في ذكرى مذابح السيفو .. تحية حب ووفاء

سنحاريب …/// في مثل هذا اليوم من كلِّ عام ٍ تحلُّ علينا ذكرى حزينة وأليمة , إنَّه الرابعُ والعشرون من نيسان , نيسانُ الذي جاء هذه السنة أيضاً مُثخناً بالجراح تتقطـّرُ من حروفه الدماء , وكيف لا يكون حزيناً مُدمى وهي الذكرى السابعة والتسعون للمجازر التي ارتـُـكبت عام 1915 بحقِّ أمتنا الآشورية , ولا تزال حكومات العالم صامتة ً بخزي وعار أمام التعنت التركي وإصراره على عدَم الاعتراف بتلك المذابح الرهيبة التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف من أبناء شعبنا الآشوري ( بمختلف أطيافه ) الذين قضَوا على أرضهم التاريخية التي كانت تحت سيطرة السلطنة العثمانية , إنّ ما حصل من إبادة جماعية بحقّ شعبنا والمسيحيين عموماً على أرضهم كان بتخطيط مُسبق ٍ وبقرارات رسميّة ٍ وُجِّهتْ من جانب حكومة الاتحاد والترقي الشوفينيّة العنصرية الحاكمة آنذاك , إلى كافة العاملين فيها من جيش وشرطة ومخابرات وخيّالة حميدية , وغيرها من الأجهزة والمؤسسات ذات الطابع الأمني والعسكري , من أجل إجراء هذه المذبحة الجماعية وبأسرع وقت ممكن دون أن تأخذهم رحمة ٌ أو شفقة ٌ بأولئك الأبرياء , كما جاء في إحدى تلك البرقيات : ” … عليكم أن تقتلوا صوت الضمير في أعماقكم .. ” وليس هذا فحسب بل قاموا بتوظيف العشائر الرجعيّة الكرديّة والشركسية والتركمانية , الأداة الرئيسة في تنفيذ هذه الجريمة من خلال إغرائهم بالغنائم من أراض ٍ وبيوت وأموال , والسبايا من النساء , في أبشع جريمة عرفها التاريخ الإنسانيِّ , إنّ الذين وقـّعوا على تلك الفرمانات ونفـّذوا تلك الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية , ليسوا ببشر ٍ بل هم أشبه بالكواسر المفترسة حين يُغريها منظرُ الدم فيهيج كلَّ غرائزها الوحشيّة , لا بل إنّه من الظلم تشبيه الحيوانات بهم لبشاعة ما ارتـُكب على أيدي أولئك المتعطشين للدماء , لكنّ الأمر لم يتوقف عند هذا الحدِّ , حيث امتدتْ اليد الآثمة ُ إلى الناجين من المذابح المباشرة , ليتمَّ التخلـُّـص منهم عِبر تهجيرهم في قوافل الموت باتجاه صحراء سوريا وبلاد الرافدين , ليُتركوا فريسة للجوع والأمراض والعطش .. يتساقطون من السُّغوب واللـّـغوب على الطرقات والمنحدرات وفي الأودية , إنّ شعبنا قدّم نفسه قرباناً من أجل الوجود والحفاظ على الهوية والعقيدة , ولا شيء يسمو فوق تلك الشـــــــــــــــــهادة . لكنْ يجب أنْ نلتفت قليلاً إلى ناحية مهمة ٍ , لنقول إنّ تلك المذابح التي طالت المسيحيين وغير المسلمين عموماً من رعايا السلطنة العثمانية , من آشوريين وأرمن وايزيديين ويونان … وغيرهم , لم تتوقف يوماً حيث كانت الانتهاكات والاعتداءات , عبر تاريخ السلطنة , سلوكاً وممارسة يوميّة ً لأُناس ٍ امتهنوا الأجرام والعنصريّة والطائفيّة , ومن المفيد أنْ نعلم أيضاً أنّ مَن أصدر هذه القرارات كان يستند من ناحية على أساسٍ شرعيٍّ دينيٍّ , حتـّى يضمن وجود مَن يقوم بتنفيذها وهو مرتاح الضمير , ومن ناحية أخرى كان يعتمد على غطاء دولي ممّن يدّعون ويتبجّحون بالحديث عن حقوق الإنسان ونشْر الديمقراطية , لا بل وبمشاركة ٍ عمليّة ٍ من خلال تقديم المساعدة والإشراف المباشر على أرض الواقع على تلك المذابح ( المانيا نموذجاً ) . إنّ العالم المتحضر ( كما يُحبُّ أنْ يسميَ نفسه ) اللاهثَ وراء مصالحه , كان يتفرج وبدم بارد على إبادة حقيقية للمسيحيين في موطنهم دون أن يرفَّ له جفنٌ , وهذا ليس بغريب ولا جديد عليهم , فالأوربيون أنفسهم تواطؤوا مع العثمانيين حين احتلوا القسطنطينية , وأعطوهم الضوء الأخضر من أجل تدمير المسيحية الأرثوذكسية فيها , من خلال حرق الكنائس أو تحويلها إلى جوامع ( آيا صوفيا ) , وقتـْل وملاحقة رؤسائها وتدمير مراكزها العقائدية , والشواهد كذلك كثيرة أيضاً على التواطؤ ضد المسيحية المشرقية في العصر الحديث ( دهس الأقباط بالعربات العسكرية المصفحة على مرأى ومسمع العالم المتحضر , دون أن نسمع منه أي إدانة حقيقية لهذا العمل البربري الحاقد ) . إنـّنا اليوم إذ نـُـدين ما ارتكبته السلطنة العثمانية الاستبدادية بحقِّ شعبنا والشعوب الأخرى المسالمة , على مرأى ومسمع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا , وليس في غفلة من الزمن كما يدّعون وبأنّ العثمانيين استغلوا الظروف الدولية وخاصة الحرب العالمية , ندعو أبناء شعبنا إلى التكاتف والعمل المشترك من أجل كشف خيوط المؤامرة الدنيئة التي حيكت وقتها , وذلك من خلال البحث عن الوثائق وتجميع المستندات وكلّ ما من شأنه أن يؤكد حدوث هذه الإبادة بالدليل القاطع من أجل الضغط للاعتراف بحقوقنا المهدورة والمسلوبة وسْط تزاحُم المصالح والصراعات الدولية على مناطق النفوذ , ومن أجل ذلك نهيب بالدول المذكورة أعلاه إلى شيء من صحوة الضمير كي تفتح أرشيفها أمام الباحثين من أبناء شعبنا في هذا المضمار , وكذلك ندعو جميع القوى السياسية والمرجعيات الدينية لشعبنا , من أجل إيجاد منطقة آمنة يعيش فيها شعبنا على أرضه التاريخية من أجل الحفاظ على البقية الباقية منهم في أرض الوطن , وهذا حقٌّ من حقوقنا أسوة ً ببقية شعوب المنطقة وأخيراً وليس آخراً يجب ألا ننسى إيقاد الشموع والوقوف بخشوع أمام ذلك الدم الزكي البريء الذي أُريق دون وجــــــه حـــــــــقٍّ ولكـــــــــــــنْ بدافــــــــــــع الحقد والتعصُّـــــــب الأعمى والكراهية والطمع ليس إلا وعلينا أنْ نحنيَ هاماتِنا أمام بطولة أولئك الرجال الشجعان في ذلك الزمن الصعب , الذين دافعوا عن وجودهم وأرضهم وشرفهم , بكلّ استبسال وتفان ٍ وإرادة صلبة , الذين أبَوا أنْ يُساقوا إلى الموت كالنعاج , وبالرغم من بساطة وسائل دفاعهم إلا أنـّهم استطاعوا أنْ يُسطـّـروا ملاحم من البطولة في وجه البربرية وآلة الموت , أولئك هم حقاً حاملي صليب المسيح السائرين في درْب آلامه المدافعين عن قيمه قيم الحياة بكلّ ما فيها من جمال في وجه الموت والظلام . إنـّـنا إذ نستذكر تلك الحقائق الدمويّة , والأيام المأساويّة التي عاشها شعبٌ أعزل وهو يواجه مصيراً مشؤوماً وقدراً أحمقاً , أدعوكم إلى أنْ تستقوا وتتزودوا من تلك العزيمة والإرادة الجبلية لرجالات أمتنا الذين واجهوا أعداءهم غير خائفين أو آبهين بعدته وعديده , لقد أعطونا درساً فيه الكثير من العبر والمواعظ : إنـّه بالاتحاد والإرادة القوية يمكن أن يصنع الإنسان المعجزات فتحيـّــــة ً إلى أولئك المقاومين المدافعين عن وجودهم وهويتهم في جبالنا الشـّــــــــــماء في أورمية وهكاري في آزخ وعين ورد وفي دير مار ملكــــــي …. وفي كلّ موقع ظهر فيه رجالٌ يحملون الروح الآشــــورية الأصيلة بين ضلوعهم , أمام أولئك الشــــــــــجعان نحني رؤوسنا تقديراً وعرفاناً ووفاءً يا أبناء شعبنا الآشوريِّ إنّ الواجب والضمير اليوم يدعونا لإحياء ذكرى تلك المجازر والمذابح الرهيبة , رجالاً ونساءً شيباً وشباباً وأطفالاً وتنظيماتٍ ومؤسساتٍ , علينا أنْ نعمل في كافة أماكن تواجدنا من أجل تحويل هذا اليوم إلى يوم احتجاج عام على المذابح والصمت العالمي تجاهها , ونسعى فيه إلى التعريف بما ارتـُكب في حقنا , من خلال تنظيم الفعاليات والأنشطة المختلفة بشكل يجذب اهتمام الرأي العام العالمي والشعوب التي نعيش معها ( أوربا خاصة ) إلى معاناتنا المستمرة إلى اليوم في هذا الشرق المُتخَم بالجراح , حيث لاتزال الحكومة التركية اليوم تؤكد على عقليتها الإجرامية والعنصرية المستمرة دون انقطاع , وذلك من خلال محاولاتها الاستيلاء على دير القديس مار كبرئيل لتعمل بذلك على اجتثاث ما تبقى من أبناء شعبنا من أرضه وفي الختام وعطفاً على ما أوردناه أحبُّ في هذا المقام أن أوجه تحية حبٍّ وتقدير إلى : 1- روح الأب الفاضل الخوري سليمان حنـّـو الأركحي , أحيّي فيه الأديب والشاعر والمؤرخ والمعلم والإنسان العظيم الذي حمل هموم شعبه وقضيته التي كانت بالنسبة إليه هاجساً يومياً , فجسّد ذلك في حياته سلوكاً وممارسة من خلال دعوته إلى التمسُّك بالأرض وتعليم اللغة السريانية والتأليف والكتابة بها والترجمة إليها وقبل هذا وذاك كونه من الأوائل الذين تنبهوا إلى أهمية وضرورة توثيق تلك المجازر فعمل على تأليف كتابه الشهير باللغة السريانية ( مذابح السريان في طور عبدين ) والذي تـُـرجم إلى لغات عدة في أوربا 2- المنظمة الآثورية الديمقراطية على ما قامت وتقوم به عبر مسيرتها الحافلة بالتضحية والعمل الدؤوب خدمة لقضية شعبنا العادلة قضية الوجود والحرية , من خلال مواقفها الجريئة باحثة لنا عن مكان تحت الشمس , أوجه لها تحية حبٍّ وتقدير من خلال مكتبها السياسي ومسؤوله الأستاذ كبرئيل موشيه , الذين لا يوفرون جهداً عاملين بكل إخلاص وتفان ٍ , وخاصة في إثارتهم قضية المجازر في المحافل الدولية منذ فترة من الزمن وتحقيق ما يمكن أن نسميه إنجازات في هذا المضمار , بالإضافة إلى عملها الدؤوب في كلّ المجالات التي تهم أبناء شعبنا وقضيتنا ومنها العمل من أجل الاعتراف الدستوري بشعبنا في أرضه التاريخية 3- كما أحبُّ أن أحيي اليوم على جهودهم الصادقة والمخلصة في قضية السيفو , كل من لجنة متابعة مجازر إبادة الآشوريين ( سيفو ) العالمية , وسنتر سيفو , والاتحاد الآشوري العالمي , وغيرهم من الأحزاب والجمعيات والشخصيات السياسية والفكرية التي تعمل من أجل هذه القضية العادلة . المجد والخلود لشهدائنا الأبرار

سنحاريب 24 – 4 – 2012

سما القامشلي

تعليق واحد على

  1. أنا ابدي تعاطفي الشديد مع الأخوة المسيحيين من سريان وكلدان وأشوريين في ذكري مذابح السيفو وأدين ماجري من السلطات العثمانية بالخصوص وكذا الصمت الأوروبي تجاهه ماجرى للكنائس الأرثودكسية المشرقية خلال الحرب الولى.
    تقبلوا تحياتي من اليمن وأدعوا الله أن يبارك هذه الشعوب الأصيلة ويحقق لها بناء كيانها ليكون مثالا للتعايش في المنطقة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*