مذابح عابدي الإله أكبر بحق الأقليات الدينية والعرقية في سوريا عبر التاريخ الجزء الثاني (الآشوريون/ السريان/الكلدان )

وديع طعمة
أستكمالاً لسلسلة المذابح التي قام بها عابدي الإله الدموي ” الله ” والتي بدأتها بمذابح الأرمن على هذا الرابط :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=288773
نُتابع اليوم الجزء الثاني عن مذابح السريان والكلدان والاشوريين ومن بعدها سنتابع على الشكل التالي :

3 – مذابح دمشق، تموز 1860
4 – مذابح حلب
5 – مذابح اليهود
6 – مذابح العلوية
7 – مذابح الدروز

تعريف بسيط :
الآشوريون/ السريان/الكلدان هي مجموعة عرقية تسكن في شمال ما بين النهرين في العراق وسوريا وتركيا وبأعداد أقل في إيران، كما توجد أعداد أخرى في المهجر في الولايات المتحدة ودول أوروبا وخاصة بالسويد وألمانيا. ينتمي أفراد هذه المجموعة العرقية إلى كنائس مسيحية سريانية متعددة ككنيسة السريان الأرثوذكس والكاثوليك والكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق. كما يتميزون بلغتهم الأم السريانية وهي لغة سامية شمالية شرقية نشأت كإحدى لهجات الآرامية في مدينة الرها.
كيف بدأت تلك المذابح بحق هذه الشعوب السامية ؟
كانت أول مذبحة في عام(1812) إذ قامت جيوش بدرخان( الإمارة البدرخانية الكردية كانت تابعة للعثمانيين ) بمذابح كبيرة ضد النساطرة الاثوريين.(1). واستمرت هذه المذابح الى ما بين (1843- 1845) وهي المذابح التي شهدها العالم الأثري هنري لايارد في رحلته إلى المناطق الآشورية شمال الموصل عام (1945)، وكتب عنها في كتابه (البحث عن نينوى). وكذلك كتب عنها الباحث لوك في كتابه (الموصل وأقلياتها). أورد مقتطفاً من الرسالة التي بعث بها البطريرك مارشمعون بنيامين إلى قيصر روسيا بتاريخ (27 أيار عام 1868)، مستنجداً بها: ››لقد استولى الأكراد عنوةً على ممتلكات أديرتنا وكنائسنا وسلبوا عفاف العذارى، واعتدوا على زوجاتنا ونسائنا، وأجبروهن على اعتناق دينهم. وكذلك فإن الأكراد يريدون منا دفع الجزية. (2).

وعلى مايبدوا إنّ العثمانيين علموا بالأستنجاد الذي قام به البطريرك مارشمعون بقيصر روسيا فام العثمانيين بمعاقبة المُعتدي تحت مُسمى ” موقفها المتسامح في الأمور الدينية ” ( نعم أستخدموا هذا الأسم هم نفسهم من فعل المجازر والأسباب دينية تكفيرية ) , وهذا ماذكره العالم الأثري هنري لايارد يكتب عن ذلك ما يلي: همجية الأكراد تعدت كل حدود بحيث جعلت صبر الباب العالي-حكومة الدولة العثمانية – أن ينفذ. فقررت أخيراً معاقبة المعتدي صاحب المذابح الفظيعة وتحطيم الخاضع للسلطان العثماني الذي تمرَّد وبدون عقاب، يهمل موقفها المتسامح في الأمور الدينية. فأرسلت حملة تأديب تحت قيادة عثمان باشا… حكم عليه بالنفي مع السماح لعائلته وكل المقربين له بمرافقته، وبالإضافة إلى هذا، أُعطيت له الضمانات في التصرف بممتلكاته الخاصة بنفسه… كان هذا هو العقاب الوحيد الذي فُرض على منفِّذ عدد لا يحصى من الجرائم الجماعية في هذه البقعة من الشرق تشمئز لها النفس البشرية وتكاد همجيتها لا توصف (3).
وفي حين مُعاقبة الكردي ذاك كانت البداية العثمانية بين 1841- 1848 (أي خلال أواخر المذبحة التي قامت بها الجيش الكردية التابع للعثمانيين ) وكانت مرحلة عاصفة في تاريخ وحياة الآشوريين في بلاد مابين النهرين , ولعب بها عدة أطراف مُختلفة , كان على رأسها العثمانيين وأعوانهم العشائر والقبائل الكردية ولعب دور بها أيضاً المُبشرون الأوربيون والأمريكان , حيث أوردت الوثائق بأن تلك المجموعات التي كانت على هيئة مُبشرين , ما إلا جواسيس لبلدانهم التي كانت تُريد مساعدة الآشوريين والسريان والأرمن والكلدان في الوقوف بجانبهم للقضاء على الأمبراطورية العثمانية , مقابل الوعود الكاذبة في حماية المسيحيين في الشرق من العثمانيين , فمنذ سنة 1831 شهدت بلاد مابين النهرين حضوراً عسكرياً وسياسياً عثمانياً من جهة والحضور الغربي الذي أتخذ أشكال متعددة من جهة أخرى , أي إنّ بلاد مابين النهرين كان ساحة صراع عثمانية غربية لعب بها الجواسيس دور المُبشرين والوعود الكاذبة في حمايتهم من العثمانيين !
يقول الباحث هرمز أبونا في كتابه (الآشوريون بعد سقوط نينوى) (4) عن دور المبشرون في المذابح: ((مبشرون أم سياسيون؟ لقد لعب المبشرون خلال فترة بين 1831-1847م دوراً مؤثراً في حياة الشعب الآشوري (السرياني) في بلاد ما بين النهرين، وكانوا وراء الكثير مما حل بأبناء هذا الشعب من نكبات ومآسي وتدمير شامل للبنية العامة التي كان قد نجح بالمحافظة عليها وعلى كيانه القومي وترابه الوطني إلى وقت حضورهم إلى المنطقة)). وقد أكد هذا الدور مراسل الجريدة اللندنية – باد كير- . تلك المذابح أدت إلى تحقيق النتيجة التي كان الأتراك ومن معهم من الأكراد يتوقون إليها وهي الاحتلال المباشر لمناطق السريان (الآشوريين) والأرمن، وهذه كانت تصب ضمن دائرة المصالح العليا للقوى الغربية الهادفة إلى السيطرة على المستعمرات العثمانية في آسيا. فقد أظهرت الوثائق هؤلاء المبشرون كسياسيين لا كرجال دين، لقد عمل المبشرون الغربيين كل ما بوسعهم لإنجاح الحملة التركية للقضاء على المسيحيين من أرمن وآشوريين ويونان، باعتبار كان ذلك من مستلزمات السيطرة على مستعمرات الإمبراطورية العثمانية المريضة بعد سقوطها. لقد أنخدع الأرمن والآشوريين المسيحيين بالمبشرين باعتبارهم مسيحيين مثلهم ولم يدركوا بأنهم جواسيس لا مبشرون جاءوا لخدمة حكوماتهم وتحقيق غاياتهم ومصالحهم.

يذكر الكاتب أ . شوسين أنه لم تكن المذبحة الكبرى التي قام بها العثمانيين عام 1915م سوى واحدة من سلسلة المذابح الكثيرة التي تعرض لها الآشوريين عبر تاريخهم الطويل، كانت أخرها مذبحة (سيمل) في العراق عام 1933م. لكن المذبحة الكبرى على يد الأتراك تمثل أقسى مراحلها لا بسبب الأعداد الكبيرة من القتلى فحسب، وإنما لبشاعة الجريمة والطريقة البربرية والهمجية التي نفذت بها المجزرة. فقد اتسمت الحملة بأبشع صور السادية والعنصرية والنازية، وعدم الرحمة والتمييز في القتل بين الرجال والنساء والأطفال حيث شملتهم المذابح.وقد وصفها بعض شهود العيان الذين تسنى لهم الإطلاع على نماذج من المذابح،وقد قارنوها مع تلك التي أقترفها تيمورلنك أثناء مذابحه الدموية الشاملة ضد أبناء بلاد ما بين النهرين خلال أعوام 1393-1401م .ويعتبر القنصل البريطاني في الموصل من أكثر المراجع الدبلوماسية الغربية قرباً من مسرح وساحات المجازر المرعبة ،ففي تقرير له إلى سفير بلاده في القسطنطينية كتب واصفاً تلك المذابح بالقول: ((بأنه عار في جبين الإنسانية)).يقول الفيلسوف الإنكليزي (كانت): ((إذا كان قتل طفل بريء يسعد البشرية جمعاء فقتله جريمة))، ماذا كان سيقول كانت لو علم أن العثمانيين لم يقتلوا طفلاً بريئاً فحسب، وإنما قتلوا وأبادوا شعوباً وأمماً بريئة. وإذا قارنا الخريطة الديمغرافية للمناطق المسيحية في كلٍ من أرمينيا و بلاد ما بين النهرين الواقعة تحت الحكم العثماني كما كانت عليها قبل المذبحة الكبرى عام 1915م مع ما أصبحت عليه بعد المذابح نكتشف ببساطة هول الكارثة وحجم المأساة التي حلت بالشعبين الأرمني والآشوري. ومدى الخراب الذي لحق بالبنية التحتية والفوقية لمجتمعات هذه الشعوب. وأنها كانت بدون مبالغة محاولة لإنهاء الوجود المسيحي من هذه المنطقة، ودفنه وبكل ما كان يملكه من حضارة وثقافة وتاريخ تحت الأرض.

يقول (هنري مورغنطاو –السفير الأمريكي في تركيا ما بين 11913 – 1916 في كتابه قتل أمة (5): (إن التعصب الديني عند الغوغاء والرعاع الأتراك ومن معهم من الأكراد بدون شك كان الحافز الذي دفعهم لذبح الأرمن خدمةً لله. لكن الذين فكروا وخططوا للجريمة كانوا عملياً كلهم ملحدين لا يحترمون لا الإسلام ولا المسيحية والباعث الوحيد عندهم كان تمرير سياسة الدولة الماكرة والمجرمة). ويضيف في مكان آخر من كتابه: (لم يكن الأرمن الشعب الوحيد بين الأمم التابعة لتركيا عانت من نتائج سياسة جعل تركيا بلداً للأتراك حصراً). فهناك اليونان والآشوريين من السريان والنساطرة والكلدان أيضاً فالقصة ذاتها تطبق عليهم مع بعض التعديل. أن تركيا ستبقى مسؤولة عن كل تلك الجرائم أمام الحضارة الإنسانية ).

وهناك المذبحة الأشد بشاعة من سابقاتها والتي تحمل أسم مذابح سيفو وتعرف كذلك بالمذابح الآشورية أو مذابح السريان ، تطلق على سلسلة من العمليات الحربية التي شنتها قوات نظامية تابعة للدولة عثمانية بمساعدة مجموعات مسلحة كردية شبه نظامية استهدفت مدنيين آشوريين/سريان/كلدان أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى (6) بالسريانية: ܣܝܦܐ أي السيف. هي المذابح التي ارتكبت بحق السريان (أبناء الكنائس السريانية بشكل عام) احدى الأقليات في الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى على يد العثمانيين . الشعب السرياني الساكن في بلاد الرافدين، طور عبدين والمناطق التي تقع جنوب شرق تركيا وشمال غرب إيران كان هدفاً للقوات العثمانية (التركية والعشائر الكردية التي أرتكبت مجازر بحقه في المناطق المذكورة سابقاً خلال الأعوام 1924-1920 تحت قيادة العثمانيين . أوضح الدارسون أن الضحايا السريان كانوا ما بين 500,000 إلى 750,000 ضحية. لقد كانت المذابح السريانية ذات أهمية توازي أهمية مذابح الأرمن ومذابح اليونانيين البونتيك. لكن على عكسهما، لم يكن هناك أي رد فعلي وطني أو عالمي بشأنها، وتم تصنيف المذبحة السريانية كجزء من مذابح الأرمن. ( 7, 8 , 9 , 10 )

بدأت هذه المجازر في سهل أورميا بإيران عندما قامت عشائر كردية بتحريض من العثمانيين بالهجوم على قرى آشورية به، كما اشتدت وطأة المجازر بسيطرة العثمانيين عليه في كانون الثاني 1915. غير أن عمليات الإبادة لم تبدأ حتى صيف 1915 حيث اضطرت جميع آشوريي جبال حكاري إلى النزوح إلى أورميا كما تمت إبادة وطرد جميع الآشوريين/السريان/الكلدان من ولايات وان وديار بكر ومعمورة العزيز. (11)
أدت سلسة المجازر هذه بالضافة إلى المجازر الأرمنية وعمليات التبادل السكاني مع اليونان إلى تقلص نسبة المسيحيين في تركيا من حوالي 33% قبيل الحرب إلى 0.1 حاليا ونزوح مئات الالاف من الآشوريين/السريان إلى دول الجوار (12)
وللأهمية نذكر أنه شكل الآشوريون/السريان/الكلدان إحدى الأقليات الدينية والعرقية الهامة ضمن الدولة العثمانية، وبالرغم من تواجدهم في مراكز عواصم الولايات العثمانية كالموصل وحلب وآمد إلا أن معظمهم عاش في قرى عديدة في منطقة تمتد من أورميا شرقا إلى ماردين غربا. حيث عاشوا جنبا إلى جنب مع الأكراد والأرمن. ويقدر الباحثين أن عدد المشارقة (الآشوريين والكلدان) تراوح مع بين 400,000 – 500,000 نسمة. كما شكل السريان المغاربة (السريان الأرثوذكس والكاثوليك) عددا مماثلا. ما يجعل عددهم الكلي 700,000 – 1,000,000(13) وقد انقسموا بحسب مناطق تواجدهم إلى ثلاثة أقسام:

1- أورميا التي أصبحت مدينة إحدى أكثر المناطق تطورا حيث شهدت تأسيس جريدة “زهريرا دبهرا”، “ܙܗܪܝܪܐ ܕܒܗܪܐ”، سنة 1849 والتي تعتبر أول جريدة ناطقة بالسريانية.(14) كما نشط في تلك المنطقة عدة إرساليات مسيحية منذ عشرينات القرن التاسع عشر عملت على إنشاء المطابع ونشر الصحف بهدف تحويل سكانها المسيحيين والذين تبعوا كنيستي المشرق الآشورية والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية إلى الأرثوذكسية الشرقية والبروتستانتية. وبالرغم من تحول أعداد ضئيلة جدا إلى تلك الطوائف إلا أن تأثير تلك الإرساليات كان عميقا جدا في المنطقة أدت لحدوث نهضة ثقافية بانتشار الصحافة والتعليم بين سكانها المسيحيين.(15)
2- حكاري : بحلول القرن التاسع عشر بدأت الإمارات الكردية تحاول فرض سيطرتها على هذه المنطقة فقام الأمير الكردي محمد الراوندوزي بعدة مجازر استهدفت المسيحيين واليزيديين في مناطق برواري وسنجار كما حاول فرض الديانة الإسلامية بالقوة على المناطق التي استولى عليها، كما قام بمجازر المسيحيين واليزيديين في مناطق برواري وحكاري وبوهتان، كما تعاظمت سلطته واستولى على مناطق الجزيرة الفراتية قبل أن يسقطها كأمارة السلطان العثماني ويضعها تحت سيطرته الشخصية (16 , 17 ) ويذكر أنه شهدت مناطق سهل نينوى وبرواري سلسة من المجازر بقيادة أمير إمارة بوهتان الكردية بدر خان أدت لمقتل عشرات الآلاف من المسيحيين وتدمير العديد من القرى في مناطق العشائر الآشورية. أدى ضغط القوة الغربية من أجل وقف المذابح إلى تدخل الباب العالي على مضض فسقطت فبذلك آخر الإمارات الكردية ( 18) إلا أنه يُذكر في ربيع 1915 هوجمت قرى حكاري من قبل العشائر الكردية المتحالفة مع العثمانيين فقتل الآلاف ونزح الباقون إلى أورميا وقعت تحت النفوذ الروسي حينها، كما قام العثمانيون بمهاجمة قرى ومدن ولاية ديار بكر وخاصة سعرت وآمد فقتل معظم السريان والكلدان بها (19 , 20 )
3- طور عابدين : كانت هذه المنطقة أهم مراكز تجمع السريان الأرثوذكس وسرعان ما وجد شيء أقلق السلطات العثمانية وهو ” الفرق الكبيرفي مستويات التعليم بين مسيحي تلك المناطق ومسلميها ما حذا بالعثمانيين إلى إصدار قرارات تقضي بإغلاق المدارس المسيحية ما لم تكن مفتوحة بفرمان رسمي. وصل المطاف بالسلطات العثمانية في سنة 1884 إلى إصدار قانون يقضي بكون الباب العالي هو من يقرر فتح مدارس في المناطق من عدمها (21)
تعرضت ولاية ديار بكر بأكملها إلى سلسلة من المجازر سنة 1895 قلصت عدد مسيحييها. وبلغ عدد سكان سنجق ماردين قبيل بداية الحرب العالمية الأولى حوالي 200،000، شكل المسيحيون حوالي خمسي عدد سكانه. كما أصبحت نسبة الأكراد حوالي 50% من عدد سكان طور عابدين البالغ حوالي 45,000.(22) وعُرفت هذه المجازر بأسم ” مجازر ديار بكر ” هي مجازر حدثت في ولاية ديار بكر ضمن الدولة العثمانية بين عامي 1894-1896 من ضمن المجازر الحميدية التي استهدفت سكان المنطقة من المسيحيين. استهدفت المجازر بداية الأرمن بتحريض من بعض رجالك الدولة والدين العثمانيين بحجة رغبتهم بتفكيك الدولة، غير أنها سرعان ما اتخذت منحا معادي للمسيحيين بشكل عام بانتقالها إلى ولاية ديار بكر وريفها ومناطق طور عابدين التي شكل السريان أغلب مسيحييها
وكانت تلك المجازر تم فيها حرق العديد من القرى المسيحية ويقدر عدد القتلى بها من السريان بما بين 70,000 إلى 100,000. (23)

وهنا لم ينتهي المجازر ؛ ففي 12 تشرين الثاني 1914 أعلن السلطان محمد الخامس الجهاد على “أعداء الإسلام”، وصادق شيخ الإسلام العثماني على هذه الدعوة بإعلان فتوة الجهاد في 14 تشرين الثاني. وبالرغم من فشل العثمانيون الأولي غير أنهم تمكنوا في يوم رأس السنة 1915 من اختراق الدفاعات الروسية في إيران دون مقاومة تذكر والسيطرة على تبريز وأورميا (24)
في نفس هذه الفترة في حكاري بدأت المليشيات الكردية العاملة بأمرة العثمانيين بعمليات إبادة شملت قرى أرمنية وآشورية على حد سواء، وخلالها تم نهب وقتل سكان القرى الآشورية/الكلدانية في مقاطعتي ألباق وغاوار الواقعتين جنوب بحيرة وان.(25) كما قام العثمانيون باعتقال أعيان السريان في مناطق “بشكالي” شمالي حكاري وأجبروهم على العمل كحمالين لدى الجيش العثماني كما قاموا بقتلهم بعد انتهاء المهمة الموكلة لهم(26) في 15 نيسان 1915 بعث السفير الألماني “فانغنهايم” ببرقية إلى المستشار الألماني يخبره فيها أن مسيحيي وان تعرضوا ل-”إبادة شاملة” بتواطؤ من السلطات المدنية المحلية.(27)

غير أن العامل الذي حسم دخول الآشوريين الحرب كان اعتقال أخ البطريرك، هرمز شمعون، أثناء دراسته في إسطنبول حيث نقل إلى الموصل واستعمل كرهينة فطلب الأتراك من البطريرك عدم تلبية دعوات زعماء العشائر الآشورية بالتحالف مع الروس فرد عليهم بأن حياة رعيته أهم من حياة أخوه. فأعدم هرمز شمعون بالموصل،(28) ورد البطريرك بالرضوخ لضغوط رؤساء العشائر وأعلن الحرب على الدولة العثمانية في 10 أيار 1915.(29) وبالرغم من وعود الروس بدعم آشوريي حكاري إلا أنهم لم يرسلوا سوى 400 من الخيالة القوساق الذين أبيدوا من قبل الميليشيات الكردية قبل وصولهم إلى جبال حكاري. فالتجأ الآشوريون بقيادة شمعون بنيامين إلى أعالي الجبال على ارتفاع أكثر من 3,000 كيلومتر حيث كان من الصعب على الجيوش النظامية اختراقها. غير أن الأتراك أبقوا قواتهم في المناطق المحيطة بها لعلمهم أن ثلوج تشرين سترغم الآشوريين على النزول(30) يروي البطريرك في رسالة موجهة إلى القيادة الروسية الوضع في جبال حكاري:(31)

بعد شهر من المعارك مع الأكراد، أرسل مهدي باشا حاكم الموصل العثماني وحدات عثمانية مدونة بمدافع ثقيلة. فقاموا باحتلال قرانا وحرقها… يعيش الآشوريون الآن في قمم الجبال ب-”تياري” و”تخوما” مرورا ب-”ديز”، وهم يموتون بسبب نقص الغذاء. ليست لدينا أي عتاد والأتراك يحاصروننا، لقد نفذت خياراتنا.
وفي مجرزة سعرت حيث قامت في حزيران 1915 باعتقال جميع الرجال الكلدان في البلدة وسلب بيوتهم بأمر من حاكمها حلمي باشا. ويروي شهود عيان كيف قام المهاجمون بتعرية المعتقلين من من ملابسهم وقتلهم بالسلاح الأبيض , بعد عدة أيام صدرت أوامر بترحيل ما تبقى من نساء وأطفال من سعرت وسبعين قرية مسيحية بتلك المنطقة، فسيروا مسافة 100 كم بصحبة خيالة كردية إلى ماردين وقبل وصولهم إليها أرسل حاكمها بدري باشا برقية طلب فيها من الخيالة تصفية جميع من معهم من الأطفال والنساء. فجلبوا إلى وادي يعرف باسم واويلا حيث قام الخيالة معززين بمئات الرجال والنساء الأكراد من القرى المجاورة بقتل معظمهم بالسيوف والخناجر والحجارة ولم يسلم منهم إلا من تضاهر بالموت.(32)

وفي نفس الوقت توجهت قوات جودت باشا ‏ وخليل باشا التي كانت متمركزة في حكاري إلى قرى سنجق سعرت حيث تواجد حوالي 60,000 مسيحي معظمهم من الكلدان والسريان الأورثوذكس وقاموا بإبادة جميع سكان القرى المسيحية. ويروي رافايل دي نوغاليس مينديز ‏ وهو ضابط فنزويلي كان يحارب بإمرة العثمانيين كيف أن المجازر كان قد خطط لها مسبقا من قبل السلطات العثمانية فلدى وصوله إلى سعرت يروي دي نوغاليس ما شاهده (33)

كان بالإمكان مشاهدة آثار المجازر في التلال المطلة على الطريق الرئيسي، والتي غطت سفوحها الكئيبة آلاف الجثث شبه العارية والمدمية، ملقية في كوم أو متعانقة خلال شهقات الموت الأخيرة. تمكنت مع رجالي من دخول سعرت بصعوبة لتراكم الجثث التي اعترضت سبيلنا في الطريق. وهناك شاهدنا كيف قام بعض سكانها بمرافقة الشرطة المحلية بسلب بيوت المسيحيين. لدى وصولنا إلى السراي التقينا بالحكام المحليين الذين كانوا مجتمعين بجودت باشا ومن حديثهم استنتجت أن المجزرة تم التخطيط لها البارحة من قبل جودت باشا شخصيا.

ويروي دي نوغالس كذلك أنه لدى حديثه مع محمد رشيد باشا والي ديار بكر، ابلغه الأخير أنه استلم أوامر الإبادة من خلال برقية من طلعت باشا وزير الحرب تحتوي على ثلاث كلمات: أحرق – دمر – أقتل (Yak-Vur-Öldür).

أما الأسلحة التي كانت أكثر أستعمالاً لدى العثمانيين والأكراد المسلمون : تم استخدام العديد من الطرق في قتل المدنيين، وقد كان استخدام السلاح الأبيض الأكثر شيوعا لكونه غير مكلف ومنه انحدر اسم المجازر بالسريانية. ويروى أنه في بداية المجازر في آمد (ديار بكر) أعتقل حوالي الألف من أعيان البلدة من الأرمن والسريان/الكلدان في بتهمة حيازة أسلحة وبعد أن جمع مبلغ مالي مقابل إطلاق سراحهم قرأ عليهم المفتي خبر الصفح عنهم، وبعد أن سيقوا في شواع البلدة وضعوا في عوامات خشبية على نهر دجلة ليتم إيقافهم في ملتقى نهر بطمان بدجلة جنوبي المدينة حيث عروا من ملابسهم وذبحوا ورمت جثثهم بالنهر. (34) كما قامت السلطات بأخبار أهاليهم بوصولهم سالمين إلى الموصل. وقد قام العثمانيون بهذه العملية عدا مرات حتى أنه يروى أن أهالي الموصل كانوا يشاهدون وصول العوامات الخشبية الفارغة متبوعة بجثث المقتولين طافية على النهر، فقام القنصل الألماني هناك بالاحتجاج لدى والي الموصل غير أن الأخير ألقى اللوم على والي ديار بكر جودت باشا.(35) حاولت السلطات بعدها إجبار بطريرك المدينة على الأرمن توقيع وثيقة ترجيء وفات الأعيان لأسباب طبيعية غير أنه رفض، فقاموا بقلع سنونه ونتف لحيته وتم اغتصاب زوجته وقتلها ثم فقأوا عينيه ودقوا مسمارا بجبينه.(36)

أثناء مجازر نصيبين وجزيرة ابن عمر الثانية في آب 1915 اقتيد الرجال إلى وادي بعيد وتم ذبحهم بعد تخييرهم بين الموت ودخول الإسلام. فقتلوا خلال يومين 800 رجلا. بعد يومين أرسلت بقية العوائل في عوامات خشبية، وبأعالي النهر تم التقاطهم في قرية كردية وتم اغتصاب النسوة وقتلهن ورمي جثثهن بالنهر.(37)
تعتبر قرية قرة باش شمال شرق آمد من أولى القرى السريانية التي تم إبادة سكانها بشكل شبه كامل. فبحد أن تم تجميع جميع قطع الأسلحة فيها، دخلها مجموعة من خمسين رجلا وقاموا بجمع الرجال بها وقتلهم بعدها قام مسؤولان من حركة تركيا الفتاة بتحريض سكان قرية كردية مجاورة بالهجوم على قرة باش واعدين إياهم بالغنائم مقابل إبادة سكانها. وبالفعل هوجمت القرية في أيار 1915 فنهبت المنازل وأحرقت كما قام المهاجمون باغتصاب النسوة وقتلهن.(38) ويروي الدكتور “فلويد سميث” الذي كان عاملا بالأرسالية الأمريكية بآمد ما شاهده:( 39, 40)

في 21 أيار استقبل مجمعنا ثالثة أو أربعة أشخاص وفي اليوم التالي وصلت مجاميع من النساء والأطفال الأرمن والسريان. وقد أخبرني القرويون أن الأكراد هاجموهم قبل ثلاث ليالي كما قام العسكر بسد الطريق إلى آمد، غير أن البعض تمكن من التسلل إليها…
يمكن تصنيف أنواع الجروح التي تكبدوها إلى التالي:
1. جروح من جراء سيوف أو سكاكين على فروة الرأس والوجه والعنق الأكتاف والضهر والأطراف.
2. ثقب ناتجة عن طلقات نارية على الأطراف.
3. جروح ناتجة عن آلات قطع ثقيلة كالفئوس.

لاحقا، تم استهداف قرية “قابية”، فالتجأ سكانها إلى كنيسة “مور قرياقوس”، فتم جمع الرجال وربطهم وحرقهم في حضائر بينما اغتصبت النسوة في الكنيسة وقتلن بالفئوس. وبحسب إحدى الناجيات فقد تمكنت من الهرب بعد أن اختبأت بين جثث أقاربها، كما يعتبر فتى آخر الذكر الوحيد الناجي من البلدة بعد أن إختبأ في كرمة.(41)
كما وبالرغم من صدور قرار يعفو عن جميع غير الأرمن من المسيحيين. فإنه لدى ترحيل قافلة من النساء والأطفال باتجاه ماردين قام رشيد باشا بإيقافها في قرية “غوليكه” وجمع 800 طفل في أحد المباني وقام بإشعال النار فيه شخصيا.(42)

في البداية لم تلقى تلك المذابح محط أهتمام العالم كالمذابح الأرمنية ولكن لاحقاً أعترف العالم كله بتلك المجازر كما أعترف الأكراد بها وقدم أعتذار رسمي , ولكن السلطات التركية لم تعترف بها حتى الأن .

طبعاً هذا مُجرد مرور على تلك المذابح وأهم المحطات بها , لأنه لو أردنا التكلم عنها بالتفصيل فسأحتاج لسنة كتابة !

ــــــــــــــــــــــــــ

مراجع :

1- محمود الدرة –القضية الكردية ص90.
2 لندن 1925H.T. Luke;Mosul and its minorities. P.99. نقلاً عن رياض رشيد ناجي الحيدري – الآثوريون في العراق 1918-1936 ص.68. ط1 القاهرة 1987.

3- هنري لايارد – البحث عن نينوى – منشورات دار سرجون. السويد. ترجمة ميخائيل عبدالله عن البولونية.

4 – الآشوريون بعد سقوط نينوى- المجلد السادس- مذابح بدر خان بك. للباحث: هرمز أبونا.

5- قتل أمة: هنري مورغنطاو –السفير الأمريكي في تركيا ما بين 1913 و1919
6- Aprim 2005, ص. 49

7.The Plight of Religious Minorities: Can Religious Pluralism Survive? – Page 51 by United States Congress
8. Hovannisian 2007, ص. 272
9. Not Even My Name: A True Story – Page 131 by Thea Halo
10. The Political Dictionary of Modern Middle East by Agnes G. Korbani
11 – The Assyrian Genocide, 1914 to 1923 and 1933 up to the present, Rutgers University
12 – Sabri Atman, The Assyrian Genocide: A Largely Unknown Genocide that was a Product of Ottoman Jihad, as were the Armenian and Greek Genocides, GenocidePreventionNow

13 – In 1918, according to the Los Angeles Times, Ambassador Morgenthau confirmed that the Ottoman Empire had massacred fully 2,000,000 men, women, and children — Greeks, Assyrians, Armenians; fully 1,500,000 Armenians. ” Hannibal Travis, Native Christians Massacred : The Ottoman Genocide of the Assyrians During World War I, Genocide Studies and Prevention, Vol. 1, No. 3, p. 327, December 2006

14- Abdul-Massih Saadi, The Scythe of the Ottomans and the Decimation of the Assyrian Nation, bethnahrain.net
http://www.betnahrain.net/1History/Saadi1.htm

15- Literataure: Zahrira-d-Bahra، Assyrian Voice
http://www.assyriancc-nohadra.com/files_bank/748fec36089a58b47191455f99519efc.pdf

16- Heazell & Smith 1913, ص. 6
-
17- شمعون دنحو، صفحات مطوية من تاريخ إمارة سوران الكردية،
http://www.bethsuryoyo.com/currentevents/KurdishHiddenPages/KurdishHiddenPages.htm
18 – McDowall 2000, ص. 45-47

19- Stafford, Ronald Sempill (2006), The Tragedy of the Assyrians, Gorgias Press LLC, ISBN 978-1593334130‎.
20- Hovannisian, Richard (2007), The Armenian genocide: cultural and ethical legacies, New Brunswick, New Jersey: Transaction Publishers, ISBN 978-1412806190‎.
21- Joseph 1983, ص. 88

22- Andrieu, Sémelin & Gensburger 2010, ص. 386
23- Ungor 2005, ص. 63

24- Totten, Bartrop & Jacobs 2008, ص. 57

25- Stafford 2006, ص. 23

26- Gaunt & Beṯ-Şawoce 2006, ص. 136

27- Gaunt & Beṯ-Şawoce 2006, ص. 135

28- Malik, Yusuf (1934), The Assyrian Tragedy , S. Michael‎
http://www.aina.org/books/tat.htm
29- Stafford 2006, ص. 25

30- نفس المرجع السابق صفحة 25
31 – Gaunt & Beṯ-Şawoce 2006, ص. 121
32- Malik, Yusuf (1934), The Assyrian Tragedy , S. Michael‎
33- Gaunt & Beṯ-Şawoce 2006, ص. 251
34- Gaunt & Beṯ-Şawoce 2006, ص. 163

35- Ungor 2005, ص. 49

36-المرجع السابق صفحة 50

37 المرجع السابق صفحة 75

38 – المرجع السابق صفحة 46
39- Dr. Floyd O. Smith s Report
http://www.cilicia.com/armo10b_floydsmith.html
40- Diyarbekir (1915-1916): Young Turk Mass Killings at the Provincial Level , Encyclopedia of Mass Violence
http://www.massviolence.org/The-genocidal-process-in-the-southeastern-Ottoman-province?artpage=4
41- Ungor 2005, ص. 47
42- المرجع السابق

 

 

الحوار المتمدن

تعليق واحد على “مذابح عابدي الإله أكبر بحق الأقليات الدينية والعرقية في سوريا عبر التاريخ الجزء الثاني (الآشوريون/ السريان/الكلدان )

  1. مع الأسف تورط الكر في هذه المجازر لكن الدافع الديني وجهل الأكراد بالحقيقه ادت الى هذه النتيجة.
    فقد استخدم الأكراد من قبل العثمانيين بوازع الدين…ومع الف اسف نحن الكرد اصبحنا مسلمين فالأسلام كان دوما ضد الكرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>