حساب الوقت ( ألتقويم ) ألحلقة1


بقلم الشماس : بريخا ياقو أوراها

ما معنى حساب الوقت أو ألتقويم؟

لا زال الأمر غامضاً للكثير وأخص بالذكر شعبنا الذي يعد بالغ الأهمية لهذا التقويم عند جدولة الأعياد الدينية والمناسبات الخاصة بالكنيسة. وأنّ ما نراه اليوم من خلاف في كنيسة المسيح بخصوص التقويم أو إحتساب مواعيد الأعياد الدينية أو غيرها ، فأنّ سببه واضحا وقد جاء نتيجة للفهم الخاطيء لمعاييره وإستحداثاته لأجل الدقة والتطابق وتلافي المفارقات الزمنية التي وقعت فعلاً بعد مرور عقود وقرون من إقراره وتطبيقاته . وعليه نرى اليوم وجود فريقان بخصوص التقويم وكل منهما يدّعي بأنّ تقويمه هو الأصح والأدق من الثاني ، وهذان التقويمان يُدعيان ، الأول باليولياني نسبة إلى يوليوس قيصر، والثاني بالغريغوري نسبة إلى البابا غريغوريوس الثالث عشر… واللذين سنأتي على شرحهما لاحقا. وهناك مَن يسمّي الأول… بالتقويم القديم ، والثاني… بالجديد ، وغيرها من التسميات التي تليق للفريقين.

وقبل البدء بالدخول في التفاصيل ، علينا تعريف ما هو حساب الوقت عند الفلكيين والذي يبدأ من لحظة بدء الأرض بالدوران حول نفسها ورجوعها ثانية إلى نفس نقطة الإنطلاق ، وهذا الوقت الذي تستغرقه في الدوران يدعى.. يوما واحدا. وكما هو معروف فأنّ دورة كاملة للأرض حول الشمس…يدعى سنة واحدة وتستغرق 365.2422 يوما ، أي ما يعادل 365 يوما ورُبع اليوم. وما معتاد عليه في حساب الزمن عند إستخدام فقط التقويم السنوي الشمسي الذي يفسّر بسنة مع كامل عدد أيامها ، وعليه يكون التقويم السنوي الشمسي متضمنا 365 أو 366 يوما . والرقم الأول يدعى سنة بسيطة بينما الثاني بسنة كبيسة بإضافة يوم واحد على عدد أيام السنة البسيطة ، ليصبح شهر شباط 29 يوما بدلا من 28 يوما والذي يصادف كل أربع سنوات.

الأصل أو البداية

أود في البداية أن أستعرض للقارئ الكريم نبذة مختصرة عن تاريخ إبتداء حساب الوقت ومنشئه والحاجة التي أيقظت العناية والفضول لدى الإنسان البدائي في بلاد ما بين النهرين التفكير بما يلائم لنفسه في وضع النُظم والقواعد اللازمة لحساب الوقت من خلال الظواهر الطبيعية المتعاقبة وتغيرات اليوم الكامل والفصول وفترات الأمطار والفيضانات الملازمة والمتكررة وظاهرة المد والجزر وفترات هجرة الطيور وكذلك الفترات الفسيولوجية عند الانسان نفسه والتي تتمثل في عمر الانسان وفترات الحمل والحيض للمرأة وغيرها والتي نالت أعجابه وساعدت بشكل فعّال في تطوير إحتساب الوقت الفلكي.

ونستذكر للقاريء الكريم بأنّ سومر الواقعة جنوب بلاد ما  بين النهرين ، كانت منطقة ثقافة وتمدن

وعليها ترعرعت وتطوّرت حضارة عالية والتي منها أوروبا وأفريقيا وآسيا توارثوا جملة إكتشافات وعلى سبيل المثال تقسيم الزمن ، الكتابة ، العملة والبطارية…. وهذه المنطقة كانت مهيمنة من قِبل جماعات بشرية سومرية مع بداية العصر التأريخي بحوالي 3200 قبل الميلاد وحتى نهاية العهد السومري الجديد بحدود 2000 سنة ق. م. وهناك ظهور راسخ لملوك ما بين النهرين بألقابهم السومرية في جنوب البلاد وبألقابهم الأكدية في شمال البلاد . واليوم صار معروفاً للعالم بأسره بأنّ بلاد ما بين النهرين هي منها أصل حضاراتهم الحاضرة . وليست قصة الخليقة والفردوس وحدها ـ المذكورة في الكتاب المقدس ـ التي يرجع أصلها إلى بلاد ما بين النهرين ، وإنما أيضا كيفية قياس الوقت وإحتسابه والجذر التربيعي وغيرها… يرجع أصلها إلى هناك.

وعليه أصبح من الضرورة على إعادة النظر في تقييم مهد الحضارات بما يلي:

1. أنّ الأديان السماوية الثلاث مرجع أصلها من بلاد بين النهرين.

2. أنّ الرياضيات والتنجيم والفلك والعلوم منشئها من بلاد النهرين.

3. أصل فن الكتابة يرجع الى هذه البلاد.

 التقويم البابلي

يرجع أصل ، تقسيم اليوم إلى 12 ساعة نهارا و12 ساعة ليلا أو تقسيم السنة إلى 12 شهرا .  والذي كان نظام الأعداد عندهم مع قاعدة العدد 60 . ومن هذا المنطلق قاموا بتقسيم اليوم إلى 12 ساعة ضوئية و12 ساعة ظلام والغريب في التقسيم أنّ الساعات كانت مختلفة بأوقاتها حسب فصل السنة ، إلى البابليين الذين ورثوه بدورهم من السومريين الذين طبّقوا صنفاً قديماً في حساب الزمن حيث السنة الشمسية كانت مقسمة عندهم الى نصفين ـ صيف وشتاء وعند الأقاليم الشمالية كانت السنة مقسمة الى ثلاثة أو أربعة أقسام متشابهة. وهناك دليل بأنّ المدن السومرية من 2300 سنة ق.م بدأت بتطبيق السنة الشمسية المؤلفة من 12 شهر والتي كل شهر فيها 30 يوماً أي سنة ذات 360 يوماّ التي لم تتماشى بخطوات متساوية مع فصول السنة , وعليه أوجدوا من 2000 سنة ق.م حلاّ لأجل التطابق الأفضل مع فصول السنة وهو بإبتكار الشهر الثالث عشروالذي سمّوه (إيتي ديريخ) أي بمعنى وجوب التمديد والإطالة ـ وهي كلمات سومرية أو أكدية قريبة التشابه مع الآشورية الحديثة.

في السنة 1800 ق.م بدأ حكام الدولة البابلية القديمة يُدخلون مقياس الزمن الثابت وقد لعب كُلاً من إله الشمس(شمش) وإله القمر(سين) البابليَين دورا كبيرا في انتخاب وحدات تقسيم الزمن الى فترات متعاقبة. وعليه فأنّ الشعب في بلاد الرافدين كان الأوّل الذي بدأ بتطبيق سنة قمرية مرتبطة أي بمعنى الترابط والتزامن بِمكوّناتها مع السنة الشمسية والتي صارت بعد ذلك نموذجا للشعوب المجاورة ومن أشهرها التقويم اليهودي المعروف بـ(الشمس القمري) والذي لا يزال يستخدم لحد الآن  ومن ضمنهم أيضاً تقاويم الكنائس الشرقية عند إحتساب أيام الفصح والقيامة.

بعدها الى حد ما متأخر بدأت التقاويم البابلية المماثِلة بتطبيق تقنية دائرة(عجلة) السنوات الكبيسة المنتقية المؤلفة من 235 شهراً جمعاً والتي قُسّمت الى 19 سنة, وفي هذه الدائرة وضعت السنوات السبعة الكبيسة كأرقام 3, 6 , 8 , 11 , 14 , 17 , 19 . وهذا يعني أنّ كل يوم في السنة يتكرر, على الأقل مرة كل 19 سنة, بنفس الحالة في ظرف الفصول السنوية. وإليكم أسماء الأشهر البابلية والتي نجدها نفسها في التقويم اليهودي :

Nivannu  ـ نيسان       Abu ـ آب                                Disivilu ـ ك 1

Ayru ـ أيار                Ululu ـ أيلول                            Dhabitu ـ ك 2

Sivannu ـ حزيران        Tasritu ـ تشرين 1                     Sabadhu ـ شباط

Deiuzu ـ تموز           Aras-samna ـ تش 2                  Addaru ـ آذار

أن فترة أو دائرة الـ 19 سنة عولجت فيها السنوات السبع الكبيسة المنوه عنها أعلاه بإضافة الشهر آذاروالذي دعي آذارو 2 لكل سنة كبيسة حيث احتسبت من 13 شهرا ليكون إجمالي الأشهر 235 شهرا أي (7×13 +12×12= 235 ) .

سُمّيت هذه الدائرة بعد ذلك بـ (دائرة ميثون) نسبة الى مكتشفها العالم الفلكي اليوناني(Meton) والتي أشتهرت في 400 سنة ق .م .   ومع ذلك فأن البابليين إستخدموها قبل هذا الوقت بزمن طويل وعلى الأرجح أن الفلكي اليوناني ميثون استعار إكتشافه من هناك . وهناك أيضا في التقويم الصيني القديم عناصر التطابق مع هذه الدائرة , وعليه فأن هنالك بالحقيقة غموض عن مُكتشفها الأول وعن متى بدأ تطبيقها . والمشوّق فيها الأكثر أنها لا تزال تستخدم في تقويمنا الحاضر عند حساب زمن الفصح اليهودي ويوم تصادفه لأجل معرفة وتثبيت أحد القيامة . ( تجده في كتاب الخوذرا ـ جدول حساب الفصح : أبيات الصوم ). سنوافيكم بشرح مفصل عن هذه الدائرة في الحلقات الأخرى .

الفلكيون البابليون لم يتوقفوا عند هذا الحد , بل كانوا السباقين والأوائل الذين بدأوا بتطبيق إسبوع بسبعة أيام , وأن تعرّفهم على الأجرام السماوية السبعة وهم الشمس والقمر والكواكب السيارة الخمسة (ماركوريوس , فينوس , مارس , جوبيتر , سارتورنوس) معتبرين بأن لكل واحدة منها السيطرة على يوم في الأسبوع ,هذا من جهة ومن جهة أُخرى أن إسبوعهم كان يشكل ربع الشهر القمري. وهناك إحتمال كبير بأن اليهود والعرب أخذوا هذا التشكيل البابلي نموذجا عندهم وتكوّنت لاحقا تقاويمهم الخاصة بهم .

أحتسب اليوم البابلي من غروب الشمس الى غروب الشمس وهي عملية منظورة والتي في بعض التقاويم لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا . الليل والنهار قُسّما كليهما الى ثلاث نوبات واليوم الكامل الى 12 ساعة نهارا و12 ساعة ليلا كما أسلفنا أعلاه , كل هذا بفضل المحاولات الناجحة للبابليين لقياس ساعات اليوم من خلال إنشاء وبناء ساعات شمسية ومائية.

البابليون كانوا الأوائل في إظهار القاعدة المنتظمة في كسوف الشمس وخسوف القمر من خلال تدوين الكسوف والخسوف في فترات زمنية طويلة ووجدوا أنها تتكرر مع فترات منفصلة تقريبا في 18 سنة و11 يوما , وهذه الفترة معروفة بـ (دورة سارو).

كذلك شاهدوا الفلكيين البابليين أن الأجرام السماوية تتحرك دائما خلال حزام رفيع من سماء النجوم ـ سُمّيت مؤخرا بالمجرة ـ والتي قسموها الى 15 مجالا مماثلا لكل واحدة منها صورتها النجمية والتي معا شكلت دائرة الحيوانات أو دائرة الأبراج , وبعدها قُللت من قبل الفلكي اليوناني هيباركوس لتصبح 12 برجا .

في الحلقة اللاحقة … سنتطرق عن التقويم المصري والأغريقي(اليوناني) والروماني واليهودي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*