بدران امرايا
مجدا  للطفلة آشورينا ( زنبقة العراق  )

17 /03 / 2011
www.nala4u.com

في التاسع والعشرين من آذار الجاري ستحل الذكرى الأليمة الرابعة لرحيل الطفلة  الكلدو آشورية البريئة آشورينا  ..هذه الطفلة التي ازبلت مدامع الدنيا عامة والعراقيين على وجه الخصوص ووحدت دموع وقلوب العراقيين من زاخو إلى الفاو ومن القائم إلى المندلي .. لأنها فتحت عيناها لنور الدنيا وهي تأن من وطأة الألم والآهات والحسرات لكونها ولدت بعد ثلاثة سنين من العجاف والحرقة لتكون باكرة اسرتها ( بركتا دبيثا ) بركة البيت كما تسمى بالسريانية وتضيء وتعطر زوايا البيت الموحشة بالمسك والزعفران .. ولان قلبها الصغير لا ينبض كباقي أقرانها من الأطفال فكان مشوها بأربعة فتحات خلقية ( رباعي الفالوت ) وكانت هذه الطفلة المعدومة صحيا سببا لان تطوف العائلة بها من مكان لأخر عساهم أن يجدوا لها دواءا وعلاجا شافيا يقلل من وتيرة آلامها المبرحة .. لان التأخير كان يقلل من فرصة إنقاذها من براثن الموت المحقق وفعلا كانت هذه الطفلة الشقراء كالفراشة الرقيقة تطير من زهرة لتحط على أخرى سعيا وراء هدف سام اسمه العلاج وإنقاذ الحياة وإطالة العمر ..ولكثرة ترددها للدكاترة والمشافي وبعيدة كل البعد عن أجواء أقرانها من الأطفال واللعب واللهو بين الأزقة والدرابين  تعقدت نفسيتها من أجواء الطب والملابس البيض ..فبدا الدكاترة ينبشون صدرها الغض وإجراء القسطرة وتناول الأدوية بشكل يومي ..ولما بلغت الخامسة من العمر ولكثرة ذكائها وولعها بالجو الدراسي سجلت بالمدرسة السريانية فكانت الأولى  وخاصة بلغة أمها وأمتها الحضارية ( السريانية  ) فكانت تقرا جريدة بهرا الغراء الجريدة المركزية للحركة الديمقراطية الآشورية الطبعة السريانية بشكل عكسي إلى جانب امتيازها بالانكليزية إلا إن جسمها الوهن الهزيل كان يحدها من حمل حقيبتها المدرسية فكانت تستعين بزملائها لحمل هذا العبء من على أكتافها  وهكذا دارت رحى الأيام  واجتازت هذه الزنبقة الربيعية الصف الأول للثاني بجدارة وتفوق  .. وخلال الصف الثاني لم يدم جلوسها كثيرا على مقعدها المدرسي وبين أحبائها من التلاميذ .. بل طارت إلى الأردن للعلاج الذي كفلته لها فضائية الشرقية الغيورة ( الأم الحنونة والحضن الدفيء لمعاناة أطفال العراقيين ) المحرومين من براءة الطفولة في وطنهم الأم العراق وضمن برنامج اليد البيضاء ولدى السفر قالت هذه الوردة الصغيرة لامها ( انا بيازن وبنيخوتن مني ) أي ما معناه أنا سوف ارحل وترتاحون مني .. لكن الحرقة و مشاعر التوديع ودموع الفرقة غطت على هذا التنبؤ البريء والمبكر من لدن طفلة مثقلة بالألم والترهل الجسدي .. وكذلك عندما ارتفعت الطائرة قالت لوالدها ثانية ( انا بزالي لكب مريا ) أي أنا سوف اذهب لعند الرب , لكن الوالد رد عليها سنعالج قدماك وسوف تعودين لتركضين إلى المدرسة على قدماك وستحملين حقيبتك بنفسك دون مساعدة احد .. لقد اخفي عليها مرضها الحقيقي خوفا من أن تنهار نفسيتها لأنها كانت حساسة ووديعة ورقيقة المشاعر كقطرات الندى الصباحية .. وخلال فترة العلاج هناك تآكلت من نفسها ومن جسدها الوهن بحيث فقدت 2كغم من وزنها لشدة اللوعة والحسرة والبكاء على أسرتها  البعيدة عنها على الرغم من المكالمات الهاتفية معهم على الدوام فكانت شديدة الحسرة لرؤية  شقيقتها بابلينا وأشقائها نينوس وسركون وسنحا ريب وامها. هكذا استمر الحال لما يقارب الشهر إلى يوم الحسم يوم العملية ذلك اليوم المشئوم فخلال تلك الليلة المشينة لم تترك والدها أن يغمض عينيه للنوم من شدة التقبل وضمه بشدة ولهفة فكانت تشعره بقرب اجلها المحتوم وتودعه وتشبع نظرها منه وعوضا عن أسرتها الغائبة وتنبه بان ساعات حياتها بدأت بالعد التنازلي وإنها تلمح سربا من ملائكة الموت يحوم فوق رأسها .. وفي الصباح غطت في النوم قليلا وبعد ساعة نهضت واتجهت بسرعة صوب النافذة وأزاحت الستار وبدأت تحدق في السماء وكأنها تبحث عن شيء افتقدته .. فقام الوالد بإسدال الستار عساه أن يهيأ جوا مريحا لنومها لكنها أصرت بإزاحة الستار والرجوع للتحديق في السماء والتحلق في الآفاق البعيدة فعلى ما يبدو إنها كانت تشبع نظرها من ضوء الدنيا لان ملائكة  الموت بدؤوا بإلباسها الكفن الملائكي الأبيض تمهيدا لجعلها عروسة صغيرة لحضارة العراق تيمنا باسمها العتيد والشامخ وعند أخذها  لردهة العمليات وهي مستلقية على عربة كانت تقرا الأسماء المكتوبة على أبواب غرف المفشى وتساءلت لماذا لا يكتبونها بالسريانية ؟ لشدة حبها وتعلقها بلغتها القومية .. ومن ثم قبلها الوالد القبلة ولم يعرف بأنها ستكون الأخيرة ومن ثم انتزعت بقوة وهي تصرخ وتستنجد بكل ما أوتيت من قوة من قبل احد الدكاترة وبعد أن زرقها بالمخدر فذبلت كالزهرة المتعطشة للماء وماتت الموتى الأولى بين يديه لينبش الدكاترة صدرها عساهم أن يجدوا لقلبها المشوه علاجا يمدها بدم  الحياة  وبعد ستة عشر ساعة من عملية القلب المفتوح والبث المباشر للعملية من على شاشة الشرقية والملايين المشاهدين يتابعون مصير هذه الطفلة التي  تصارع الموت بشدة وخلالها توالت جموع العراقيين بكل أطيافهم ومن ضمنهم السفير العراقي السيد  سعد الحيالي والسيد سعد البزاز صاحب مؤسسة الزمان الإعلامية  وقناة الشرقية  والآنسة كلوديا حنا ملكة جمال العرب  إلى مشفى الإسراء الأهلي بالعاصمة عمان  لمؤازرة الوالد المسكين وهو في أحلك الظروف فبدا الجموع بإيقاد الشموع وتلاوة الصلوات الجماعية مسلمين ومسيحيين تشفعا بسلامتها إلى جانب العشرات من المكالمات الهاتفية من أصقاع الأرض تدعو بسلامتها ورجوعها معافية إلى أحضان أهلها وأحبابها لكونها هوية العراق الحضارية كما وصفوها العراقيين..وفي الساعة التاسعة ليلا خيم الهدوء على الأجواء ليأتي احد العراقيين بخطوات بطيئة ومتذبذبة ومشوبة بالحزن والقلق واسمه حامد البصري ( أبو زهراء ) ليحضن والد الطفلة بشدة ويصرخ بكل قوة وينفجر بالبكاء عندئذ بات كل شيء واضحا وضوح الشمس وانفجرت مدامع الحاضرين بالبكاء والعويل  لرحيل طفلة العراق وزنبقتها الشقراء آشورينا  بأجواء الغربة وتوقف قلبها الصغير والمشوه عن الخفقان وماتت موتتها الثانية والأخيرة عندئذ طارت روحها البسيطة لتسبح مع سرب الملائكة لتستقر في الاخدار السماوية حيث النقاء والصفاء والطهارة وحيث لا يوجد الدواء والألم ورؤية المشافي بعد وكل عذابات الحياة وهمومها..ونقل جثمانها الطاهر إلى ارض الوطن بعد أن غسل وعمد بدموع الجالية العراقية هناك وحطت الطائرة بمطار اربيل الساعة الثالثة صباحا ليكون أول المستقبلين رفاق زوعا الاحبة وكادر الشرقية الميامين .. ومن ثم ينقل الجثمان إلى دهوك قرية بيرسفى حيث ولدت وقضت سنينها السبعة الحافلة بالأم والآهات  .. حيث خرجت القرية عن بكرتها لتستقبل ابنتها وعروستها البارة بالهلاهيل والزغاريد  وتناثر الورود  وطلاب مدرستها والهيئة التعليمية كانوا مصطفين على جانبي الطريق ليسلموا على زميلتهم  المدرسية ويؤدون لها التحية الأخيرة ووجوههم موسومة بالحزن والأسف ووريت الثرى هذه الطفلة الرقيقة وسط استقطاب جماهيري ومؤسساتي  وحزبي واسع .. هذه كانت آشورينا الطفلة التي ولدت في 18 آذار 2000 وتوفيت 27 آذار 2007 والتي كتب لها الشقاء والألم لسبع سنين حياتها القصيرة.. الطفلة التي وحدت قلوب العراقيين  المنكسرة ومزجت ودموعهم الحزينة على فراقها .. والتي فتحت قريحة الشعراء ليمطروها بأبياتهم الشاعرية الجياشة بالأحاسيس الحزينة  كالشاعر شاكر سيفو -اسيت يلدا -جوزيف يعقوب و يونان يوخنا وغيرهم .. ولم يبقى من تلك الطفلة الهزيلة جسميا إلا اسمها الحضاري الشامخ ..وذكراها المدمية عند من عرفوها .. وزينت مدرستها السريانية  بلوحة جداريه كبيرة تحمل صورتها ومكتوب عليها  عبارة (أشورينا تحبكم  ) لتكون الذكرى الأليمة عند أقرانها في صف الثاني السرياني وبقية تلاميذ المدرسة.. أما حقيبتها الدراسية اليتيمة والحزينة على فراق صاحبتها  فقد ظلت مخدة قاسية لرأس والدها  يسند رأسه عليها ليشتم عبق آثار أناملها الطيبة وعطر أنفاسها والمنعشة ويخور في ذكراها القاتلة لأنها فلذة وكبده ووجدانه وشريان حياته المتدفق .. وستظل آشورينا لوحة جداريه جميلة  ورقيقة معلقة في ضمير كل من عرفوها .. وجرحا مفتوحا في قلب والدها ..والذي لا يندمل بكل عقاقير عالم الطب .. فإلى الروضة الإلهية الفياضة بالراحة والنعيم والسكينة السرمدية ..أيتها الحبيبة الغالية ….

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*