قتله بفقع خصيتيه, بل أرادت أن تلقنه درسا  بليغا بنقطة ضعفه,ولدى  ترك خصيتيه فسحب حوضه وولى هاربا كالفار المذعور تاركا أدواته من الحفارة اليدوية والكرك ( روشتا . قَزما ) يتيمة هناك . هذا كان مشهدا بسيطا من حياة أهلنا  في القرى دون أية مزايدة أو رتوش . ( طووي لاني يوماني بسيمي  مليي من ناشوثا وطاووثا ) فطوبى لتلك الأيام الخوالي المليئة بالصفاء والنقاء والمروءة  كما جاءت على لسان من جالسته من أبناء ذلك الجيل ..

تودي غلبا..

Badran_omraia@yahoo.com

www.nala4u.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*